عربي دولي

أولويات ما بعد الحرب: إعمار المباني والاقتصاد

أولويات ما بعد الحرب: إعمار المباني والاقتصاد

«الدول لا تنهض من الحروب عندما يتوقف القصف، بل عندما يقتنع المجتمع بأن مستقبله سيكون أفضل من ماضيه. وهذه هي المهمّة الاقتصادية الكبرى التي تنتظر لبنان في اليوم التالي لوقف إطلاق النار». بهذه العبارة يختصر رئيس قسم الاقتصاد في الجامعة اللبنانية الأميركية جمال إبراهيم حيدر الاستحقاق الذي ينتظر الدولة اللبنانية بعد نحو ثلاث سنوات من الحرب، والتي لا تضع البلاد أمام ورشة إعادة إعمار بالمعنى التقليدي للكلمة، بمقدار ما تضعها أمام مهمّة أكثر تعقيداً تتمثّل في إدارة تداعيات الحرب التي تراكمت فوق أزمة إنهيار مصرفي ونقدي انعكس فوراً على بنية المؤسسات العامة والخاصة في لبنان.

تأمين الموارد وبدء العمل الإنقاذي

في ظل محدودية الموارد، والمراوحة المتواصلة في الإصلاحات الاقتصادية والمالية، لا تبدو الحكومة أمام ترف اختيار الأولويات، بل يترتّب عليها العمل على أكثر من جبهة بالتوازي؛ من إعادة تشغيل الخدمات الأساسية في المناطق المتضررة وتأمين الحد الأدنى من احتياجات السكان العائدين، إلى استكمال الإصلاحات المؤجلة منذ سنوات، بالتزامن مع تهيئة الأرضية اللازمة لإطلاق مسار إعادة الإعمار. غير أن الأولوية الأكثر إلحاحاً، هي إعادة السكان إلى المناطق المتضرّرة بعد أشهر من النزوح القسري.

وهذا يتطلب إعادة تشغيل الخدمات العامة من شبكات الكهرباء والمياه والاتصالات والطرق والمدارس والمراكز الصحية. هذا شرط أساسي لاستعادة النشاط الاقتصادي والاجتماعي في القرى والبلدات التي طاولها الدمار. لكن في السياق نفسه، هناك سكان نازحون يفترض من الدولة رعايتهم مهما بلغت الكلفة. بحسب الخبير الاقتصادي كمال حمدان، فإن الهمّ الأساسي يتمثّل في «تأمين الموارد التي تسمح باستمرار تلبية الحدّ الأدنى من حاجات السكان الذين فرضت عليهم الحرب النزوح القسري، ما يضع وزارات الشؤون الاجتماعية والصحة والعمل ورئاسة الحكومة أمام استحقاق يومي لا يحتمل التأجيل».

بالنسبة إلى مدير المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق عبد الحليم فضل الله، فإن الأولويات الحكومية هي ضمن أربعة مسارات متداخلة ومتوازية في آن: إغاثي، إنقاذي، تعافٍ اقتصادي، وإصلاحي. فالجانب الإغاثي يمتدّ إلى مرحلة ما بعد الحرب. «الدولة لم تؤمّن الحد الأدنى من متطلبات المجتمع المتضرّر، ولا سيما الأسر النازحة التي لم تحظَ بالرعاية والدعم الكافيين»، لذا يحذّر من التداعيات العميقة لاستمرار هذا السلوك، على ميزانيات الأسر وأوضاعها المعيشية «وهذا سينعكس على المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية والتنموية، ولا سيما في قطاعات التعليم والصحة ومستويات المديونية». أيضاً مفهوم الإغاثة يشمل القطاعات الاقتصادية والمؤسّسات والوحدات الإنتاجية الموجودة في المناطق التي كانت عرضة للحرب، والتي تحمّلت الجزء الأكبر من الخسائر الاقتصادية التي أصابت البلاد خلال السنوات الماضية.

نحو توزيع الخسائر وتطوير النظام الضريبي

بالتوازي، يبرز مسار التعافي الاقتصادي كأحد أكثر الملفات إلحاحاً. إذ لا يقتصر الأمر على معالجة آثار الحرب الأخيرة، بل يفترض أن يتعامل مع الخسائر المتراكمة منذ الانهيار في 2019. يقول فضل الله إنّ الاقتصاد اللبناني خسر نحو نصف الناتج المحلي منذ ذلك الوقت، ثم أضافت الحرب خسائر جديدة تمثّلت بمعدلات نموّ سلبية مقدرة بـ10%. لذا، لا ينبغي أن يُوجَّه التمويل حصراً نحو إعادة البناء المادّي أو معالجة النتائج المباشرة للحرب، بل يجب أن يترافق مع حزمة تمويل مخصّصة لتنشيط القطاعات الاقتصادية، وخطة لإعادة هندسة الاقتصاد اللبناني بما يتناسب مع متطلبات التعافي واستعادة النمو.

خسر لبنان نصف الناتج المحلي بسبب الانهيار المصرفي والنقدي وأضافت الحرب خسائر إضافية فيه

وهذا أمر لا ينفصل عن الإصلاحات المؤجّلة منذ سنوات. يشير حمدان، في هذا السياق، إلى أنّ قانون إعادة هيكلة المصارف ومشروع معالجة الفجوة المالية بقيا معلّقين، رغم أنّهما كانا من بين المشاريع الأساسية التي كان يفترض إقرارها قبل الجولة الأخيرة من الحرب.

كما يلفت إلى أنّ استمرار التعثّر ينعكس مباشرة على مسار المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، الذي لا يزال يطلب تعديلات إضافية على هذه المشاريع، فيما يراوح هذا المسار مكانه منذ نحو سنة ونصف السنة، مضيفاً أنّ «بلداً بلا مصارف لا يمشي، وبلداً بلا مصارف يعني اقتصاد الكاش هو الطاغي». ويبدو واضحاً بالنسبة لفضل الله، ضرورة استكمال معالجة الأزمة الاقتصادية من خلال إنجاز المشاريع والقوانين التي باتت معروفة للكل، ضمن توافق وطني واضح على توزيع الأكلاف والأعباء. و«لتمكين الاقتصاد من الاستمرار، يجب أن يبذل جهداً كبيراً لتطوير النظام الضريبي وإطار الموازنة العامة والسياسة النقدية» يقول فضل الله.

برنامج وطني للتشغيل

لكنّ التعافي الاقتصادي لا يتعلق فقط بحجم الأموال التي يمكن تأمينها، بل أيضاً بقدرة الدولة على استعادة الثقة. إعادة الإعمار ليست مسألة تمويل فقط، بل أيضاً هي «مؤسّسات قادرة على إدارة الأموال بكفاءة وشفافية» يقول حيدر.

ويرى أنّ الأشهر الستة الأولى بعد وقف إطلاق النار ستكون المرحلة الأكثر حساسية، إذ ينبغي أن تتحول إلى فرصة لاستعادة قدرة الدولة التنفيذية في المناطق المتضررة، عبر توجيه الموارد المتاحة نحو إعادة تشغيل البنى التحتية الحيوية ذات الأثر الاقتصادي والاجتماعي المرتفع، بدلاً من الانجرار إلى مشاريع استعراضية أو رمزية لا تنعكس مباشرة على حياة السكان. كما يدعو إلى اعتماد نموذج يقوده المجتمع المحلي، انطلاقاً من أنّ سكان المناطق المتضرّرة هم الأقدر على تحديد احتياجاتهم وأولوياتهم.

وفي الوقت نفسه، يمكن أن تتحوّل عملية إزالة الركام وتأهيل المرافق العامة والبنى التحتية إلى فرصة لإطلاق برنامج وطني واسع للتشغيل، بما يسهم في خلق فرص عمل جديدة وإعادة ضخّ النشاط الاقتصادي في المناطق المتضررة.

ويعتبر حيدر أنّ المطلوب أن تتحول إعادة الإعمار إلى وسيلة لإحياء الاقتصاد المحلي، لا إلى مجرد عملية استيراد للمواد والخبرات من الخارج، لأنّ كل فرصة عمل تُخلق اليوم تشكّل استثماراً في الاستقرار غداً. برأيه، يجب أن تتحول مرحلة الإعمار إلى فرصة لاعتماد مخططات عمرانية أكثر حداثة واستدامة، وتأمين مساحات عامة أفضل وشبكات نقل أكثر كفاءة ومعايير بيئية أكثر صرامة، وصولاً إلى بناء مبانٍ أكثر قدرة على الصمود أمام الأزمات المستقبلية.

الدمج مع المحيط العربي

تضيف أوساط حكومية إلى ذلك، ضرورة العمل على إعادة دمج الاقتصاد اللبناني بمحيطه العربي وتعزيز مسار التكامل الاقتصادي الإقليمي، في إطار تعبئة التمويل، وإنعاش المناطق المتضررة، وإطلاق الإصلاحات الاقتصادية. «هذه مسائل لا يمكن التعامل معها بصورة منفصلة، لأنّ أي تأخير في إحداها سينعكس مباشرة على المسارات الأخرى».

هكذا، يبرز تحدٍّ لا يقل أهمية، يتمثّل في تأمين التمويل اللازم للمرحلة الانتقالية. قبل الحرب، كان يجري الحديث عن إعداد موازنات تمتد على ثلاث سنوات وتتضمن نفقات مرتبطة بالإعمار والإصلاحات الاقتصادية، إلا أنّ الأولويات تبدّلت بصورة جذرية. وبحسب حمدان «انتقل التفكير من إعداد خطط طويلة الأمد إلى كيفية تأمين الموارد اللازمة شهراً بعد شهر، من دون المسّ باحتياطات مصرف لبنان، لتغطية الحد الأدنى من احتياجات السكان المتضررين وتداعيات الدمار الذي خلّفته الحرب».


أين صندوق الإعمار؟

يثير «مشروع المساعدة الطارئة للبنان (LEAP)» التساؤل لجهة جاهزية الدولة في إدارة مرحلة ما بعد الحرب. فالمشروع، الذي يُفترض أن يشكّل حجر الأساس لمسار إعادة الإعمار، خُصّص لدعم إعادة تأهيل البنى التحتية الحيوية والخدمات الأساسية في المناطق المتضرّرة بتمويل أساسي من البنك الدولي على أن يُجمع مبلغ إضافي من مساهمات المانحين. لكن مشروع إنشاء هذا الصندوق، لم يحضر طوال المدة الماضية لا لتأمين التمويل ولا في آلياته الإدارية والجدول الزمني لبدء العمل فيه. بمعنى آخر، لم تتمكن الحكومة من الانتقال من مرحلة الإعلان إلى مرحلة التنفيذ.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب