مقالات
أميركا وإيران على طاولة المفاوضات في باكستان: كيف يضمن العرب ولبنان مصالحهم؟ في 13/ 04/ 2026 حسن خليل غريب
حسن خليل غريب

أميركا وإيران على طاولة المفاوضات في باكستان: كيف يضمن العرب ولبنان مصالحهم؟
في 13/ 04/ 2026 حسن خليل غريب
المقدمة:
في زمنٍ تتكاثر فيه الطاولات الدولية لتقرير مصير المنطقة، اجتمع الأميركي والإيراني في إسلام آباد ليعيدوا رسم خرائط النفوذ على حساب شعوبنا. ليست المفاوضات مجرد حوار بين قوتين، بل هي محاولة لفرض معادلات جديدة تتجاوز العرب ولبنان إن لم ينهضوا بموقف موحّد. إن التحدي اليوم ليس في مراقبة ما يجري، بل في تحويل هذه اللحظة إلى ساحة مواجهة سياسية ودبلوماسية، حيث يُسمع الصوت العربي كقوة لا يمكن تجاوزها، ويُستعاد الدور اللبناني كجزء من معادلة الصمود والشرعية الوطنية.
استضافت إسلام آباد جولة جديدة من المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، في لحظة إقليمية ودولية مشحونة بالتوترات. وتوقَّفت ثم تواصلت وإن كان بشكل غير مباشر. يدخل الطرفان إلى الطاولة محمّلين بأوراق ضغط، لكن أيضاً بمكامن ضعف تجعل أي اتفاق جزئي أقرب إلى الضرورة منه إلى الاختيار.
أولاً: أوراق القوة الأميركية
تملك واشنطن أدوات مالية وتجارية أثبتت قدرتها على شلّ قطاعات واسعة من الاقتصاد الإيراني. وشبكة دعم غربية وإسرائيلية تعزز موقفها، خصوصاً في ملفات سوريا ولبنان. والقدرة على التهديد بضربات دقيقة أو تعزيز وجودها في الخليج. ولها تأثير على الأسواق العالمية عبر التحكم بأسعار النفط والغاز، ما يجعلها لاعباً أساسياً في استقرار الاقتصاد الدولي.
ثانياً: مكامن الضعف الأميركية
أي اضطراب في مضيق هرمز يهدد الاقتصاد العالمي ويضع واشنطن تحت ضغط دول العالم. كما أنها تواجه جبهات متعددة من أوكرانيا إلى شرق آسيا، ما يحد من تركيزها على الملف الإيراني. وكذلك تواجه رفضاً شعبياً وإقليمياً بسبب سياساتها في الشرق الأوسط بما يضعف شرعية تدخلها.
ثالثاً: أوراق القوة الإيرانية
مضيق هرمز ورقة استراتيجية، إذ يمر عبره نحو 20% من النفط العالمي، ما يمنح طهران قدرة على تهديد الأسواق. كما تمتلك شبكة من الحلفاء الإقليميين: من حزب الله في لبنان إلى جماعات في العراق واليمن، ما يتيح لها التأثير المباشر في ساحات متعددة. وهي قادرة إلى حد ما من على الصمود رغم العقوبات، وقد أظهرت إيران قدرة على التكيف عبر اقتصاد مقاوم وتحالفات مع روسيا والصين.
رابعاً: مكامن الضعف الإيرانية
تعاني من الأزمة الاقتصادية الداخلية: التضخم، البطالة، وتراجع العملة يضعف موقفها التفاوضي. كما تعاني من العزلة الدولية: باستثناء بعض الحلفاء، تواجه إيران عزلة دبلوماسية واسعة. وهي تعتمد على أوراق غير مستقرة: مثل تهديد الملاحة في هرمز، وهو سلاح ذو حدين قد يستجلب ردوداً عسكرية قاسية. ولا ننسى الضغط الشعبي الداخلي: الاحتجاجات المتكررة تكشف هشاشة الوضع الداخلي.
وفي الخلاصة، ليست المفاوضات بين أميركا وإيران مجرد مواجهة ثنائية، بل هي اختبار لإرادة الطرفين في تقديم تنازلات تحفظ ماء الوجه. تدخل أميركا بثقل اقتصادي وعسكري، لكنها تخشى ارتدادات الطاقة. وتدخل إيران بأوراق جيوسياسية قوية، لكنها مثقلة بأزمة داخلية وعزلة دولية. النتيجة المرجحة هي اتفاق جزئي يتيح للطرفين إعلان “انتصار” محدود، مع بقاء الملفات الكبرى مفتوحة.
خامساً: كيف يحافظ العرب على مصالحهم:
في ظل المفاوضات بين أميركا وإيران في باكستان، يواجه العرب تحدياً مزدوجاً: أن لا يكونوا مجرد متفرجين، وأن يضمنوا أن مصالحهم لا تُختزل في تفاهمات ثنائية تتجاوزهم. هناك عدة مسارات يمكن أن تشكّل استراتيجية واقعية لحماية مصالحهم:
1-بناء موقف تفاوضي جماعي، بتشكيل ورشة عمل عربي مشترك يواكب المفاوضات ويطرح رؤية موحدة، حتى لا يتم التعامل مع كل دولة على حدة. ويتم ذلك على قاعدة تحديد أولويات واضحة: مثل أمن الطاقة، استقرار الخليج، وحماية القضية الفلسطينية، بحيث تصبح هذه الملفات خطوطاً حمراء في أي تفاهم.
2-الاستثمار في أوراق القوة: ومن أهمها مصادر الطاقة التي تمتلكها الدول العربية المصدّرة للنفط والغاز والتي لها قدرة على التأثير في الأسواق، ما يمنحها ورقة ضغط موازية. وكذلك موقعها الجغرافي الذي يتيح لها السيطرة على الممرات البحرية (قناة السويس، باب المندب، والجانب الغربي من مضيق هرمز)، وهو ما يجعل من الأرض العربية جزءاً أساسياً من معادلة الأمن الإقليمي. كما أن التحالفات المتوازنة بتنويع العلاقات بين واشنطن، بكين، وموسكو يتيح للعرب هامش مناورة أكبر.
3- إدارة نقاط الضعف في الجسم الرسمي العربي، مما يتوجب عليهم تجنّب الانقسام الداخلي، لأن الخلافات العربية–العربية تضعف الموقف الجماعي وتسهّل تجاوزهم في التفاهمات. ومنع الاعتماد المفرط على الخارج، وتقليل الارتهان الأمني للولايات المتحدة عبر تعزيز القدرات الدفاعية الذاتية. وكذلك الاستفادة من الضغط الشعبي بالاستجابة لمطالب الرأي العام العربي في قضايا مثل فلسطين ولبنان تمنح الموقف الرسمي شرعية أكبر.
4-تحويل المفاوضات إلى فرصة: وتتم بطرح مبادرات عربية: مثل مبادرة أمن إقليمي تشمل الخليج والشرق الأوسط، بحيث يكون العرب طرفاً أصيلاً لا مجرد وسيط. والاستفادة من التوازنات: كلما اشتد التنافس الأميركي–الإيراني، ازدادت حاجة الطرفين إلى وساطة عربية أو تعاون اقتصادي، ما يفتح نافذة للتأثير.
وفي الخلاصة، يتطلب ضمان المصالح العربية الانتقال من موقع المتلقي إلى موقع الفاعل. فالمفاوضات بين أميركا وإيران ليست مجرد صراع أميركي–إيراني، بل هي إعادة رسم لمعادلات المنطقة. إذا نجح العرب في صياغة موقف موحد، واستثمار أوراقهم الاقتصادية والجغرافية، يمكنهم أن يفرضوا أنفسهم كطرف لا يمكن تجاوزه، وأن يحوّلوا التوازنات الدولية إلى فرصة لحماية أمنهم القومي ومصالحهم الاستراتيجية.
سادساً: لبنان والموقف العربي: قراءة تاريخية في حماية المصالح الوطنية
منذ استقلاله، ظل لبنان في قلب التوازنات الإقليمية والدولية، حيث شكّل الموقف العربي عاملاً حاسماً في دعم سيادته أو في التخفيف من آثار الأزمات. في المفاوضات الراهنة مع إسرائيل، يمكن للبنان أن يستفيد من هذا الإرث التاريخي، عبر استدعاء تجارب سابقة أثبتت أن الغطاء العربي ليس مجرد دعم معنوي، بل أداة استراتيجية لحماية المصالح الوطنية.
1-اتفاق الطائف: (1989) عالج نتائج الحرب الأهلية اللبنانية بعد أن وصلت الدولة اللبنانية إلى مرحلة الانهيار الكامل. حينذاك بادرت المملكة العربية السعودية، ومعها اللجنة الثلاثية العربية، ووفّرت إطاراً تفاوضياً جامعاً أنهى الحرب وأعاد بناء الدولة. ومن الدروس المستفادة كانت الشرعية العربية أساساً لإعادة تكوين المؤسسات، ومنحت الاتفاق قبولاً داخلياً وخارجياً.
2-حرب تموز 2006: بعد العدوان الإسرائيلي على لبنان الذي استمر 33 يوماً، وأدى إلى دمار واسع. كان للدور العربي تأثيراً مهماً، والذي رغم الانقسام في المواقف بين اللبنانيين، وفّرت بعض الدول العربية دعماً سياسياً ومالياً لإعادة الإعمار، ما ساعد لبنان على الصمود. ومن الدروس المستفادة أنه في ظل الانقسام بين اللبنانيين، يبقى الدعم العربي الاقتصادي والسياسي عاملاً أساسياً في تعزيز قدرة لبنان على مواجهة الضغوط الإسرائيلية.
3-مفاوضات ترسيم الحدود البحرية (2022): والذي أتى في أتون النزاع حول حقول الغاز في البحر المتوسط. عزَّز الدور العربي الداعم لحقوق لبنان موقفه التفاوضي أمام الوسيط الأميركي، وأدى إلى اتفاق يحفظ مصالحه الاقتصادية. وتبقى الدروس المستفادة: الربط بالقضايا العربية الكبرى (أمن الطاقة) منح لبنان ثقلاً إضافياً، وحوّل المفاوضات من نزاع ثنائي إلى قضية إقليمية.
4-المفاوضات الراهنة (2026)، والتي جاءت في أعقاب العدوان الإسرائيلي الواسع على الجنوب وبيروت، الأمر الذي دفع واشنطن إلى الضغط نحو التهدئة. وفي هذه المفاوضات يستطيع لبنان أن يوظف الموقف العربي كغطاء تفاوضي، عبر الشرعية الجماعية، الضغط السياسي والإعلامي، والدعم الاقتصادي والأمني. وإن الانقسام الداخلي اللبناني، وتباين المواقف العربية، قد يحدّ من قوة هذا الغطاء، لكن التاريخ يثبت أن أي موقف عربي جامع يعزز قدرة لبنان على حماية مصالحه.
وفي الخلاصة، إن التجارب التاريخية من الطائف، حرب تموز، وترسيم الحدود البحرية، تؤكد أن الموقف العربي كان دائماً عاملاً حاسماً في حماية مصالح لبنان. في المفاوضات الراهنة، يمكن للبنان أن يستفيد من هذا الإرث عبر توظيف الشرعية العربية، الضغط السياسي، والدعم الاقتصادي والأمني، ليحافظ على سيادته ويمنع أن يكون مجرد طرف ضعيف في معادلة تفاوضية غير متكافئة.
الخاتمة:
المفاوضات في باكستان ليست قدراً محتوماً، بل ساحة اختبار لإرادة الشعوب في فرض حضورها. العرب، ولبنان في قلبهم، أمام فرصة تاريخية: إمّا أن يتركوا مصيرهم رهينة تفاهمات ثنائية، وإمّا أن يفرضوا أنفسهم كقوة تفاوضية جماعية تحمي أمن الطاقة، تصون فلسطين، وتدافع عن السيادة. إن التاريخ يعلّمنا أن الغطاء العربي كان دائماً سنداً للبنان في مواجهة العدوان والانقسام، واليوم يمكن أن يكون رافعة لحماية المصالح الوطنية. المطلوب هو الانتقال من موقع التلقي إلى موقع الفعل، ومن موقع التبعية إلى موقع المبادرة، ليُكتب أن العرب ولبنان لم يكونوا مجرد أوراق على الطاولة، بل شركاء في صناعة القرار وصون الكرامة القومية.




