مقالات

أزمة الساسة غير المثقفين. بقلم زكريا نمر -السودان –

بقلم زكريا نمر -السودان -

أزمة الساسة غير المثقفين.
بقلم زكريا نمر -السودان –
يقال ان المثقف قد يكون بعيدا عن السياسة، لا ينخرط مباشرة في ادارة الدولة او صنع القرار، لكنه يظل ملما بالواقع، قادرًا على قراءة التاريخ، وفهم المجتمعات، وتقديم رؤى نقدية مبنية على المعرفة والخبرة الثقافية. اما السياسي الحقيقي، فلا يمكن ان يكون غير مثقف، لان دوره يتطلب القدرة على اتخاذ قرارات صائبة، وحماية مؤسسات الدولة، وإدارة الصراعات الداخلية والخارجية بوعي وفهم عميق. فالمعرفة والثقافة هي الركيزة الاساسية التي تضمن ان تكون السلطة وسيلة للبناء، لا اداة للدمار.
للأسف، الواقع الذي نعيشه اليوم يظهر فجوة كبيرة بين هذه المعادلة. اغلبية الساسة الحاليين يفتقرون الى الثقافة السياسية الحقيقية، ويغيب عنهم الفهم العميق لمفهوم الدولة والمواطنة. نتيجة لذلك، تتحول السلطة الى اداة لصالح الافراد او الجماعات الضيقة، ويهمل الصالح العام. هذا الخلل يتجلى بوضوح في صراعات الولاءات التقليدية مثل الولاء القبلي او العائلي التي تتجاوز الولاء للدولة، فتضعف مؤسساتها وتعرقل مشاريع التنمية والإصلاح.
السياسي غير المثقف يصبح رهينة لمصالح ضيقة، ويتخذ القرارات بناءً على الولاءات الشخصية او الضغوط القبلية او الاقليمية، وليس وفق مصالح المواطنين او القانون او التنمية المستدامة. في حالات عدة عبر العالم، ادت هذه الديناميكية الى انهيار مؤسسات الدولة او انتشار الفساد، كما حدث في بعض الدول الافريقية التي لم تنجح في تحويل الولاءات التقليدية الى ولاءات وطنية. على سبيل المثال، في الصومال خلال التسعينيات، ادت الولاءات القبلية المتنافسة الى تفكك الدولة، واستمرار الصراعات المسلحة بين العشائر، وغابت المؤسسات الوطنية تماما.
على الجانب الاخر، المثقف قد يمتلك المعرفة والثقافة، لكنه يبقى بعيدًا عن التطبيق، الا اذا انخرط بوعي في الحقل السياسي، للعمل على اصلاح الاختلالات، وتصحيح مسار الدولة نحو الشفافية والعدالة. دور المثقف هنا ليس مجرد النقد او التأمل، بل المشاركة الفعالة في بناء السياسات، ومراقبة الاداء السياسي، وتقديم الحلول التي توازن بين مصالح الدولة العليا والمجتمع ككل.السياسة بدون ثقافة تصبح اداة للتدمير والفوضى، وتسمح للولاءات الضيقة والفساد بالسيطرة على المؤسسات. المعرفة بدون ممارسة سياسية تصبح صدى بلا تأثير، ولا تسهم في اصلاح الواقع او حماية الدولة. الدولة الحديثة تحتاج الى قادة سياسيين مثقفين، قادرين على توجيه المجتمع، وإدارة الموارد، وتحقيق التنمية المستدامة، مع احترام القانون ومبدأ العدالة.
المثقف والسياسي يمثلان وجهين لعملة واحدة: المثقف يزود السياسة بالمعرفة والرؤية، والسياسي يترجم هذه المعرفة الى فعل وقرار، ليصبح التأثير على ارض الواقع ملموسًا. غياب أي من الوجهين يؤدي الى اختلال الدولة، وانتشار الفساد، وفقدان الثقة في المؤسسات، وتجذر الولاءات الضيقة التي تهدد بناء الدولة ومستقبل الاجيال.
اذا اردنا مجتمعا مستقرا ودولة قوية، لا يمكن القبول بسياسيين يفتقرون الى الثقافة، ولا يمكن للمثقف ان يظل بعيدًا عن السياسة اذا كان هدفه اصلاح المجتمع وحماية الدولة. الحل يكمن في التوازن بين الفكر والعمل، بين المعرفة وصنع القرار، بين المثقف والسياسي، ليصبح الولاء للدولة العليا مبدأ لا يمس، ومصلحة المواطن محورًا لكل قرار سياسي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب