أين الدور العربي والإسلامي في وقف حرب اليمن؟
من تضارب الحسابات إلى مسؤولية الأمن الجماعي

أين الدور العربي والإسلامي في وقف حرب اليمن؟
من تضارب الحسابات إلى مسؤولية الأمن الجماعي
بقلم رئيس التحرير -: المحامي علي أبو حبلة
لم تعد الحرب في اليمن شأناً داخلياً أو نزاعاً إقليمياً يمكن التعامل معه بمنطق الانتظار وإدارة الأزمات، بل أصبحت اختباراً حقيقياً لقدرة النظام العربي والإسلامي على حماية الأمن الجماعي، ووقف استنزاف الموارد والإمكانات، ومنع اتساع دائرة الصراعات التي تهدد استقرار المنطقة ومستقبل شعوبها.
ومنذ تصاعد الحرب عام 2015، دفع الشعب اليمني أثماناً إنسانية واقتصادية واجتماعية باهظة، فيما واجهت المملكة العربية السعودية تحديات أمنية وعسكرية متصلة بتهديدات الحدود والهجمات العابرة لها. وبين المعاناة الإنسانية والمخاوف الأمنية، بقي الحل السياسي الشامل ضرورة لم تفقد أهميتها، بل ازدادت إلحاحاً مع استمرار الانقسام اليمني وتعقّد المشهد الإقليمي.
هنا يبرز السؤال الذي ينبغي أن يتصدر النقاش العربي: أين دور جامعة الدول العربية؟ وأين منظمة التعاون الإسلامي؟ وما مسؤولية الدول العربية القادرة على التأثير في أطراف الصراع، في ظل استمرار الأزمة وتداعياتها على الأمن العربي والملاحة الدولية والاقتصادات الإقليمية؟
إن المطلوب لا يقتصر على بيانات التضامن والدعوة إلى التهدئة، بل يتطلب انتقالاً من إدارة الخلافات إلى صناعة الحلول، ومن التحرك الموسمي إلى دبلوماسية عربية وإسلامية فاعلة تمتلك رؤية واضحة وأهدافاً محددة وآليات متابعة ومحاسبة على النتائج.
الجامعة العربية أمام اختبار المسؤولية
إن جامعة الدول العربية مطالبة بإعادة تفعيل دورها السياسي، والعمل على بناء موقف عربي مشترك يوازن بين حماية أمن المملكة العربية السعودية، وصون سيادة اليمن ووحدته، وحق شعبه في تقرير مستقبله بعيداً عن الحرب والإكراه والتدخلات الخارجية.
ولا يمكن بلوغ هذا الهدف من خلال التصعيد العسكري وحده، كما لا يمكن تحقيق سلام مستدام بتجاهل المخاوف الأمنية المشروعة أو فرض تسويات لا تحظى بقبول الأطراف اليمنية المعنية. فالسلام الحقيقي يقوم على ضمانات متبادلة، واحترام سيادة الدول، ووقف الهجمات العابرة للحدود، وإطلاق مسار سياسي شامل يعالج جذور الأزمة.
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى مبادرة عربية عاجلة، تتولاها الجامعة بالتنسيق مع السعودية وسلطنة عُمان والأمم المتحدة، وتستهدف تثبيت التهدئة، واستئناف المفاوضات، ووضع جدول زمني واقعي للتقدم نحو تسوية سياسية قابلة للاستمرار.
ومنظمة التعاون الإسلامي: التضامن بالفعل لا بالبيانات
أما منظمة التعاون الإسلامي، فإن مسؤوليتها تقتضي توظيف علاقاتها وإمكاناتها السياسية والاقتصادية والإنسانية لدعم مسار التسوية، وتوفير مظلة مساندة للجهود الدبلوماسية، وحشد التمويل اللازم للاستجابة الإنسانية وإعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي.
فالتضامن الإسلامي لا يُقاس بعدد الاجتماعات والبيانات، بل بقدرته على تخفيف معاناة الشعوب، وتقريب وجهات النظر، وحماية المجتمعات من تداعيات النزاعات الممتدة. واليمن، بما يواجهه من أزمات معيشية وخدمية وانقسام مؤسسي، يحتاج إلى برنامج عربي وإسلامي متكامل يعيد الاعتبار للتنمية والاستقرار، ويضمن وصول المساعدات إلى مستحقيها وفق آليات رقابة شفافة.
