مقالات
أحمد الشرع حين لعب على المكشوف: سقوط “قسد” وانكشاف حدود القوة الأمريكية…. بقلم : المؤرخ أ.د ياسر طالب الخزاعله.
بقلم : المؤرخ أ.د ياسر طالب الخزاعله.

أحمد الشرع حين لعب على المكشوف: سقوط “قسد” وانكشاف حدود القوة الأمريكية….
بقلم : المؤرخ أ.د ياسر طالب الخزاعله.
لم تسقط “قسد” لأن دمشق امتلكت فجأة جيشًا خارقًا، ولم ينهَر شمال شرق سوريا لأن الطائرات قصفت أكثر، بل لأن الوهم الأمريكي بلغ نهايته الطبيعية. ما جرى لم يكن معركة، بل فضيحة استراتيجية مكتملة الأركان، وانكشافًا مدوّيًا لمشروع بُني على الافتراض الخاطئ بأن الميليشيا يمكن أن تحلّ محل الدولة، وأن السلاح المدعوم بالدولار قادر على شراء الولاء إلى الأبد. في تلك اللحظة التي تهاوت فيها “قسد” كجدار كرتوني تحت ضغط الداخل لا الخارج، كانت دمشق لا تستعيد أرضًا فقط، بل تستعيد تعريف من يحكم ومن يُستعمل ثم يُرمى.
“مقامرة أحمد الشرع الكبرى” لم تكن مقامرة بالمعنى العبثي، بل مقامرة على هشاشة الخصم، وعلى جبن الحليف، وعلى ملل الإمبراطورية من أدوار الحراسة في خرائب الآخرين. الشرع قرأ المشهد ببرودة جراح، وفهم أن الولايات المتحدة لا تخسر حين تُهزم عسكريًا، بل حين تفقد الرغبة في الاستمرار. وهذا بالضبط ما فعله: لم يطلق رصاصة على واشنطن، بل سحب منها الرغبة، والذريعة، والوظيفة. وحين تُسحب الوظيفة، ينهار كل ما بُني عليها.
“قسد” لم تكن يومًا مشروع حكم، بل مشروع إدارة مؤقتة للفوضى، جهاز أمني موسّع بلا روح سياسية، وبلا عقد اجتماعي، وبلا خيال دولة. عشر سنوات من التسليح والتدريب لم تُنتج كيانًا قادرًا على الصمود ساعة الحقيقة، لأن البنية كانت معطوبة من الأساس. تحالف قسري بين مكوّن كردي مسلّح ومحيط عربي مُهمَّش، تُدار العلاقة بينهما بالرواتب والخوف لا بالشراكة. كان يكفي أن يتوقف الخوف، أو أن يظهر بديل أقل إذلالًا، حتى تبدأ الانشقاقات كالنار في الهشيم.
وهنا ضرب الشرع في العمق. لم يهاجم الجبهة، بل فكك العمود الفقري. “دبلوماسية العشائر” لم تكن حركة ناعمة، بل كانت عملية اختراق سياسي فتاك، أعادت تعريف من هو صاحب الأرض ومن هو الطارئ المسلّح. حين اختارت العشائر العربية الانفصال عن “قسد”، لم تفعل ذلك حبًا بدمشق، بل كراهيةً للاستمرار في كذبة أمريكية اسمها “الشراكة”. هذه العشائر لم تكن ترى في “قسد” دولة، بل سلطة مفروضة، وحين فُتح لها باب العودة إلى الدولة – أي دولة – سقطت الميليشيا من الداخل كما تسقط الشجرة المنخورة دون حاجة إلى فأس.
الأكثر إيلامًا لواشنطن أن هذا الانهيار حدث بسرعة مهينة. أيام معدودة كانت كافية لتحويل كل ما استثمر فيه البنتاغون لسنوات إلى عبء. لم تكن هناك معركة فاصلة تُشهر فيها أمريكا قوتها، ولا مشهد بطولي لحليف يقاتل حتى النهاية. كان هناك فقط صمت، وانسحابات، وتسليم مواقع، وكأن الجميع كان ينتظر الإشارة للرحيل. هذه ليست هزيمة عسكرية، بل انهيار معنوي، لأن الجيوش تُهزم، أما المشاريع فتفشل، وما فشل هنا هو المشروع.
الشرع، في أخطر خطوة، لم يكتفِ بضرب “قسد”، بل ضرب المحرّم السياسي: تحدّى واشنطن علنًا، وفرض عليها أمرًا واقعًا دون أن يمنحها فرصة الردّ. هذه جرأة لا يقدم عليها إلا من يدرك أن الطرف الآخر فقد أنيابه. التهديد بالعقوبات بدا فجأة بلا معنى، لأن العقوبات لا تُسقط واقعًا مستقرًا، ولا تعيد كيانًا انهار اجتماعيًا. ثم جاءت المفارقة الفاضحة: ترامب، الذي يُفترض أنه خصم دمشق، يخرج ليشيد بـ”التقدم الهائل” ويقرّ بأن الدولة السورية “قادرة وراغبة” في تحمّل مسؤولية الأمن بدل الميليشيات. هذه ليست زلة لسان، بل إعلان وفاة رسمي لفكرة “قسد” كشريك استراتيجي.
