ثقافة وفنونمقالات

أزمة المهنية في بعض دور النشر المصرية. بقلم زكريا نمر -السودان –

أزمة المهنية في بعض دور النشر المصرية.
بقلم زكريا نمر -السودان –
إشكالية بعض دور النشر المصرية في التعامل مع الكاتب والعمل تعد خللا بنيويا في صناعة يفترض انها حاضنة للمعرفة والجمال. عندما تتحول دار النشر من مؤسسة ثقافية الى وسيط تجاري محدود الرؤية، فان اول ما يتضرر هو النص، ثم الكاتب، واخيرا القارئ الذي يتلقى عملا فاقدا لحده الفني وقيمته المعرفية.
تبدأ المشكلة من تصور العلاقة مع الكاتب. في بيئة نشر مهنية، تقوم العلاقة على شراكة حقيقية: الدار تضيف قيمة عبر التحرير العميق، والمراجعة الدقيقة، والتصميم، والتسويق، والتوزيع. لكن في بعض النماذج، تختزل العلاقة إلى معادلة مالية مباشرة: ادفع تنشر. يفقد النص حقه في التطوير، ويتحول الكاتب إلى مجرد زبون، لا شريك إبداعي. هذه المقاربة لا تنتج إلا تضخما في عدد العناوين مقابل تراجع حاد في الجودة، لأن معيار القبول لم يعد فنيا أو فكريا، بل قدرة الدفع.
يتعمق الخلل أكثر في غياب منظومة تحرير احترافية. التحرير ليس مجرد تصحيح لغوي، بل عملية نقد بنيوي: إعادة ضبط الإيقاع، حذف الترهل، تقوية الحجة، وصقل الصوت السردي. في كثير من الإصدارات، يصل النص إلى الطباعة مثقلا بالأخطاء الإملائية والنحوية، مضطرب البنية، ضعيف الترابط. هذا يعكس إما غياب محررين مؤهلين أو تجاهلا متعمدا لمراحل التدقيق، وهو ما يسيء للنص وللكاتب معا.أما على مستوى الإخراج الفني، فالمشهد لا يقل إرباكا. الغلاف في حالات كثيرة يأتي نمطيا أو مستنسخا، لا يعكس روح العمل ولا يمنحه هوية بصرية تميزه. التصميم الداخلي يعاني من ضعف في اختيار الخطوط وتوزيع المساحات، ما يرهق تجربة القراءة. هذه التفاصيل ليست شكلية، بل جزء من القيمة الكلية للكتاب، وإهمالها يعني تقديم منتج ناقص مهما كانت جودة المحتوى.
ثم نصل إلى مرحلة التسويق والتوزيع، حيث يتكرر النمط ذاته من القصور. بعض الدور تكتفي بطباعة العمل وتسليمه للكاتب، مع حضور شكلي في معارض الكتب، دون أي استراتيجية ترويج حقيقية. في زمن المنصات الرقمية، يصبح هذا الإهمال أكثر وضوحا: غياب خطط محتوى، ضعف التفاعل، وعدم بناء جمهور حول العمل. النتيجة أن الكتاب يختفي سريعا، وكأن عملية النشر كانت هدفا بحد ذاته، لا وسيلة لوصول النص إلى قرائه.
لكن النقطة الأكثر حساسية، والتي تكشف عمق الأزمة، هي ما يحدث بعد استلام المستحقات المالية. في بعض الحالات، ما إن يسدد المقابل حتى يتراجع اهتمام الدار بشكل ملحوظ، ويغيب التواصل، وتظهر سلوكيات غير مهنية أو غير ناضجة. كأن العلاقة انتهت عند الدفع، وكأن الالتزام كان شكليا لا جوهريا. هذا السلوك لا يعكس فقط ضعفا إداريا، بل يكشف خللا في فهم طبيعة النشر نفسه.
الكاتب لا يحتاج إلى خدمة مؤقتة، بل إلى علاقة مستمرة قائمة على الاحترام والتقدير. حين يتم تجاهله بعد الدفع، أو التعامل معه ببرود أو تسويف، فإن ذلك يقتل الحافز، خصوصا لدى الكتاب المبتدئين الذين يبحثون عن بيئة داعمة. هذه التجارب لا تحبط الأفراد فقط، بل تخلق فجوة ثقة تتسع مع الوقت، وتنعكس سلبا على سمعة القطاع بأكمله.كما تبرز إشكاليات أخرى مرتبطة بالشفافية: عقود غير واضحة، غياب تقارير المبيعات، تأخر في تسليم الحقوق، وتضارب في الوعود. هذه الممارسات تضع علامات استفهام كبيرة حول مدى مهنية بعض الدور، وتحول تجربة النشر من فرصة للنمو إلى تجربة استنزاف وإحباط.
الأخطر من ذلك أن هذه الاختلالات تؤثر في الذائقة العامة. حين يغرق السوق بأعمال غير محكمة، يتراجع معيار الجودة، ويصعب على القارئ التمييز بين العمل الجاد والمنتج السريع. ومع الوقت، يفقد الكتاب مكانته كحامل للمعرفة، ويتحول إلى سلعة استهلاكية عابرة. مع ذلك، من الضروري الإشارة إلى أن هذا النقد لا ينطبق على جميع دور النشر المصرية؛ فهناك مؤسسات جادة تمتلك تقاليد مهنية راسخة، وتعمل وفق معايير واضحة في التحرير والتصميم والتسويق. الإشكال يكمن في وجود فجوة واسعة بين هذه النماذج وبين ممارسات أخرى تفتقر إلى الحد الأدنى من المهنية.
المعالجة تبدأ بإعادة تعريف العلاقة بين الكاتب والناشر بوصفها شراكة طويلة الأمد، لا صفقة عابرة. على دور النشر أن تلتزم بمنظومة عمل متكاملة: تحرير حقيقي، تدقيق صارم، تصميم احترافي، وخطط تسويق فعالة، مع تواصل مستمر وشفاف مع الكاتب حتى بعد النشر. وفي المقابل، على الكتاب أن يكونوا أكثر وعيا بحقوقهم، وألا يقبلوا بعقود غامضة أو خدمات متدنية.
النشر ليس مجرد طباعة كتاب، بل مسؤولية ثقافية. وحين يدار بعقلية سطحية قصيرة المدى، فإنه ينتج أعمالا سريعة النسيان وتجارب محبطة. أما حين يدار كمهنة لها أصولها وقيمها، فإنه يصنع كتبا تعيش، ويؤسس لعلاقة صحية بين الكاتب والناشر، تقوم على الاحترام والجودة والاستمرارية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب