أكاذيب ترامب لا تمنع الهلع: المستهلك الأميركي تحت مقصلة الحرب

أكاذيب ترامب لا تمنع الهلع: المستهلك الأميركي تحت مقصلة الحرب
على الرغم من زعم دونالد ترامب أن ارتفاع أسعار البنزين بسبب الحرب مع إيران يعد مشكلة «غير ملحّة»، يسارع مسؤولون في البيت الأبيض إلى استكشاف حلول «غير مسبوقة» للحدّ من تبعات الحرب الاقتصادية. على أن هذه الحلول لا تزال تصطدم حتى اللحظة بعقبات تحول دون نجاحها.
منذ أسبوع واحد فقط، وقف دونالد ترامب، بثقة، أمام الكونغرس، ليستعرض مدى «نجاح» أجندته الاقتصادية، مجادلاً، بأن أسعار الغاز انخفضت، والتضخم وسعر الرهن العقاري انخفضا، قبل أن يعود ويلقي، بعد أقلّ من أربعة أيام فقط، كلّ تلك «الإنجازات» في «مهب الريح»، وذلك عقب قراراه شنّ عدوان مشترك مع إسرائيل على الأراضي الإيرانية. وإلى جانب الخسائر البشرية الأميركية الناجمة عن الحرب، فإن القتال في الشرق الأوسط هزّ الأسواق، وقلَب سلاسل التوريد رأساً على عقب، وهو ما يهدّد برفع الأسعار بالنسبة إلى المستهلكين الأميركيين في مختلف المجالات، بدءاً من قروض الإسكان وصولاً إلى البقالة، في وقت يعبّر فيه المزيد من الأميركيين عن وجهة نظر سلبية متزايدة تجاه الاقتصاد، وتَظهر مؤشرات على انخفاض معنويات المستهلكين خلال العام الماضي.
وفي خطابه حول «حال الاتحاد»، قال ترامب إن «البنزين، الذي وصل إلى ذروة تجاوزت 6 دولارات للغالون في بعض الولايات في عهد سلفه، كان، بصراحة، كارثة، فيما أصبح الآن أقلّ من 2.30 دولار للغالون في معظم الولايات، وفي بعض الأماكن، 1.99 دولار للغالون». ورغم مجادلة بعض الاقتصاديين بأن أرقام ترامب، بدت مرّة جديدة، «وردية» أكثر من اللازم، فإن الجمهوريين كانوا يعوّلون بقوة على هذه النقطة لكسب الدعم قبل الانتخابات النصفية في تشرين الثاني المقبل. حتى إن وزير الطاقة، كريس رايت، نشر صورة له وهو يعبّئ سيارته بالبنزين على إحدى محطات الوقود في تكساس، لتأكيد رسالة ساكن البيت الأبيض نفسها.
بيد أنه منذ بدء الحرب السبت، ارتفعت أسعار النفط العالمية بنسبة 16%، وارتفع معها متوسط تكلفة البنزين على المستوى الوطني بمقدار 27 سنتاً منذ الأسبوع الماضي، ليصل إلى 3.25 دولار للغالون، وذلك وفقاً لـ«جمعية السيارات الأميركية» (إيه إيه إيه) التي تتعقّب أسعار الوقود، ما يجعل المعدّل الوطني الحالي أعلى بـ15 سنتاً عن العام الماضي. وحاول ترامب، أخيراً، التقليل من خطورة ذلك، زاعماً، في مقابلة حصرية مع «رويترز» الخميس، أنه «لا يشعر بالقلق إزاء ارتفاع أسعار الغاز الأميركي مع توسّع رقعة الصراع الإيراني»، وأن «العملية العسكرية الأميركية هي أولويته». وأضاف «سوف تنخفض أسعار البنزين بسرعة كبيرة عندما تنتهي هذه الأزمة، وإذا ارتفعت، فلترتفع، ولكن ما يحصل أكثر أهمية بكثير من ارتفاع أسعار البنزين قليلاً».
على أنه طبقاً لمسؤول أميركي تحدّث إلى الوكالة، فإن «صراعاً قد نشب أخيراً بين فريقَي الطاقة والأمن القومي في البيت الأبيض، وذلك في إطار تطوير تدابير تهدف إلى خفض أسعار الغاز»، وإن «سوزي ويلز، كبيرة موظفي الرئيس دونالد ترامب، حذرت في اجتماعات البيت الأبيض من أن الفشل في التصرّف بشأن ارتفاع الأسعار سيكون كارثياً بالنسبة إلى الجمهوريين في الانتخابات». وعلى الضفة نفسها، أفادت صحيفة «بوليتيكو» الأميركية بأن ويلز طلبت من مستشاري ترامب «تقديم أفكار إلى المكتب البيضاوي لخفض أسعار البنزين». ونقلت الصحيفة عن واحد من اثنين من المديرين التنفيذيين في صناعة الطاقة، تحدّثا إليها، أن «البيت الأبيض يحفر تحت كلّ صخرة بحثاً عن أفكار لتحسين أسعار الطاقة، وخاصة أسعار البنزين»، فيما يصطدم كلّ حلّ يطرحه تقريباً، بـ«مشكلة» تحول دون استمراريته. ويأتي هذا رغم أن الفريق الذي يهتمّ بارتفاع أسعار النفط، «يتمّ إسكاته، فيما تعلو الأصوات الداعمة للحرب»، طبقاً لمسؤول مطّلع على المحادثات.
ومن بين الأوراق التي تعتزم واشنطن الاعتماد عليها، في حال طالت الحرب في الشرق الأوسط، «الاستفادة من أسواق النفط المكتشَفة حديثاً في فنزويلا»، جنباً إلى جنب استغلال «مؤسسة الولايات المتحدة لتمويل التنمية الدولية»، التابعة للحكومة، لتعويض «عقود التأمين» التي أصبحت أسعارها «خيالية»، أو ألغت، في بعض الأحيان، عقودها مع بعض شركات الشحن، على خلفية ارتفاع نسبة المخاطر في منطقة الخليج، وتحديداً مضيق هرمز، والذي أجبر السفن على وقف تحركاتها؛ علماً أن ساكن البيت الأبيض تعهّد أيضاً بتأمين الحماية للسفن من قبل البحرية الأميركية.
كذلك، تشمل الأفكار المطروحة، إعفاءً مؤقتاً من ضريبة البنزين، وسط تحذير مراقبين من أن «هذا الحلّ قد لا يجلب راحة فورية لأنه سيتطلّب اتخاذ إجراء من الكونغرس. كما ليس هناك ما يضمن أن مصافي النفط ومحطات الوقود ستنقل المدّخرات إلى السائقين»، في إشارة إلى أن الأخيرة قد تلجأ إلى ابتلاع هذا الخصم لزيادة أرباحها، من دون أن يشعر السائق بأيّ انخفاض حقيقي في السعر.
وفي مؤشر على المدى الذي قد تذهب إليه واشنطن للحدّ من ارتفاع أسعار البنزين، رغم مواقف ترامب «الرنانة» الأخيرة، طرح بعض مسؤولي الإدارة فكرة استخدام الجيش الأميركي للدفاع عن البنية التحتية للطاقة في الشرق الأوسط. لكن آخرين حذّروا من احتمال فشل هذه الفكرة، لا سيما وأن المسؤولين السعوديين سيرفضونها، نظراً إلى الحساسيات المتعلّقة بوجود قوات أميركية على الأراضي السعودية. واللافت، إلى جانب ما تقدّم، أن بعض الإجراءات المطروحة تشمل تخفيف العقوبات الأميركية على شحنات النفط الروسية، في وقت تبدو فيه موسكو أكبر المستفيدين من ارتفاع أسعار النفط، الذي يسهم في دعم جهودها الحربية. ويحذر مراقبون من أن خطوة من النوع المذكور ستسهم في تقويض العمل على إنهاء الحرب في أوكرانيا.
يحفر البيت الأبيض «في الصخر» بحثاً عن أفكار لتحسين أسعار الطاقة، وخاصة البنزين
بناءً على كلّ ما تقدّم، يجادل البعض بأن استراتيجيات ترامب هي مجرّد «مناورة لشراء الوقت»، نظراً إلى أن «التأمين الحكومي» هو أشبه بـ«صدمة كهربائية» لإنعاش السوق المتوقّف، فيما نجاحه مرهون بقدرة الجيش الأميركي على «تحييد» الزوارق والمسيّرات الإيرانية في وقت قياسي، لا يتجاوز الأسبوعين إلى ثلاثة. أمّا إذا استمرت الهجمات، فإن التأمين لن يعوّض فقدان الأرواح، وستبقى شركات الشحن الكبرى بعيدة عن المضيق، مما يعني استمرار غلاء المعيشة في الداخل الأميركي. كذلك، حذر محللون من بنك «جي بي مورغان» من أن سقف التغطية «الحكومية»، والمقدّر بـ205 مليار دولار، هو على الأرجح أصغر بكثير من حجم المخاطر في الخليج، في وقت تقدَّر فيه قيمة السفن والشحنات العالقة بأكثر من 350 مليار دولار.
