أشياء الراحلين.. “ذاكرةٌ” تسند الأحياء بغزة

أشياء الراحلين.. “ذاكرةٌ” تسند الأحياء بغزة
غزة/ البوابة 24- جنين الوادية:
في غزة، لا ينتهي عمر الشيء بموت صاحبه. بعض الأشياء تبقى شاهدةً على الغياب، وبعضها تُنتزع من حرمة الذكرى تحت وطأة الجوع، وبعضها يُمنح لمن يحتاجه أكثر.
هاتفٌ عليه دم، وثيابٌ تفوح منها رائحة رجلٍ استشهد، وحذاءٌ صغير لطفلٍ لم يعد موجودًا.. بين هذه الأشياء، وجدت روان عبيد (25 عامًا) ما يشبه أباها: هاتفٌ معطل، عثرت عليه بين أنقاض منزل أقاربهم في حي تل الهوى، غربي مدينة غزة، وعلى سطحه أثر دم.
تقول بأسى: “أحتفظ بهاتف أبي؛ ليس لأنه يعمل، بل لأن دمه عليه، وهو آخر ما انتشلته من تحت الركام”.
أمضت روان أيامًا تنبش بين الركام بحثًا عن شيء.. أي شيء، يربطها بوالدها بعدما غاب. لقد فقدت العائلة منزلها الأول في حي الشجاعية، شرقي غزة، خلال نوفمبر/تشرين الثاني 2023، ولم تتمكن وقت نزوحها من حمل سوى بعض الأوراق الثبوتية. وبعد قرابة عامين، وجد أفراد العائلة أنفسهم يواجهون النزوح مرة أخرى، لكن هذه المرة كانوا قد فقدوا والدهم أيضًا.
في سبتمبر/أيلول 2025م، طال القصف الإسرائيلي منزل أقاربهم في تل الهوى. كان والد روان آنذاك في طريق عودته لإحضار الطعام لأسرته، وبعد انسحاب الجيش الإسرائيلي خلال هدنة أكتوبر/تشرين الأول، تمكنت العائلة من انتشال جثمانه، أو ما تبقى منه.
لم يكن في وسع روان أن تستعيد والدها، لكنها ظلت أيامًا تبحث بين الركام عن شيء يحمل رائحته، وحين عثرت أخيرًا على الهاتف، كان معطلًا تمامًا، يحمل على سطحه أثر دمه.
تخبرنا: “لا أمل في إصلاحه، لكنه الشاهد الأخير على مقتل أبي”، مضيفة: “لقد فقدنا كل شيء: ملابسه، ومصحفه، وحتى جثمانه لم يبقَ منه شيء.. هذا الهاتف هو كل ما أملك من ذكراه الآن”.
في قطاع غزة، حين يختفي البيت ويغيب أهله، تتحول الأشياء الصغيرة التي بقيت منه إلى ذاكرة مادية للفقد.. بعضها يُحتفظ به مهما كان تالفًا، وبعضها يضطر أصحابه إلى التخلي عنه حين يصبح البقاء أثقل من الحنين.
“أُجبرت على بيع ملابس زوجي الشهيد وأنا ألجم دموعي لجمًا”، تقول أماني عليان بحرقة. كان واقعًا اضطرها إليه الجوع، “فخلال موجة المجاعة التي ضربت القطاع مع تشديد الحصار في أغسطس/آب 2025م، صار ما تركه الموتى موردًا أخيرًا لتأمين الطعام”.
استُشهد زوجها أحمد في يوليو/تموز من العام نفسه بالقرب من مواصي رفح جنوبي القطاع، فيما كان يُعرف باسم “مصائد الموت”، حيث استهدفت القوات الإسرائيلية منتظري المساعدات.
ومع انقطاع الطحين وارتفاع سعر الكيلوغرام الواحد إلى أكثر من 30 دولارًا، وجدت أماني نفسها أمام مأساة متفاقمة.. لا دخل، لا طعام، وطفلة تنتظر ما يسد جوعها.
تضيف: “ذهب زوجي للمغامرة بحياته لأنه لم يكن يملك مالًا، وبعد استشهاده، لم أجد سوى ملابسه لأبيعها لمحتاجين، في ظل الشح العام من كل شيء”.
لم تكن الملابس بالنسبة إلى أماني ثيابًا فائضة يمكن الاستغناء عنها، كانت آخر ما بقي لها من رجل غادر خيمته ولم يعد، ومع ذلك، اضطرت إلى إخراجها، واحدة تلو الأخرى، بحثًا عن ثمن الخبز.
لم تُدرّ عليها الملابس سوى ما يكفي لشراء ثلاثة كيلوغرامات من الدقيق، وقبل أن تسلمها للمشتري، تصف: “أخذت أستنشق رائحتها للمرة الأخيرة، ثم كفكفت دموعي كي لا أنهار أمامه وأمام أطفالي”.
لكن ابنتها مرام، البالغة من العمر (13 عامًا)، كانت ترى في الملابس ما هو أكثر من مجرد ثمن للطعام. تكمل أماني: “صدمتُ لأن هذه الملابس كانت آخر ما تبقى من ذكرى أبي. لكنني تفهمت اضطرار أمي لبيعها آنذاك. كان الجوع يأكلنا”.
وبينما اضطرت أماني إلى بيع ملابس زوجها لتشتري الدقيق، اختار رامي مفيد أن يمنح ما تبقى من مقتنيات زوجته الشهيدة وأطفاله لعائلات نازحة تقيم في خيام مخيم الشاطئ غربي غزة.
من بين الركام، وجد رامي طريقةً أخرى للتعامل مع الفقد، بأن تتحول الأشياء التي لم يعد أصحابها بحاجة إليها إلى ما يحتاجه أحياء آخرون.
يروي مشهد طفل أهداه حذاء ابنه، بعدما لم يكن يملك ما ينتعله في ظل النقص الحاد الذي خلّفه الحصار. ويستذكر: “لولا أنه بدون أجنحة، لطار ذلك الطفل فرحًا”.
كان الحذاء صغيرًا في حجمه، لكنه حمل في تلك اللحظة معنى كبيرًا -وفق تعبيره- فقد انتقل من طفل فقد حياته إلى طفل يحاول أن يحمي قدميه في حياة مثقلة بالنزوح والحاجة.
ويوضح رامي أن نقص الأساسيات دفع كثيرًا من سكان القطاع إلى البحث عن مقتنيات الراحلين لسد احتياجاتهم، ويقول: “أتتني امرأة على استحياء تطلب بعض ملابس زوجتي بعد استشهادها بساعات.. تفهمت حاجتها المأساوية، ومن هنا بدأت توزيع ما بقي لدينا”.
ولعل المفارقة الأشد قسوة أن الحرب، حين تنتزع من الغزيين بيوتهم وأحبتهم وأغراضهم، تجعل ما تبقى من تلك الأشياء يحمل عبئًا أكبر من حجمه، فالمقتنى ليس مجرد ذكرى، بل صار أحيانًا الدليل الأخير على موت، أو ثمنًا لرغيف، أو سببًا في أن يخطو طفلٌ آخر خطوةً بحذاء لم يعد صاحبه موجودًا”.
في غزة، قد لا يملك الموتى أن يحموا من تركوهم خلفهم، لكن أشياءهم تفعل. أشياء لم تعد مجرد بقايا لحياة انتهت، بل صارت جزءًا من حياة يحاول أصحابها أن تستمر، ولو بأقل ما يمكن.



