أزمة القوة في العقل الاستراتيجي الأميركي

أزمة القوة في العقل الاستراتيجي الأميركي
لا يمكن النظر إلى الحرب على إيران بأنها مجرد نتيجةً لسوء تقدير ارتكبته إدارة أمريكية بعينها، أو ثمرة حسابات خاطئة لرئيس يُفترض أنه غير اعتيادي في قراراته، فإن ما جرى مع إيران ليس إلا فصلاً جديداً في سلسلة ممتدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
لا تعد الحرب الأميركية الأخيرة على إيران حدثاً معزولاً عن السياق الذي حكم السلوك الأميركي طوال العقود الماضية، وإنما هي حلقة جديدة في مسار طويل تشكل منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، حين ترسخت لدى النخبة الأميركية قناعة مفادها أن القوة التي تمتلكها واشنطن تخولها معالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية خارج حدودها، بل وإعادة تشكيل البيئات الدولية بما يتوافق مع مصالحها.
في أواخر سبعينيات القرن الماضي، وجدت الولايات المتحدة نفسها أمام لحظة مراجعة قاسية، إذ تزامنت تلك المرحلة مع أزمات اقتصادية خانقة، أبرزها ارتفاع معدلات التضخم والبطالة، وصدمات النفط التي هزّت الاقتصاد الأميركي بعد حرب 1973 وما تبعها من اضطراب في أسواق الطاقة، إضافة إلى حالة من تراجع الثقة نسبياً في النموذج الأميركي. الأمر الذي استدعى بروز اتجاه سياسي داخل الولايات المتحدة يدعو إلى ما يمكن تسميته بـ«مراجعة الذات»، أي البحث عن جذور الأزمة داخل البنية الأميركية نفسها، لا في الخارج فقط.
وكان الرئيس جيمي كارتر من أبرز الذين جنحوا إلى هذا المنحى، إذ انبرى إلى التحذير من أن المشكلة ليست خارجية بقدر ما هي داخلية، مرتبطة بنمط حياة استهلاكي متسارع بدأ يتجاوز إمكانات الاقتصاد الأميركي وطاقاته الفعلية. فدعا إلى ترشيد الاستهلاك، وتقليل الاعتماد على النفط الخارجي، واستعادة قيم المسؤولية والانضباط باعتبارها عناصر تأسيسية في التجربة الأميركية الأولى.
تحول التفوق العسكري والتكنولوجي من مجرد وسيلة للدفاع عن المصالح الأميركية إلى أداة لمعالجة اختلالات أعمق في بنية القوة الأميركية ذاتها
بيد أن هذا الصوت لم يلبث أن تراجع أمام صعود رؤية أخرى أكثر جاذبية للرأي العام الأميركي، وذلك مع قدوم الرئيس رونالد ريغان حاملاً رسالة مختلفة تماماً، خلاصتها أن الأميركيين ليسوا مطالبين بتغيير نمط حياتهم أو خفض سقف تطلعاتهم، وإنما المطلوب هو توظيف عناصر القوة الأميركية لضمان استمرار ذلك النمط كما هو. ومن هنا انتقل مركز الاهتمام من إصلاح الداخل إلى إدارة الخارج، ومن البحث عن حلول للأزمات البنيوية داخل المجتمع الأميركي إلى السعي لتجاوزها عبر توسيع النفوذ الأميركي وتأمين المصالح والموارد على نطاق عالمي.
وبمرور الوقت تحول التفوق العسكري والتكنولوجي من مجرد وسيلة للدفاع عن المصالح الأميركية إلى أداة لمعالجة اختلالات أعمق في بنية القوة الأميركية ذاتها. وهكذا أخذت واشنطن تميل أكثر فأكثر إلى الاعتقاد بأن ما تعجز السياسة أو الاقتصاد عن تحقيقه يمكن للقوة العسكرية أن توفره. ومن هذه الزاوية تحديداً يمكن قراءة العديد من الحروب والتدخلات التي خاضتها الولايات المتحدة خلال العقود الماضية، وصولاً إلى المواجهة الأخيرة مع إيران، بوصفها امتداداً لخيارات استراتيجية تراكمت عبر الزمن أكثر من كونها استجابة لظروف آنية أو حسابات ظرفية.
لا يمكن النظر إلى الحرب على إيران بأنها مجرد نتيجة لسوء تقدير ارتكبته إدارة أميركية بعينها، أو ثمرة حسابات خاطئة لرئيس يُفترض أنه غير اعتيادي في قراراته. بل يمكن مقاربتها أيضاً في ضوء البنى العميقة التي ترسم طريقة تفكير الدولة وتحدد اتجاه حركتها، ومن ثم فإن ما جرى مع إيران ليس إلا فصلاً جديداً في سلسلة ممتدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، حين خرجت الولايات المتحدة من الحرب وهي تحمل شعوراً متنامياً برسالة عالمية وبقدرة استثنائية على إعادة تشكيل العالم وفق تصوراتها ومصالحها. ومنذ ذاك تبلورت داخل واشنطن منظومة كاملة قوامها رئيس تتسع صلاحياته كلما استدعت ضرورات الأمن القومي، ومؤسسة أمنية وعسكرية تتضخم باستمرار تحت وطأة الأزمات المتعاقبة، وأيديولوجية تميل إلى الخلط بين المصالح الأميركية وبين قيم الحرية والديمقراطية، حتى بدا الدفاع عن تلك المصالح وكأنه دفاع عن القيم الإنسانية ذاتها.
في ظل هذه المنظومة، لم تعد القوة العسكرية مجرد أداة من أدوات السياسة، بل تحولت تدريجياً إلى الخيار الأول الذي تُستدعى أذرعه كلما واجهت الولايات المتحدة معضلة دولية أو إقليمية. وهكذا لم تكن حربي العراق وأفغانستان، كما لم تكن المواجهة الأخيرة مع إيران، خروجاً على السياق الأميركي أو انحرافاً عن مساره، وإنما كانت تعبيراً طبيعياً عن منطق ترسخ عبر عقود طويلة، وأصبح جزءاً من الطريقة التي ترى بها واشنطن نفسها وترى بها العالم من حولها.
ومن هنا فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق بما إذا كانت إدارة معينة قد أخطأت في الحساب، وإنما بما إذا كانت الولايات المتحدة ما تزال أسيرة تصور قديم يفترض أن ما تعجز السياسة عن تحقيقه تستطيع القوة العسكرية أن تنجزه. ذلك هو السؤال الذي تطرحه إيران اليوم، كما طرحه العراق وأفغانستان من قبل، وربما يكون هو السؤال الأكثر إلحاحاً في مستقبل الدور الأميركي ذاته.
علاوة على ذلك، أعادت الحرب على إيران طرح إشكالية قديمة في الفكر الاستراتيجي المعاصر تتعلق بحدود القوة العسكرية وقدرتها على تحقيق الأهداف السياسية. فالتفوق العسكري، مهما بلغ حجمه، لا يكتسب معناه من ذاته، وإنما من قدرته على التحول إلى مكاسب سياسية مستدامة. فالحرب ليست فعلاً عسكرياً صرفاً، بل هي استمرار للسياسة بوسائل أخرى.
من هذا المنظور تطرح المواجهة مع إيران السؤال نفسه بصيغة جديدة. فالقضية لا تتعلق بقدرة الولايات المتحدة على إلحاق الضرر بخصمها، إذ لا جدال في امتلاكها تفوقاً عسكرياً هائلاً، وإنما ترتبط بمدى قدرة هذا التفوق على إعادة تشكيل البيئة السياسية والإقليمية وفق الأهداف الأميركية.
لا تكشف الحرب على إيران عن ضعف القوة الأميركية بقدر ما تكشف عن حدودها. فهي تذكر مرة أخرى بأن التفوق العسكري لا يلغي تعقيد الظواهر السياسية والاجتماعية، وأن مشاهد الزخم الناري في ميدان القتال لا تفضي تلقائياً إلى تحقيق الأهداف الاستراتيجية. فبين القدرة على استخدام القوة والقدرة على إنتاج نظام سياسي جديد مسافة لا تختصرها التكنولوجيا ولا يجسرها التفوق العسكري مهما بلغ حجمه، إذ إن الحرب، كما أشار كارل كلاوزفيتز قبل قرنين، تظل مجالاً مفتوحاً للفوضى والاحتكاك والمفاجآت وسوء التقدير. وهي بطبيعتها عملية معقدة يصعب ضبط مساراتها أو التنبؤ بنتائجها النهائية بصورة دقيقة وشاملة. وعليه، فإن امتلاك أحدث المنظومات التسليحية لا يلغي احتمالات الانزلاق إلى المعضلات الاستراتيجية الكبرى.
لم تعد القوة العسكرية مجرد أداة من أدوات السياسة، بل تحولت تدريجياً إلى الخيار الأول الذي تُستدعى أذرعه كلما واجهت الولايات المتحدة معضلة دولية أو إقليمية
في ضوء ذلك كله، يمكن القول إن الحرب على إيران أزاحت الستار عن أسقف القوة الأميركية، فبينما لا تزال هذه القوة قادرة على إيقاع الأذى والفتك والتدمير، بيد أنها تعود مرة أخرى لتصطدم بالإشكالية القديمة المتجددة، التي خبرتها في العراق وأفغانستان: كيف يمكن تحويل التفوق العسكري الصارم إلى حصيلة سياسية مستقرة وقابلة للحياة؟ وهي أحد أهم التحديات التي واجهت العقل الاستراتيجي الأميركي، ولا تزال تفرض نفسها بإلحاح متزايد.
استطاعت إيران من خلال صمودها الداخلي، وتماسك بنيتها السياسية، وقدرتها على إدارة الصراع بأدوات متعددة، أن تعيد إنتاج حالة من عدم اليقين الاستراتيجي لدى واشنطن، وأن تعمق المعضلة الأميركية المزمنة المتعلقة بكيفية تحويل التفوق العسكري إلى مكاسب سياسية مستقرة في بيئات شديدة التعقيد والتشابك.
أثبتت التجربة مجدداً أن إغراء القوة الذي يجتاح الإمبراطوريات قد يتحول إلى فخ تاريخي، تتداعى فيه ملامح المكانة والهيبة، ولا يبدو أن واشنطن بمنأى عن ذلك، خصوصاً بعد أن أظهرت طهران قدراً من الصلابة والعنفوان كرس المقولة التي تذهب إلى أن العالم أكثر تعقيداً من أن تهندسه فوائض القوة الأميركية.
الاخبار اللبنانية