في السياسة، الكلمات ليست مجاملة، بل إشارات. وإشارة ترامب كانت واضحة: انتهت الحاجة. حين تقول واشنطن إن الدولة – أي دولة – أفضل من الميليشيا، فهذا يعني أن زمن الوكلاء انتهى، أو على الأقل انتهت جدواه في سوريا. البنتاغون قد يرفض الاعتراف علنًا، لكنه يعرف أن جنوده باتوا في وضع لا يُحسد عليه: بلا حليف محلي حقيقي، بلا غطاء سياسي متماسك، وبلا قصة يمكن تسويقها للرأي العام الأمريكي الذي سئم “الحروب الأبدية”.
ولهذا بدأ الحديث عن “خروج واسع”. لا أحد يسميه انسحابًا، لأن الانسحاب كلمة ثقيلة في القاموس الأمريكي، لكن نقل المعتقلين، وتقليص القواعد، وإعادة التموضع، كلها أعراض لمرض واحد: فقدان الهدف. عشر سنوات في سوريا انتهت إلى سؤال محرج: ماذا بعد؟ ومع سقوط “قسد”، لم يعد هناك جواب.
ذكاء التوقيت كان الضربة القاضية. الشرع لم يتحرك في فراغ، بل في لحظة فراغ دولي. روسيا منشغلة، إيران محاصرة، تركيا تبحث عن مخرج آمن، وأمريكا تريد أن تُغلق الملفات لا أن تفتحها. هذه لحظة نادرة لا ينتظرها إلا من يملك الجرأة على القفز. كثيرون يعرفون اللحظة، قلة فقط يغامرون. والشرع غامر، ليس لأنه متهور، بل لأنه أدرك أن عدم المغامرة هو الخسارة الحقيقية.
لكن ما يجعل هذه المقامرة أخطر من مجرد انتصار ميداني، هو ما يليها. استعادة الأرض شيء، وإدارتها شيء آخر. السيطرة على حقول النفط ليست استعراض قوة، بل اختبار أخلاقي وسياسي. هل ستتحول هذه الموارد إلى أداة لإعادة بناء الدولة، أم إلى غنيمة تُعيد إنتاج منطق الفساد والاستبعاد؟ هنا فقط سيُحكم على هذه اللحظة: هل هي لحظة تأسيس، أم مجرد تبديل لاعبين على رقعة مكسورة؟
أما المكون الكردي، فهو الامتحان الأصعب. إذا تعاملت دمشق مع الأكراد بوصفهم خاسرين يجب ترويضهم، فإنها تزرع بذور انفجار مؤجل. وإذا تعاملت معهم بوصفهم شركاء أُسيء تمثيلهم من قبل ميليشيا، فإنها تفتح بابًا تاريخيًا لإعادة دمج حقيقي. الدولة لا تُقاس بقدرتها على القمع، بل بقدرتها على استيعاب المختلف دون أن تفقد سيادتها. هذه معادلة صعبة، لكنها وحدها ما يحوّل النصر العسكري إلى استقرار سياسي.
واشنطن، في المقابل، لن تعود بسهولة. لكنها أيضًا لن تقاتل من أجل كيان سقط اجتماعيًا. أمريكا لا تحب الاعتراف بالفشل، لكنها بارعة في تغليفه. وما يجري الآن هو تغليف بطيء لنهاية وجود لم يعد له مبرر. قبل نهاية 2026، سيكون الانسحاب الكامل احتمالًا واقعيًا لا سيناريو دعائيًا، إلا إذا اختارت واشنطن إشعال فوضى جديدة لتبرير البقاء، وهو خيار مكلف في زمن لا يحتمل الكلفة.
في الخلاصة، ما حدث في شمال شرق سوريا ليس حدثًا عابرًا، بل نقطة انعطاف. “قسد” لم تُهزم، بل انتهت. والولايات المتحدة لم تُطرد، بل قررت أن لا تبقى. وأحمد الشرع لم ينتصر لأنه الأقوى، بل لأنه قرأ اللحظة، وضرب في الوقت الذي كان فيه الجميع ينتظر. هذه ليست بطولة رومانسية، بل سياسة عارية، قاسية، بلا أوهام.
والسؤال الآن ليس ماذا حدث، بل ماذا سيحدث. هل تتحول هذه المقامرة إلى بداية دولة حقيقية؟ أم إلى فصل جديد من إعادة تدوير الأزمة؟ الجواب لن يُكتب بالتصريحات، بل بطريقة الحكم، وبكيفية إدارة التنوع، وبقدرة دمشق على أن تكون دولة لا مجرد سلطة. لكن المؤكد أن شيئًا كبيرًا انكسر، وأن الشرق السوري دخل زمنًا جديدًا، وأن واشنطن – لأول مرة منذ عقد – خرجت من المشهد وهي لا تمسك بالخيوط..
▪︎بقلم : المؤرخ أ.د ياسر طالب الخزاعله.
الأحد ٢٥ يناير ٢٠٢٦م.