بالتوازي، وإذ يعيد إغلاق مضيق هرمز إلى الأذهان حرب الناقلات في ثمانينيات القرن العشرين، فإن تكتيكات الحرب التي تتّبعها طهران في هذه الحقبة، والتي تشمل الألغام، والطائرات المسيرة، والهجمات الصاروخية، خلقت بيئة تهديد أكثر تعقيداً. إذ هي نجحت في دفع قطر إلى وقف صادرات الغاز، كما طاولت شرارات هجماتها مصافي التكرير السعودية، فيما أوقف ميناء جبل علي في دبي عملياته مؤقتاً بعدما تسبب حطام الصواريخ في نشوب حريق فيه.
يضاف إلى ذلك، انتشار تقارير عن عمليات تشويش إلكتروني مكثفة في الخليج، تجعل الملاحة التقليدية خطيرة جداً حتى مع وجود مرافقة عسكرية. وبالحديث عن هذه الأخيرة، فإن المحللين العسكريين يجادلون بأن البحرية الأميركية «تفتقر إلى القدرة الاستيعابية» لمرافقة 60 سفينة يومياً، في وقت من المفترض فيه أن تسخَّر مثل تلك القدرات لاستكمال عمليات واشنطن ضدّ طهران. وبصورة أعم، طالما أن صواريخ «الحرس الثوري» لا تزال قادرة على الانطلاق وإصابة أهدافها، فإن حركة التجارة لن تعود إلى طبيعتها من دون «اتفاق سياسي» أو «حسم عسكري كامل».
بيوتٌ «أغلى»
حالياً، ورغم قدرة واشنطن على «امتصاص» التضخم وارتفاع أسعار الوقود مقارنة بأوروبا، يحذّر مراقبون من أن استمرار الحرب قد يحول دون استمرار الوضع الراهن. ومن بين هؤلاء، جيمي ديمون، الرئيس التنفيذي لـ«جيه بي موغان»، الذي نبّه، في حديث إلى شبكة «سي إن بي سي» أخيراً، إلى أنه «إذا لم يتم تمديد الحرب فلن تكون الضربة التضخمية كبيرة، إلا أنه في حال استمرّ التصعيد لمدة طويلة، فإن الأمر سيكون مختلفاً». ويأتي ذلك وسط تقديرات بأن الأسعار قد تبدأ في الارتفاع بمعدل أسرع، وأن التضخم قد يرتفع إلى 2.7% بحلول أيار، مقارنة بـ2.4% في كانون الأول.
وفي حين قد يتهيّأ للبعض أن بعض القطاعات، من مثل سوق الإسكان في الولايات المتحدة، لن تتأثر مباشرة بالقتال الدائر في الشرق الأوسط، فإن الحرب مع إيران تدفع أسعار الفائدة على الرهن العقاري إلى الارتفاع، مما يجعل اقتراض الأميركيين المال لشراء منزل أكثر تكلفة، طبقاً للشبكة نفسها.
وكانت مثّلت القدرة على تحمّل تكاليف السكن، قضية رئيسة بالنسبة إلى الأميركيين في السنوات الأخيرة. حتى إن ترامب زعم في خطاب «حال الاتحاد»، أن متوسط أقساط الرهن العقاري انخفض بمقدار 5000 دولار سنوياً، وذلك على ضوء انخفاض أسعار الفائدة على الرهن العقاري من حوالي 7% عندما تولّى الرئيس منصبه، إلى 5.98% قبيل الهجمات على إيران.
على أن المعدّلات المشار إليها ارتفعت مرة أخرى هذا الأسبوع، ووصلت إلى 6.13% على قرض عقاري ثابت لمدّة 30 عاماً الثلاثاء، قبل أن تنخفض قليلاً الأربعاء، وفقاً لصحيفة «Mortgage News Daily». ذلك أن أسعار الرهن العقاري ترتبط ارتباطاً وثيقاً بسعر سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات، علماً أن العائد على تلك السندات ارتفع في الأيام الأخيرة، وسط مخاوف من أن يؤدّي الصراع إلى ازدياد التضخم أيضاً.



