أوسلو: الاتفاق الميت الذي يريد اليمين الإسرائيلي وأده

أوسلو: الاتفاق الميت الذي يريد اليمين الإسرائيلي وأده
ياسر منّاع
لا يسعى اليمين إلى التخلص من وظائف أوسلو كلها، وإنما يريد إسقاط البعد السياسي الذي يمنح الفلسطينيين صفة جماعية، ويذكّر بأن الوضع القائم بدأ ترتيبًا مؤقتًا لا نظامًا دائمًا…
عندما أعلن بتسلئيل سموتريتش في 18 شباط/فبراير 2026، خلال افتتاح حملته السياسية حول “ثورة الاستيطان” في مستوطنة “بساغوت” المقامة على أراضي رام الله والبيرة، أن إلغاء اتفاقات أوسلو يشكّل أحد أهداف المرحلة المقبلة، لم يُضِف بندًا طارئًا إلى خطاب اليمين الإسرائيلي. لقد منح هذا الخطاب عنوانًا سياسيًا واضحًا للمرحلة التالية: “إنهاء أي إطار يربط الضفة الغربية بفكرة التسوية ونقلها إلى منطق السيادة الإسرائيلية المطلقة”. وفي الخطاب نفسه، ربط سموتريتش بين إلغاء أوسلو والمضي في مسار فرض السيادة وتشجيع هجرة الفلسطينيين من غزة والضفة الغربية، مؤكدًا أن المدى الطويل، من وجهة نظره، لا يترك خيارًا آخر.
يكشف هذا التصريح أن أوسلو لم تعد، في خطاب اليمين الإسرائيلي، اتفاقًا فشل في إنتاج تسوية سياسية فحسب. لقد تحولت إلى رمز لبنية سياسية يريد هذا اليمين دفنها رسميًا. فالاتفاق، رغم تعطله العملي منذ سنوات، ظل يحتفظ ببقايا اعتراف سياسي بالفلسطينيين وبأمل إقامة دولة أو كيان فلسطيني. لذلك، لا يستهدف مشروع الإلغاء نصًا سياسيًا قديمًا وحده، وإنما يستهدف اللغة التي أبقت الضفة الغربية في موقع الأرض المؤجلة.
اليوم، انتقلت هذه الرؤية من مستوى الخطاب السياسي إلى المسار التشريعي، عندما طرح نواب من حزب “عوتسما يهوديت” مشروع قانون لإلغاء اتفاق أوسلو، واتفاق الخليل، واتفاق واي. ويعرض السجل التشريعي للكنيست المشروع تحت عنوان: “اقتراح قانون إلغاء اتفاق أوسلو، اتفاق الخليل، واتفاق واي”.
بهذا المعنى، يحاول اليمين الإسرائيلي تحويل العداء الأيديولوجي لاتفاق أوسلو إلى أداة قانونية داخلية، حتى وإن احتاج المشروع إلى مسار تشريعي طويل قبل أن يتحول إلى قانون نافذ. غير أن هذه المحاولة لا تبدأ من فراغ، فقد عرف الكنيست منذ الانتفاضة الثانية مشاريع قوانين سعت إلى إعلان بطلان اتفاقات أوسلو والخليل وواي، ولا سيما في عامي 2001 و2002، لكنها بقيت في إطار مشاريع خاصة لم تتحول إلى قانون نافذ.
أما الفارق في اللحظة الحالية، فيكمن في السياق السياسي الذي نشأ بعد السابع من أكتوبر. فاليمين لا يطرح الإلغاء اليوم بوصفه احتجاجًا على خرق فلسطيني للاتفاقات فقط، كما ظهر في مبادرات سابقة، وإنما يدرجه ضمن مشروع أوسع لإعادة تعريف الضفة الغربية وتصفية ما تبقى من اللغة السياسية التي أبقاها أوسلو حول الدولة الفلسطينية والمرحلة الانتقالية والتسوية النهائية. لذلك، يبدو ما بعد السابع من أكتوبر مختلفًا عما قبله، إذ لم يعد اليمين يكتفي بتفريغ أوسلو من مضمونها العملي، وإنما يسعى إلى محوها من الإطار القانوني والسياسي الذي بقي يحكم العلاقة مع الفلسطينيين.
