فلسطينمقالات

في الضفة.. للأرض عُشّاقٌ يرضعون التاريخ! ​بقلم: محمد سليمان غندور

بقلم: محمد سليمان غندور

هذا المقال حول ما يجري في قرى ومدن الضفة الغربية…..

في الضفة.. للأرض عُشّاقٌ يرضعون التاريخ!

​بقلم: محمد سليمان غندور

​”في الضفة.. لي أطفالٌ سبعة، أوسطُهم يرضع تاريخَه..”

​بهذه الوصف العميق، وبهذا العشق الممتد عبر جيلٍ يسلّم الراية لجيل، تُكتب حكاية الضفة الغربية في فلسطين . حكايةٌ ليست مجرد أرقامٍ صماء في شريط الأخبار، ولا مجرد “تصعيد أمني” عابر كما يروق للبعض أن يسمّيه؛ بل هي قصيدة حُبٍّ وصمودٍ تُكتب بالدم والدمع. إنها معركة وجود صامتة تخوضها شعبنا الفلسطيني في القرى والبلدات في وجه هندسةٍ قاسية تروم اقتلاع الشجر والحجر، وإظلام الأمل في عيون الصغار.
​كيف يُقنعون أمّاً تودّع شهيدها في أزقة القرية أن تتنازل عن حلمها وعن ارضها ؟ وكيف يفسرون لطفلٍ يُهدم بيته فوق ذكرياته كيف تتسع السماء لكل هذا الحزن؟
​إن أرواح الشهداء الجدد الذين يرتقون يومياً في قرى الضفة—على أعتاب بيوتهم وهم يذودون عن أراضيهم وأشجار زيتونهم ضد اقتحامات الجيش وهجمات المستوطنين المسلحين—هي الشهادة الأعظم على ثمن هذه المأساة. هؤلاء الشهداء ليسوا أرقاماً في تقارير إخبارية، بل هم آباءٌ وأبناءٌ وأطباءٌ ومزارعون استُبيحت دماؤهم تحت مظلة ما يصفه خبراء القانون بـ “التطهير العرقي الناعم”.
​إنهم يحاولون كسر روح القرية الفلسطينية؛ يقطعون شجر الزيتون الدهري لأنهم يعلمون أنه يحفظ أسرار الآباء، ويُسقطون الشهداء ليزرعوا الخوف، ويُقطّعون أوصال الأرض إلى “كانتونات” معزولة لكي يُصبح التواصل جُرماً. يُجبرون الإنسان على الاختيار بين العدم أو الرحيل، لكنهم ينسون أن الأرض التي ارتوت بدم الشهداء وعشق الأبناء لا يُقلع جذرُها بقرار ..
​وفي العتمة، ثمة حكاية أخرى للألم والكرامة. خلف القضبان، حيث يتمدد “الاعتقال الإداري” التعسفي بلا تهمة ولا محاكمة، يُحرم المئات من عناق أطفالهم. إن الاعتقالات الجماعية المتواصلة ليست تدبيراً أمنياً، بل هي محاولة صريحة لكسر الإرادة وتفكيك نسيج الروح الجمعية. لكنّ قلب الأسير، مثل أرضه، يرفض أن يُسجن؛ يظل ينبض بالحرية، ويهتف بالحب لأرضٍ تُقدّم شهداءها فداءً لكرامتها.
​من هنا، ومن دولةٍ كالسويد—التي طالما نبض قلبها للعدالة وشكّلت ملاذاً للقانون الدولي وحقوق الإنسان—يتنزل الموقف كواجبٍ أخلاقي وإنساني قبل أن يكون خطة سياسية. إن واجبنا اليوم أمام المجتمع والرأي العام السويدي والأوروبي هو أن نروي الحكاية كما هي: باسم الشهداء، والأسرى، والبيوت المهدومة، بلا رتوش وبلا مواربة.
​إن السويد، بحراكها المدني، ونقاباتها، وأحزابها، وقوة ضميرها الجمعي، مؤهلة لتكون المنارة التي تفضح زيف السرديات، وتكشف واقع نظام الفصل العنصري. إن التعاطف وحده لا يُداوي جرحاً، والدموع لا تُعيد شهيداً لبيته؛ إن الحب الصادق للعدالة يتطلب موقَفاً
​لقد علمنا التاريخ أن بيانات الشجب الباردة لم تحمِ يوماً طفلاً، ولم تمنع جرافة من تجريف طريق، ولم توقف رصاصة موجهة لسكان القرى. إن الاستمرار في منح حصانة الإفلات من العقاب هو ما يغذي هذه المأساة. ومن هنا تأتي المقاطعة الشاملة—سياسياً واقتصادياً وثقافياً—كلغة راقية وناجعة يفهمها العالم، وكسلاح سلمي نبلائي استُخدم سابقاً لهدم أسوار الفصل العنصري.
​إن مقاطعة منتجات المستوطنات، وسحب الاستثمارات من منظومة الاستيطان، ووقف الشراكات الأكاديمية والعسكرية، والمطالبة بمحاكمة قتلة الشهداء ومحاسبتهم دولياً، هي الترجمة الحقيقية للعقل والأخلاق ولتضامن لا يتوقف عند حدود الكلمات.
​إن ما يحدث في الضفة ليس نزاعاً عابراً، بل هو صراع بين خيار الحياة والكرامة، وبين آلةٍ تريد تجريد شعبٍ كامل من وجوده. ولن تتوقف هذه المأساة إلا عندما يتحول الخطاب الوجداني إلى فعلٍ مُقاوم ومُقاطع ومُحاسِب في كل المحافل، وعلى رأسها الساحة السويدية.
​فالعدالة لا تُوهب كمنّة، بل يُنتزع حقها بالحب الصادق، والضغط السياسي الذي لا ينكسر، والوفاء لدماء الشهداء، والضمير الإنساني الذي يرفض أن ينام على صرخات الضحايا 

See less

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب