أعدمتهما إسرائيل في غزة.. ثلاث صور تروي فصول جريمة ضد مسنين

أعدمتهما إسرائيل في غزة.. ثلاث صور تروي فصول جريمة ضد مسنين
غزة: داخل موقع احتجازهما شمالي قطاع غزة، يجلس المسنان الفلسطينيان نادي وعلي معروف، معصوبي الأعين ومقيدي الأيدي، وبينهما جندي إسرائيلي يبتسم ويرفع شارة النصر، في صورة سُربت حديثا يُعتقد أنها الأخيرة قبل أن تعدمهما قوات الاحتلال الإسرائيلية في 9 تشرين الثاني/ نوفمبر 2024.
وهذه الصورة هي الثالثة التي تظهر للمسنين في مراحل مختلفة من احتجازهما واستخدامهما درعين بشريين ثم إعدامهما خلال حرب الإبادة الجماعية التي بدأتها إسرائيل في 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، لتكشف مجتمعة فصول الجريمة.
وفي الصورة، تبدو هيئة المسنين، على النقيض من ابتسامة الجندي المدجج بسلاحه، شاهدة على ساعات قاسية من الاعتقال، لم يعلما أنها ستنتهي بإطلاق سراحهما، ثم مباغتتهما وإعدامهما على بعد خطوات، وفق ما أكدته مصادر عائلية وحقوقية في تصريحات وتدوينات سابقة.
وحملت الصورة توقيع الصحافي الفلسطيني يونس الطيراوي، والذي قال تعقيبا عليها: “في ساعاتهما الأخيرة، صورة جرى الحصول عليها حديثا، ويُعتقد أنها آخر صورة معروفة للمسنَين الفلسطينيين نادي وعلي معروف”.
وأشار إلى أن الصورة يُعتقد أنها “التُقطت قبل ساعات من إعدام المسنين على يد قوات الجيش الإسرائيلي في بيت لاهيا، في نوفمبر 2024”.
وختم الطيراوي، الذي عُرف بتتبع حسابات جنود إسرائيليين على وسائل التواصل الاجتماعي خلال الإبادة ونشر صور توثق جرائمهم باعتبارها “أدلة مهمة على جرائم الحرب”، قائلا: “قسوة تعجز الكلمات عن وصفها. استُخدما درعا بشريا ثم أُعدما”.
ثلاث صور للجريمة
لا تقف هذه الصورة منفردة، بل تكمل صورتين سابقتين رسمتا تسلسلا زمنيا لجريمة ارتكبها جيش الاحتلال وحاول إخفاءها، لتروي حكاية مسنين منذ وقوعهما في قبضة الجيش وحتى وصول جثمانيهما المستشفى.
ففي 28 أكتوبر 2025، تداولت مواقع عبرية وحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي صورة ظهر فيها المسنان شبه عاريين، يسيران أمام جنديين إسرائيليين وسط منطقة دمرها الاحتلال في بيت لاهيا.
وظهر المسنان في الصورة وهما منحنيا الرأس ومقيدا اليدين إلى الخلف، ويسيران وسط الركام، في مشهد قالت مصادر عائلية وحقوقية إنه يوثق استخدامهما دروعا بشرية.
وتعقيبا على هذه الصورة، قال رئيس المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان رامي عبده، في منشور على منصة شركة “إكس” الأمريكية في حينه: “بعد التحقق، تم تحديد هويتي الرجلين في الصورة: الحاج نادي معروف، والحاج علي معروف.. تم اعتقالهما من قبل إسرائيل من منزلهما في بيت لاهيا”.
وتابع: “بعد استخدامهما كدروع بشرية، عثر أقاربهما عليهما بعد ثلاثة أيام وقد تم إعدامهما”.
أما الصورة الثالثة، فكانت للمسنين بعد استشهادهما، وقد ظهرا مكفنين داخل ثلاجة الموتى بأحد مستشفيات القطاع.
وحملت هذه الصورة توقيع الصحافي أنس الشريف، الذي قتله جيش الاحتلال الإسرائيلي باستهداف مباشر لخيمة للصحافيين قرب مجمع الشفاء الطبي غربي مدينة غزة، في 10 أغسطس 2025.
“أعطوهما الأمان ثم قتلوهما”
وفي شهادة نشرت خلال نوفمبر 2025، قال نجل أحد الضحيتين تعقيبا على الصورة التي انتشرت نهاية أكتوبر من العام ذاته، إن الرجلين الظاهرين في الصورة هما والده وزوج شقيقته، وإن القوات الإسرائيلية أعطتهما الأمان بعد الإفراج عنهما ثم قتلتهما.
وأضاف أن الجيش أفرج عنهما في منطقة السودانية شمال غربي القطاع، وطلب منهما السير عبر شارع الرشيد الساحلي، كما طلب منهما دفع شخصين مقعدين على كرسيين متحركين، قبل أن يقتلهما قرب مسجد الخالدي في المنطقة ذاتها.
وتابع أن الجيش “أعطاهما الأمان، وبالآخر قتلهما عند جامع الخالدي”.
