أكاديميات الفنون في سوريا الجديدة: إذا ابتليتم بالموديلات… فاستتروا!
أكاديميات الفنون في سوريا الجديدة: إذا ابتليتم بالموديلات… فاستتروا!
بذريعة التماشي مع «الثوابت الأخلاقية والمجتمعية لسوريا الجديدة»، أوعزت كلية الفنون الجميلة في جامعة دمشق إلى رؤساء الأقسام بعدم السماح بـ«الموديل العاري» في أروقة الجامعات
«في سوريا لا مكان للجسد، لا مكان للحرية، لا مكان للفن»، هكذا علّق أحد طلاب كلية الفنون الجميلة على قرار منع الموديل العاري في أعمال النحت والتصوير والحفر الذي صدر عن عمادة الكلية، ممهوراً بتوقيع عميدها الفنان السوري فؤاد دحدوح.
سياسة النهي والتحريم
بذريعة التماشي مع «الثوابت الأخلاقية والمجتمعية لسوريا الجديدة»، أوعزت كلية الفنون الجميلة في جامعة دمشق إلى رؤساء الأقسام بالمتابعة والإشراف على مشاريع التخرج التي سيقدمها الطلاب من الآن فصاعداً، وعدم السماح بتشكيل أعمال تتعلّق بـ «الموديل العاري»!
وفي إطار سياسة النهي والتحريم التي باتت تنسحب تدريجاً على مفاصل الحياة اليومية في سوريا، بلغ الأمر عتبة الفن، فمن يخالف قرار عمادة الكلية ويرتكب جرم «التجسيد العاري» في فنه، سينال درجة صفر في أعمال التخرج، وفقاً للقرار الرسمي.
جزء أساسي من هوية سوريا الفنية
ولـ«الموديل العاري» في ذاكرة سوريا الفنية بصمة وأهمية كبيرتين، إذ كان يعدّ إحدى مواد كلية الفنون الجميلة الأساسية في الستينيات من القرن الماضي. آنذاك، كان يُرسم بالصرامة نفسها التي يتم فيها تشريح الجثث في كلية الطب، قبل الاستغناء عنه في مطلع الثمانينيات، ليس بقرار رسمي، ولكن بذرائع عدة من المدرسين في الكلية نفسها، كتقليص الميزانية المخصّصة للموديل العاري، ولكونه لا يتناسب مع عادات المجتمع الذي أصبح أكثر محافظة وانغلاقاً لأسباب سياسية واجتماعية.
لكن اليوم، انتهى عهد «الموديل العاري» رسمياً بقرار موقَّع من عمادة الكلية نفسها، ما أثار سخطاً كبيراً في أوساط الفنانين السوريين من رسامين ونحاتين وشعراء، بالإضافة إلى استنكار طلاب كلية الفنون الجميلة مسألة تحريم «الرسم العاري» بـ«جرّة قلم»، وقرار «جاهل» على حد تعبيرهم.
هل قلتَ حرّية؟
وتعليقاً على ذلك، قالت لينا (طالبة في الكلية) إنّ هذا الإجراء «يعرّي» أصحاب القرار الجدد في سوريا وطبيعة ترجمتهم لمفهوم الحرية الحقيقي الذي يتحدثون به في بداية كل حوار ونهاية أي خطاب، مضيفةً أنّ «الأزمة الحقيقية ليست في القرار، بل في من يرى شهوانيةً في الفن العاري، ويعتبر أنّه لا يتماشى مع المجتمع السوري الجديد، بينما هو يجسد واحداً من أساليب الفن العابرة للتاريخ، التي تترجم الفطرة الإنسانية في لوحة أو على حجر».
لم نتوقع أن تنزلق بنا الحياة إلى هذا الحضيض
(نزيه أبو عفش)
أما الطالب سعد، فاعتبر أنّ القرار «غير مقبول لطلاب كلية الفنون الجميلة»، مرجعاً الأسباب إلى أنّ «من اختار أن يكون طالباً على مقاعدها لا شك في أنّه فنان، والفنان يعني الإنسان الحر الذي فضّل هذا الطريق لأنّه رأى فيه تحرراً من القيود»، متسائلاً: «هل نقطع اليوم أصابع نحّات اختار أن يكون مشروع تخرجه جسداً لآلهة إغريقية، أم نقضي على مستقبل رسّام اختار تجسيد الأمومة بوضع علامة صفر في أعلى سلّم درجاته؟».
كما قالت بسمة، وهي خريجة من كلية الفنون الجميلة، إنّه «عندما يتناول طالب الفنون صورة الجسد العاري بقصد رسمه والتدرّب على الأبعاد التشريحية، فالأمر يختلف تماماً عما إذا كان يبحث عن صور لنساء عاريات أو يدمن المواقع الإباحية».
وتابعت أنّه «عندما يرسم طلّاب الفنون تمثالاً عارياً أو موديلاً عارياً، فهم بذلك يمارسون عملهم الفني. وإذا اختار أحدهم العري كثيمة لمشروع تخرجه، فهذا شأنه لأنّ تقييم المشروع يعتمد على الإبداع الفني والدّقة التقنية والجرأة والجدة وغيرها الكثير من المعايير».
استبعد بعض الطلاب أن يكون القرار صادراً عن عمادة الكلية، مبررين ذلك بأنّ الفنان فؤاد دحدوح أنجز عدداً من الأعمال التي جسّد فيها «الفن العاري»، ما يعني أنّه لا يرى فيه ما يعارض «أخلاق المجتمع»، مرجحين أن يكون قد تعرّض لضغوط من المعنيين في الحكومة الجديدة، للموافقة على قرار مماثل.
ردود أفعال المبدعين: هذا أقبح كوابيسنا
بدوره، علّق الشاعر والرسام السوري نزيه أبو عفش، على القرار بالقول إنّه «في أشرس الكوابيس وأقبحها وأشدّها فظاعةً وهولاً، لم نتوقع أن تنزلق بنا الحياة إلى هذا الحضيض».
وانتقدت الممثلة السورية سلاف فواخرجي القرار عبر نشر صورة لمنحوتة الآلهة عشتار التي تندرج في إطار «النحت العاري»، وكتبت تعليقاً عليها: «نحن حفيدات عشتار، في سماوات وفي أراضي، جمالاً وخصباً وحباً وحرباً، عمرنا من عمر كون، وبعد الأزل سوف نبقى».
دعوة إلى التراجع عن القرار
عبر مواقع التواصل الاجتماعي، دعا طلاب وفنانون سوريون إلى التراجع عن القرار، والكف عن العبث في الفن وتاريخه ومستقبله، بحجة التماشي مع التغيرات التي طرأت على المجتمع السوري، فكتب أحد المشاركين في الحملة ضد القرار بأنّ «العدول عنه لن يقوض أركان الحكم، ولا أركان الدين. الأمر هو باختصار إما أن نقدّم العلم كما يقتضي أو لا».
وكما يقول التشكيلي السوري المعروف، يوسف عبدلكي، الذي يعدّ من أبرز الفنانين المتمسكين بتجسيد «الفن العاري» حتى الآن إنّ «الجسد العاري سوية رفيعة من سويات الجمال في الحياة، وتحريمه يحرضني على الإقدام على رسمه.
كما تحرضني الجدران المنتصبة على كسرها»، فهل سيؤدي قرار المنع إلى ثورة حقيقية في أروقة كلية الفنون الجميلة تعيد الفن إلى فطرته الأولى؟
الاخبار