خمسة مسارات للتحرك العربي المشترك
إن استعادة الدور العربي والإسلامي تتطلب خطوات عملية، في مقدمتها تشكيل لجنة وساطة عربية وإسلامية بالتنسيق مع الأمم المتحدة، وإطلاق مسار جاد لوقف التصعيد، وتوفير ضمانات أمنية متبادلة، ودعم حوار يمني شامل، وإقرار خطة إنسانية واقتصادية لإعادة تأهيل البنية التحتية والخدمات الأساسية.
كما ينبغي أن تتضمن أي تسوية ترتيبات واضحة لحماية الحدود والملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، ومنع استخدام الأراضي اليمنية منصة لتهديد دول الجوار، مع ضمان عدم تحويل الاعتبارات الأمنية إلى ذريعة لاستمرار الحرب أو تعطيل الحل السياسي.
ويجب أن تكون لهذه المسارات مواعيد محددة وآلية متابعة دورية، لأن المبادرات التي لا تقترن بإرادة سياسية والتزامات قابلة للتحقق تظل حبراً على ورق.
استنزاف القدرات العربية ليس قدراً محتوماً
إن استمرار الصراعات يبدد موارد كان يمكن توجيهها إلى التعليم والصحة والأمن الغذائي والتكنولوجيا والتنمية الاقتصادية، ويضعف قدرة الدول العربية على مواجهة التحديات الخارجية. كما أن اتساع رقعة النزاعات يفتح المجال أمام تدخلات دولية وإقليمية تزيد تعقيد الأزمات وتحد من قدرة شعوب المنطقة على التحكم في مستقبلها.
ولا ينبغي النظر إلى أمن السعودية واستقرار اليمن باعتبارهما مصلحتين متعارضتين؛ فاستقرار اليمن، وحماية أمن المملكة، وتأمين الملاحة الدولية، أهداف مترابطة يمكن تحقيقها من خلال تسوية متوازنة تحترم السيادة وتضمن المصالح المشروعة لجميع الأطراف.
إن المطلوب من الدول العربية تجاوز تضارب الحسابات الضيقة، والعمل على صياغة مفهوم عملي للأمن القومي العربي، يقوم على منع الحروب، وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية، ورفض تحويل الدول العربية إلى ساحات لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية.
المطلوب قرار سياسي لا بيان جديد
إن وقف الحرب في اليمن مسؤولية عربية وإسلامية مشتركة، وليس مجرد استحقاق دبلوماسي مؤجل. ومن هنا، فإن الدعوة إلى اجتماع عاجل لوزراء الخارجية العرب والمسلمين، يضع خطة محددة لوقف التصعيد واستئناف المفاوضات ودعم الإغاثة وإعادة الإعمار، تمثل خطوة ضرورية نحو استعادة الثقة بالعمل العربي المشترك.
لقد آن الأوان لأن تنتقل الجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي من متابعة الأزمات إلى الإسهام الفاعل في حلها، وأن تدرك الدول العربية أن الأمن الجماعي لا يتحقق بتراكم أدوات القوة وحدها، بل بقدرتها على توظيف السياسة والحوار والتعاون لمنع الحروب وإنهائها.
إن اليمن لا يحتاج إلى مزيد من سنوات الاستنزاف، والسعودية تحتاج إلى أمن مستدام، والمنطقة تحتاج إلى استقرار يحمي مواردها ويصون مستقبل أجيالها. وهذه أهداف لا تتحقق إلا بإرادة سياسية جادة تجعل السلام خياراً استراتيجياً، لا شعاراً يتكرر كلما اشتدت الأزمات.
فهل يتحرك النظام العربي والإسلامي قبل أن تتسع دائرة الخسائر، أم تبقى بيانات التضامن شاهدة على فجوة تتسع بين مسؤولية المؤسسات وحاجات الشعوب؟