كما نقلت وكالة “شهاب” المحلية، عن مصادر عائلية، قولها في أكتوبر 2025، إن الجيش الإسرائيلي اعتقل المسنين من غربي بيت لاهيا في إطار خطة عسكرية، وأبقاهما عدة أيام تحت حراسته قبل إطلاق سراحهما وقتلهما على بعد خطوات.
وأشارت المصادر إلى أن رجلا وسيدة كانا برفقتهما وشهدا الحادثة، دون اتضاح ما إذا كانا هما الشخصين اللذين طُلب من المسنين دفعهما عبر كرسيين متحركين.
إعدام بعد لحظات من الإفراج
بدورها، نددت هيئة شؤون الأسرى والمحررين في 10 نوفمبر 2024، في بيان، بـ”الجريمة البشعة التي ارتكبها جنود الاحتلال الإسرائيلي مساء 9 نوفمبر، بحق 3 معتقلين من قطاع غزة، تم إعدامهم بالرصاص بعد الإفراج عنهم بلحظات”.
وقال الرئيس السابق للهيئة قدورة فارس، وفق البيان، إن “الأسرى المحررين الثلاثة هم: الحاج علي معروف والحاج نادي معروف وحمزة محمد الحتو”، دون ذكر تفاصيل عن الحتو الذي لم يظهر في الصور المسربة.
وتابع: “تم إنزالهم من الجيب العسكري الإسرائيلي كونهم أسرى مفرج عنهم، وعندما بدأوا بمغادرة المكان بخطوات معدودة تم مباشرة إطلاق النار عليهم من قبل الجنود مما أدى إلى استشهادهم”.
الكتيبة 92
وتأكيدا على رواية الإعدام، قال الطيراوي في 28 أكتوبر 2025، في تعقيبه على الصورة الأولى، إن قوات إسرائيلية من الكتيبة 92 التابعة للواء “كفير” اختطفت مسنين من منزلهما في بلدة بيت لاهيا، واستخدمتهما “درعين بشريين لعدة أيام قبل قتلهما”.
وأشار في حينه، إلى أن القوات الإسرائيلية قتلت المسنين بعد وقت قصير من إطلاق سراحهما قرب مفترق التوام (منطقة السودانية) في 9 نوفمبر.
وارتبط اسم هذه الكتيبة بتنفيذ عمليات إعدام واعتداء على فلسطينيين، أدى بعضها إلى فتح تحقيقات إسرائيلية لكنها لم تفضِ إلى محاسبة معلنة للمجرمين.
ولم يصدر تعقيب من جيش الاحتلال الإسرائيلي بشأن الصورة المسربة حديثا.
“ممارسة شائعة”
ولا تمثل واقعة المسنين نادي وعلي معروف حدثا معزولا، إذ نشرت وسائل إعلام عبرية وأمريكية، تقارير وشهادات عن استخدام الجيش الإسرائيلي المدنيين الفلسطينيين دروعا بشرية خلال أشهر حرب الإبادة.
وفي 24 أيار/ مايو 2025، نقلت وكالة “أسوشيتد برس” الأمريكية عن جنود إسرائيليين قولهم إن استخدام الفلسطينيين دروعا بشرية خلال الحرب أصبح “ممارسة شائعة”.
بينما نشرت صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية تحقيقات وتقارير بهذا الشأن، كشفت استخدام الفلسطينيين دروعا بشرية بشكل منهجي من أجل تمشيط الأنفاق والمباني في قطاع غزة، خشية وجود مقاتلين فلسطينيين فيها أو متفجرات.
وأكدت، في تحقيق نشرته في أغسطس 2024، أن ذلك يحدث بعلم كبار ضباط الجيش، بينهم رئيس الأركان آنذاك هرتسي هاليفي.
وفي واقعة مشابهة، نشرت الصحيفة ومجلة “+972” تقارير عن استخدام الجيش الإسرائيلي مسنا يبلغ من العمر 80 عاما درعا بشريا وربط متفجرات حول عنقه، فيما أجبروه على تفقد مبانٍ لمدة 8 ساعات، ليقتلوه بعد إطلاق سراحه.
وتحظر اتفاقية جنيف الرابعة استخدام المدنيين دروعا بشرية في وقت الحروب والنزاعات بهدف تحصين المواقع العسكرية من الهجمات المضادة، حيث تُصنف هذه الأفعال “جرائم حرب” بموجب القانون الدولي الإنساني.
وفي 8 أكتوبر 2023، بدأت إسرائيل حرب إبادة جماعية على قطاع غزة، بدعم أمريكي، خلفت أكثر من 73 ألف شهيد وما يزيد على 174 ألف جريح وآلاف المعتقلين والمفقودين، ودمارا هائلا طال 90 بالمئة من البنى التحتية المدنية.
ورغم دخول اتفاق وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر 2025، تواصل إسرائيل الإبادة عبر خروقات بإطلاق النار والقصف ما يسفر عن استشهاد وإصابة فلسطينيين وزيادة رقعة الدمار في القطاع.
(الأناضول)