ومن هنا، لا تكمن أهمية الخطوة في مصيرها التشريعي وحده، وإنما في قدرتها على إعادة تعريف السؤال الإسرائيلي حول الضفة الغربية بعد السابع من أكتوبر. فعلى امتداد العقود الماضية، لم تتعامل إسرائيل مع أوسلو بوصفه إطارًا للتسوية، وإنما استخدمته منظومة لإدارة الفلسطينيين مع إبقاء السيطرة العليا على الأرض.
فقد أنشأ اتفاق أوسلو الأول عام 1993 سلطة فلسطينية تتولى مسؤوليات حكم ذاتي خلال فترة انتقالية مدتها خمس سنوات، على أن تبدأ بعدها مفاوضات الوضع النهائي حول الحدود والقدس واللاجئين والأمن. ثم جاء اتفاق أوسلو الثاني عام 1995 لينظم بنية الحكم الذاتي، ويقسم الضفة الغربية إلى مناطق (أ) و(ب) و(ج). لكن المرحلة الانتقالية تحولت في الممارسة إلى وضع طويل الأمد، إذ بقيت المنطقة (ج)، وهي المساحة الأوسع في الضفة، تحت سيطرة إسرائيلية شبه كاملة، وصارت مجالًا للتوسع الاستيطاني والتحكم بالتخطيط والبناء والحركة.
هنا تظهر المفارقة المركزية في موقف اليمين الإسرائيلي من أوسلو. فقد استفادت إسرائيل من الاتفاق لأنه خفف عنها عبء الإدارة المباشرة للسكان، وأبقى السلطة الفلسطينية مسؤولة عن وظائف يومية كثيرة، بينما احتفظت إسرائيل بمفاتيح القوة الحاسمة.
لذلك، لا يسعى اليمين إلى التخلص من وظائف أوسلو كلها، وإنما يريد إسقاط البعد السياسي الذي يمنح الفلسطينيين صفة جماعية، ويذكّر بأن الوضع القائم بدأ ترتيبًا مؤقتًا لا نظامًا دائمًا. وتساعد بنية الحكم العسكري في الضفة على فهم قدرة إسرائيل على تغيير القواعد بسرعة، فمنذ حزيران/يونيو 1967 اعتمدت إسرائيل منظومة أوامر عسكرية منحت قائد المنطقة صلاحيات واسعة في الإدارة والقضاء والتنظيم. ويوضح الإعلان العسكري رقم 2 لعام 1967 أن الأوامر والتعليمات الصادرة عن القائد العسكري تشكل جزءًا من الإطار الحاكم في الضفة. ومن الناحية النظرية، يستطيع القائد العسكري إصدار أمر جديد ينسخ ما سبقه أو يعدله.
غير أن تحويل إلغاء أوسلو من مشروع قانون إلى واقع سياسي لا يواجه مسألة إجرائية فقط، وإنما يصطدم بثلاثة عوائق مركزية. أولها العائق الفلسطيني نفسه: من يدير ملايين الفلسطينيين إذا أضعفت إسرائيل السلطة أو فككت وظائفها؟ لقد منح أوسلو إسرائيل صيغة مريحة، إذ أبقى لها السيطرة العليا على الأرض، ونقل إلى السلطة الفلسطينية أعباء الإدارة اليومية. لذلك، يفتح إلغاء الإطار السياسي لأوسلو سؤالًا حاولت إسرائيل تأجيله منذ التسعينيات: كيف تحتفظ بالأرض من دون أن تتحمل كلفة السكان؟ ومن هنا نفهم موقع خطاب “تشجيع الهجرة” في مشروع سموتريتش، فهو يظهر بوصفه جوابًا ديمغرافيًا وإداريًا على معضلة السيادة.
أما العائق الثاني، فيتمثل في السقف الأميركي. فلا تستطيع إسرائيل الذهاب بعيدًا في مسار الضم أو تصفية أوسلو من دون موافقة واشنطن أو تغطيتها السياسية. وقد بقيت الولايات المتحدة منذ 1993 الطرف الخارجي الأهم في إدارة مسار أوسلو وحماية إسرائيل دبلوماسيًا وعسكريًا.
لذلك، يظل أي انتقال من التشريع الرمزي إلى التطبيق الفعلي مرتبطًا بموقف الإدارة الأميركية، خصوصًا عندما يقترب المشروع من الضم الرسمي أو من إنهاء أي أفق لدولة فلسطينية. فالمسألة هنا لا تتعلق بما يستطيع اليمين تمريره داخل الكنيست فقط، وإنما بما تسمح به واشنطن ضمن حساباتها الإقليمية والدولية.
ويتمثل العائق الثالث في احتمال اتساع المواجهة مع أوروبا وعدد من دول العالم. فالقانون الدولي لا يمنح الاحتلال سلطة سيادية على الأرض، ولا يعترف بالضم الأحادي بوصفه تغييرًا قانونيًا لوضع الأراضي المحتلة. لذلك، تستطيع إسرائيل إصدار قوانين وأوامر داخلية، لكنها لا تستطيع شطب الإطار القانوني الدولي الذي يتعامل مع الضفة الغربية باعتبارها أرضًا محتلة منذ عام 1967. ومع تصاعد المواقف الأوروبية الرافضة للاستيطان، وتنامي الانتقادات الدولية للحرب والإبادة في غزة، قد يفاقم قرار كهذا التوتر في علاقة إسرائيل بأوروبا وعدد من الأطراف الدولية، ويدفعها إلى مواجهة سياسية ودبلوماسية أوسع.
يبدأ المطلوب فلسطينيًا من بناء وحدة سياسية واجتماعية في الضفة الغربية وقطاع غزة والداخل الفلسطيني، لأن قرارًا من هذا النوع لا يستهدف سلطة أو فصيلًا بعينه، وإنما يستهدف الموقع السياسي الجماعي للفلسطينيين وقضيتهم بوصفها قضية شعب وأرض وحقوق. لذلك، يحتاج الفلسطينيون إلى موقف وطني موحد يعيد تنظيم العلاقة على قاعدة مواجهة الضم والاستيطان وتصفية القضية السياسية والحقوق الفلسطينية.
بالتوازي، يجب العمل على كسب دعم دولي وعربي جدي، لا يكتفي ببيانات الرفض، وإنما يترجم ذلك إلى خطوات عملية، وفي مقدمتها دعم السلطة الفلسطينية ماليًا بصورة مباشرة ومنتظمة، حتى لا تتحول أزمتها الاقتصادية إلى أداة ضغط إضافية تستخدمها إسرائيل. كما يجب دفع الدول العربية والإسلامية والأوروبية إلى ربط إلغاء أوسلو بمشروع الضم وتوسيع الاستيطان ومحاولة إسقاط الدولة الفلسطينية من التداول، ثم تحويل هذا الموقف إلى ضغط سياسي وقانوني يحمي المؤسسات الفلسطينية ويمنع إسرائيل من تحويل الاحتلال إلى سيادة معلنة.
ختامًا، من الكارثة التعامل مع ما يجري بوصفه دعاية انتخابية، فنحن أمام محاولة تشبه مسار إلغاء فك الارتباط عام 2025، وتحويل فكرة إلى واقع عملي على الأرض. فإذا لم يعترض الأميركيون بوضوح، سيمضي اليمين نحو إلغاء الوضع القائم رسميًا ومن دون تجميل. وعندها قد تستثمر إسرائيل فراغ السلطة الفلسطينية عبر كيان أو كيانات بديلة (روابط المدن) تدير الفلسطينيين مدنيًا من دون تحمل مسؤوليتهم، وتحكمهم عسكريًا بصورة مباشرة.




