منوعات

ألعاب الطفولة الفلسطينية… ذاكرة وطن وهوية تتحدى النسيان

ألعاب الطفولة الفلسطينية… ذاكرة وطن وهوية تتحدى النسيان
من «السيجة» إلى «السبع حجار»… تراث شعبي صنع أجيالاً قبل أن تزاحمه الشاشات
إعداد وتقرير: المحامي علي أبو حبلة والأستاذ عبد البري
لم تكن الألعاب الشعبية الفلسطينية مجرد وسيلة للتسلية أو قضاء أوقات الفراغ، بل شكلت جزءاً أصيلاً من الهوية الثقافية والاجتماعية الفلسطينية، وعكست طبيعة الحياة البسيطة التي عاشها المجتمع عبر عقود طويلة. فقد كانت الأزقة والحارات وساحات البيوت والحقول تتحول كل مساء إلى فضاءات مفتوحة يلتقي فيها الأطفال والشباب، يتنافسون ويتعاونون، ويتعلمون قيم الشجاعة والانضباط والعمل الجماعي والاعتماد على النفس.
وقبل أن تغزو الألعاب الإلكترونية والهواتف الذكية حياة الأطفال، كانت البيئة الفلسطينية نفسها هي المصنع الأول للألعاب؛ فالحجارة، وأغصان الأشجار، ونوى الزيتون، وعلب الصفيح، وبقايا الأخشاب، كانت تتحول بمهارة الأطفال إلى أدوات لعب صنعت ذكريات ما تزال حاضرة في وجدان الأجيال.
وتؤكد دراسات التراث الشعبي أن الألعاب التقليدية لم تكن مجرد نشاط ترفيهي، بل كانت وسيلة تربوية متكاملة، أسهمت في تنمية الذكاء، وصقل الشخصية، وتعزيز روح المبادرة والتعاون، إلى جانب المحافظة على الموروث الثقافي المتوارث جيلاً بعد جيل.
السيجة… لعبة الملوك وامتحان الذكاء
لا يتوفر وصف للصورة.
تحتل لعبة السيجة مكانة خاصة بين الألعاب الشعبية العربية والفلسطينية، حتى أطلق عليها البعض “لعبة الملوك”. وتعتمد على التخطيط والذكاء أكثر من اعتمادها على القوة البدنية، الأمر الذي جعلها تشبه الشطرنج في فلسفتها وإن اختلفت في أدواتها وقواعدها.
كانت تُرسم شبكة اللعبة على الأرض أو الرمل، باستخدام خطوط متقاطعة، بينما تُستعمل الحصى الصغيرة أو نوى الزيتون أو قطع الخشب كأحجار للعب. ويعمل كل لاعب على محاصرة أحجار خصمه وإغلاق منافذ الحركة أمامها حتى يحقق الفوز، الأمر الذي يتطلب التفكير الهادئ واستشراف خطوات المنافس.
ولم تكن السيجة مجرد لعبة، بل مدرسة لتعليم الصبر، وحسن التخطيط، واتخاذ القرار، لذلك بقيت حاضرة في المجالس الريفية الفلسطينية حتى العقود الأخيرة.
ألعاب صنعت روح الجماعة
إلى جانب السيجة، ازدهرت عشرات الألعاب الشعبية التي ارتبطت بالحياة اليومية، ومنها السبع حجار التي تقوم على هدم برج من الحجارة وإعادة بنائه وسط منافسة مشوقة، ولعبة الغميضة (الطماية) التي تنمي سرعة الملاحظة، وطاق طاق طاقية التي جمعت بين الحركة والأهازيج الشعبية، إضافة إلى الحجلة التي اعتمدت على التوازن والدقة، وشد الحبل التي عززت العمل الجماعي، وعسكر وحرامية التي غرست روح القيادة والتخطيط.
كما عرفت فلسطين ألعاباً أخرى مثل “أولك يا إسكندراني”، و”دق الحابي”، و”الطممة”، و”يا عمي وين الطريق”، و”أنا النحلة أنا الدبور”، وغيرها من الألعاب التي كانت تعكس البيئة الفلسطينية وتنوعها الثقافي.
قد تكون صورة ‏‏‏طفل‏، و‏‏شارع‏، و‏الحائط الغربي‏‏‏ و‏تحتوي على النص '‏H10971 Η H10971 التردد اخلسطيني * سن‏'‏‏
مدرسة تربوية متكاملة
لم تكن هذه الألعاب عشوائية، بل أدت وظائف تربوية واجتماعية مهمة، إذ ساعدت الأطفال على اكتساب الثقة بالنفس، واحترام القواعد، والتعامل بروح الفريق، وتحمل المسؤولية، وتنمية القدرات العقلية والبدنية.
كما أسهمت في ترسيخ قيم التعاون والتسامح، إذ كانت الخلافات التي تنشأ أثناء اللعب تنتهي سريعاً بالمصالحة والعودة إلى استكمال اللعبة، وهو ما جعلها وسيلة لبناء الشخصية الاجتماعية السوية.
من البيئة وإليها
تميزت الألعاب الشعبية الفلسطينية بأنها اعتمدت بالكامل تقريباً على خامات البيئة المحلية، فلم تكن تحتاج إلى أدوات مكلفة أو تقنيات حديثة، بل كان الأطفال يصنعون ألعابهم بأيديهم، الأمر الذي عزز لديهم روح الابتكار والإبداع.
فكرة بسيطة، وحجر صغير، أو عصا، أو قطعة قماش، كانت كافية لصناعة ساعات طويلة من المتعة والتنافس، بعيداً عن مظاهر الاستهلاك التي تميز ألعاب العصر الحديث.
ذاكرة تواجه النسيان
ومع التطور التكنولوجي، وانتشار الهواتف الذكية والألعاب الإلكترونية، تراجعت ممارسة معظم هذه الألعاب، حتى أصبحت بالنسبة إلى الأجيال الجديدة مجرد أسماء يسمعونها من الآباء والأجداد.
غير أن المهرجانات التراثية، والأنشطة المدرسية، والمراكز الثقافية، بدأت خلال السنوات الأخيرة بإحياء هذه الألعاب، إدراكاً لقيمتها الثقافية والتربوية، باعتبارها جزءاً من الذاكرة الوطنية الفلسطينية.
مسؤولية الحفاظ على التراث
إن الحفاظ على الألعاب الشعبية لا يقل أهمية عن الحفاظ على الأغنية الشعبية، أو الثوب الفلسطيني، أو الحكاية التراثية، لأنها تمثل جانباً من الهوية الوطنية والذاكرة الجمعية.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى توثيق هذه الألعاب بالصوت والصورة، وإدراجها ضمن المناهج والأنشطة المدرسية، وتشجيع البلديات والمؤسسات الثقافية على تنظيم مهرجانات ومسابقات خاصة بها، بما يضمن انتقالها إلى الأجيال الجديدة.
فالأمم التي تحفظ تراثها وتحمي ذاكرتها، تحافظ في الوقت ذاته على شخصيتها الحضارية، وتؤكد ارتباطها بأرضها وتاريخها.
لقد كانت ألعاب الطفولة الفلسطينية أكثر من مجرد تسلية؛ كانت مساحة لبناء الإنسان، وصناعة الذكريات، وترسيخ القيم، وتأكيد الانتماء. واليوم، وفي ظل التحولات الاجتماعية والتكنولوجية المتسارعة، يصبح إحياء هذا التراث مسؤولية وطنية وثقافية، حتى تبقى أصوات الأطفال في الحارات، وأهازيج “طاق طاق طاقية”، وخطوط “السيجة” المرسومة على التراب، شاهداً حياً على أصالة المجتمع الفلسطيني وثراء موروثه الشعبي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب