أنا وعمارة العقل!

أنا وعمارة العقل!
بكر أبوبكر
يعد د.محمد عمارة منارة وقامة سامقة في الفكر المستقل أو الفكر المنفلت من عِقال التنظيمات والأحزاب العربية المتعصبة للعرق، أو المتسمية إسلامية وهي أبعد ما تكون عما تنادي به بغالبها.
وهو بانفلاته الميمون لجأ للعقل والحجّة والبيان في كتاباته الكثيفة (من 250- 300 كتاب) ومنها من حقق فيها في التاريخ الفكري وفي مسارات عدد من كبار المفكرين المستقلين (غير المتحزبين) أمثال محمد عبده والأفغاني والطهطاوي والسنهوري والكواكبي وغيرهما وصولًا الى ميشيل عفلق (أبومحمد).
شملت أفكار عمارة مشروعًا حضاريًا جامعًا للأمة وهو ما عبّر عنه في أواخر حياته ومن خلال كتابه ربما الأخير في الفكرة الجامعة، أو حسبما أسماها “الوسطية الجامعة”.
كان من الضروري لمن يبغي التفلت من أسر القوالب المصبوبة اللجوء للدكتور محمد عمارة (1931-2020م) منهل النقاش الهاديء والرزين والمتعقل حيث يعطيك المساحة للتأمل والتفكر، ويقترح عليك مسارات تتشكك فيها وتبحث ثم تقرّ عينك.
إنك معه تشعر بسلاسة وجزالة أسلوبه فلا تستطيع أن تخرج منه بسهولة. لقد سجّل د.محمد عمارة الابداع العقلي في سفر الثقافة والفكر الحضاري المتميز عن الغرب العنصري الاستهلاكي المهمين، وسجل في العمل الفكري الممنهج الكثير من النقاط التي أزالت عن العقل العربي والإسلامي فكرة القبول الخانع لإرادة الجامد التراثي، أو المهيمن العنصري الغربي.
الجمود التراثي من جهة والافتتان بالمهيمن الغربي حوّل العقل والفكر الى آلة تلقي وتقبل وخنوع ميكانيكية تسير وراء القائد أو المصلح أو الملهم (من يظن نفسه كذلك) أو الناشط -أو حديثًا من يسمون أنفسهم “المؤثرين”- ما رفضه عمارة داعيًا لاستخدام العقل المتفكر العقل الثري العقل الملتزم بالنص القرآني من جهة وأسس التدين وإطلاق الفكر من جهة اخرى، مالم يجد فيه تناقضًا بين من افترضوا المعاصرة روافض الجمود والتحجر ما رموا فيه القديم بجلّه، أو ما أسمي في المعارف الاسلامية الأصالة.
الأصالة والمعاصرة كما رآها لا تتناقض مع الأخذ بعلمية العلوم ومناهج البحث والتفكر أنّا جاءت شرقًا أو غربًا مع إبراز قيمة الحضارة العربية الإسلامية المتميزة والمغايرة بالقيم والأخلاق والمسالك.
د.محمد عمارة يُنسب له الفضل في إيقاظ الشعور الاسلامي الجامع بين ثنايا الأمة التي تمزقت بين فرق الأحزاب والجماعات سواء “الاخوانية” والفِرق المتفرعة عنها، أو السلفية أو المتطرفة التي نشأت على هدي “الاخوان المسلمين” فكان بالفعل منارة جامعة ألقت بالحزبية والعصبوية جانبًا وأسست لنور العقل المستمد من الإسلام والقرآن الكريم والأحاديث الشريفة في مواجهة التحزيب وقداسة الأشخاص أوالأحزاب فكان بحق عِمارة العقل، وعلمًا تراهُ وأنت في عرض البحر أينما يمّمت وجهك.
كان الأستاذ في بداية حياتي الجامعية زادًا لي لم ينضب في كل مراحلي في مواجهة الجمود الفكري والحزبية القاتلة للأحزاب الإسلاموية المقيتة، وفي مواجهة المادية الغربية التي أهانت الأسرة والمجتمع وفي مواجهة الفكرة اللادينية التي انبثقت من محيط الفكر الشيوعي، فامتلكتُ بما كتب ومثله عدد من الفرسان الآخرين الحصانة الفكرية في الإطار الديني الملتزم والخطاب الثوري أو النضالي.
كتب عمارة في الإسلام وقضايا العصر حيث اتخذ أو عرض مواقف في الإسلام والفنون الجميلة ، والإسلام وتحرير المراة ، والإسلام وحقوق الإنسان ، وغيرها من القضايا المهمة.
كما كتب عن قضايا معاصرة مطروحة على الساحة الإسلامية، مثل:الغزو الفكري وَهْم ام حقيقة ؟ ، وكذلك كتبه عن عقلانية الفكر الإسلامي مثل : المعتزلة ومشكلة الحرية الإنسانية ، المادية، والمثالية في فلسفة ابن رشد ، وغيرهما من الكتب في هذا المجال .
وفي استلهام التاريخ عند الدكتور عمارة كتب عن الوعي بالتاريخ وصناعة التاريخ ، وتيارات الفكر الإسلامي ، والعرب والتحدِّي ، كما كتب سير وتراجم لكبار العلماء والمفكرين.(للاستزادة الرجوع الى د.عبدالرازق عيسى بكتابه عنه تحت عنوان: داعية الإحياء والتجديد الإسلامي)
تميز فكر العلامة د.محمد عمارة كما أوردت مجلة المجتمع الكويتية في بحثها المعنون: محمد عمارة.. قلعة الفكر الإسلامي (عام 2021م) بالتالي
أولاً: الجمع بين دراسة الفكر الإسلامي والفكر الغربي
ثانياً: الجمع بين علوم النقل وعلوم العقل
ثالثاً: الجمع بين دراسة الإسلام والأديان الأخرى
رابعاً: الجمع بين الدراسة في الأزهر ودار العلوم
خامساً: الجمع بين دراسة المذاهب الكلامية القديمة والتيارات الفكرية المعاصرة
سادساً: الجمع بين دراسة التيارات الإسلامية والتيارات غير الإسلامية
سابعاً: الجمع بين العلم والعمل الميداني
ثامناً: الجمع بين الفكر والأدب والتصوف
تاسعاً: الجمع بين السلفية والتجديد
عاشراً: الجمع بين الوطنية والعروبية والإسلامية والإنسانية
أما في مشروعه الشامل وسِفره حول الوسطية الجامعة بكتابه “معالم المشروع الحضاري الإسلامي” فإنه يقوم على فكرة أن الإسلام يمثل تياراً وسطياً (متوازنًا) يرفض الغلو بجميع أشكاله، ويدمج بين ثنائيات يراها الفكر الغربي متناقضة مثل الجمع بين العقل والنقل..الخ، وفي ذلك يقول الدكتور محمد عمارة إنها الوسطية الجامعة ” فهي عدسته اللاَمّة لأشعة ضوئه…. فهي تنفي الغلو الظالم والتطرف الباطل فتمثل الفطرة الإنسانية في بساطتها وبداهتها وعمقها… وهذه الوسطية الجامعة ليست ما يحسبه العامة من المتعلمين والمثقفين من انعدام الموقف الواضح والمحدد أمام القضايا والمشكلات، لأنها الموقف الأصعب الذي لا ينحاز الانحياز الأسهل إلى أحد القطبين، وهي كذلك ليست الوسطية الأرسطية؛ والتي ترى الفضيلة هي وسط بين رذيلتين؛ … وليست هكذا الوسطية في اصطلاح الإسلام. إنها في التصور الإسلامي موقف ثالث حقاً وموقف جديد حقاً ولكن توسطه بين النقيضين المتقابلين لا يعني أنه منبت الصلة بسماتها وقسماتها ومكوناتها؛ إنه مخالف لهما ولكن ليس في كل شيء، ولكنه يرفض الانحصار والانغلاق على سمات كل قطب من الأقطاب وحدها دون غيرها.. ولذلك فإنّ الوسطية كموقف ثالث وجديد إنما يتمثل تميزها في أنها تجمع وتؤلف كل مايمكن جمعه وتأليفه كنسق غير متنافر ولاملفق من السمات والقسمات والمكونات الموجودة في القطبين النقيضين كليهما، وهي لذلك وسطية جامعة”
قال عنه أد.عبد الحميد أبو سليمان، رئيس المعهد العالمي للفكر الإسلامي “يُعد محمد عمارة “النموذج المثالي” لـ “فرسان الفكر” وما ينبغي أن يتحلوا به من سماتٍ نفسية وعقلية مع جمعه بين “علوم التراث” و”العلوم المعاصرة” … وهي سِمَة تميز بها ولازمته طوال سنوات عمره”، وكتب عنه الكثيرون لنختم حيث قال عنه الشيخ محمد الغزالي أنه قلعة من قلاع الاسلام.
بكر أبوبكر




