الافتتاحيهرئيسي

أين شعار “أمريكا أولًا”؟

أين شعار “أمريكا أولًا”؟

بين الجدل الداخلي في واشنطن وتداعيات الحرب على الشرق الأوسط

بقلم:رئيس التحرير 

تشهد الولايات المتحدة نقاشًا سياسيًا ودستوريًا محتدمًا على خلفية انخراطها العسكري في المواجهة مع إيران، بالشراكة مع إسرائيل، وما ترتب على ذلك من سقوط قتلى في صفوف الجنود الأمريكيين. وقد فجّر هذا التطور موجة انتقادات داخل الكونغرس وخارجه، أعادت إلى الواجهة سؤالًا محوريًا: هل يتسق هذا المسار مع العقيدة السياسية التي رُفعت تحت شعار “أمريكا أولًا”، أم أنه يمثل انخراطًا جديدًا في صراعات الشرق الأوسط بتكلفة استراتيجية مفتوحة؟

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دافع عن قراره باعتباره ضرورة لحماية الأمن القومي الأمريكي ومصالح الولايات المتحدة وقواتها في المنطقة. غير أن أصواتًا جمهورية وديمقراطية على حد سواء أبدت تحفظات جدية على طبيعة التصعيد وتوقيته وأهدافه.

انقسام داخلي يتجاوز الاعتبارات الحزبية ، النائبة الجمهورية السابقة مارجوري تايلور غرين وصفت الضربات بأنها غير ضرورية، معتبرة أن الإدارة خالفت تعهداتها الانتخابية برفض الحروب الخارجية. وفي السياق ذاته، اعتبر السيناتور الديمقراطي كريس فان هولن أن ما يجري “حرب اختيارية”، مشيرًا إلى أن المسار الدبلوماسي لم يُستنفد بالكامل.

أما النائب الديمقراطي بات رايان، الضابط السابق في الاستخبارات العسكرية خلال حرب العراق، فقد انتقد ما وصفه بغياب خطة استراتيجية واضحة أو أهداف محددة معلنة للرأي العام، معتبرًا أن الغموض في تحديد غاية العمليات العسكرية يثير إشكاليات دستورية تتعلق بصلاحيات الرئيس في استخدام القوة دون تفويض صريح من الكونغرس.

من الناحية القانونية، أعاد التصعيد النقاش حول قانون صلاحيات الحرب (War Powers Resolution) وحدود السلطة التنفيذية في تحريك القوات المسلحة دون إعلان حرب رسمي. فاستمرار العمليات العسكرية لفترة ممتدة دون تفويض تشريعي واضح قد يفتح باب المساءلة السياسية ويعمّق الانقسام الداخلي، خاصة إذا تصاعدت الخسائر البشرية أو توسعت رقعة المواجهة.

كما يطرح الانخراط العسكري المباشر تساؤلات في إطار القانون الدولي، لجهة مدى توافر شروط الدفاع الشرعي عن النفس وفق المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، ومدى التزام قواعد الاشتباك بمبادئ التناسب والضرورة العسكرية.

استحضار تجارب العراق وأفغانستان حاضر بقوة في الخطاب السياسي الأمريكي، باعتبارهما نموذجين لحروب طويلة الأمد أنهكت الاقتصاد الأمريكي وأضعفت الثقة الشعبية في جدوى التدخلات الخارجية. واليوم، يخشى منتقدو التصعيد أن تتحول المواجهة مع إيران إلى حرب استنزاف إقليمية متعددة الساحات، خصوصًا في ظل وجود قواعد أمريكية منتشرة في الخليج والشرق الأوسط.

في المقابل، ترى الإدارة الأمريكية أن الضربات تشكل رسالة ردع استراتيجية تهدف إلى منع توسع البرنامج النووي الإيراني وإعادة رسم قواعد الاشتباك في المنطقة، بالتنسيق مع حلفائها، وفي مقدمتهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

تداعيات الحرب على الشرق الأوسط ، إن انعكاسات هذا التصعيد لا تقتصر على الداخل الأمريكي، بل تمتد إلى مجمل الإقليم. فالحرب المفتوحة بين واشنطن وطهران تحمل في طياتها مخاطر متعددة:

تهديد أمن الخليج العربي عبر استهداف القواعد العسكرية أو المنشآت النفطية، بما قد يؤدي إلى اضطراب أسواق الطاقة وارتفاع الأسعار عالميًا.

توسّع رقعة المواجهة عبر انخراط أطراف إقليمية أو فاعلين غير دولتيين، ما يهدد استقرار دول مثل العراق وسوريا ولبنان.

إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية، حيث قد تجد بعض الدول العربية نفسها أمام ضغوط لاتخاذ مواقف واضحة، ما قد يعمّق الاستقطاب الإقليمي.

انعكاسات على القضية الفلسطينية في ظل انشغال إقليمي ودولي بالصراع الأوسع، وما قد يرافق ذلك من إعادة ترتيب أولويات الأمن الإقليمي.

وهناك مخاطر اقتصادية مباشرة على اقتصادات المنطقة التي تعاني أصلًا من أزمات مالية وارتفاع نسب البطالة والتضخم.

إن الشرق الأوسط، الذي لم يخرج بعد من تداعيات الحروب السابقة، يقف اليوم أمام احتمال إعادة إنتاج مشهد الفوضى الممتدة، في حال لم يتم احتواء التصعيد ضمن أطر سياسية واضحة.

المعادلة الراهنة تضع الولايات المتحدة أمام اختبار مزدوج: من جهة، إثبات قدرتها على فرض معادلات ردع جديدة؛ ومن جهة أخرى، تجنب الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة بلا أفق سياسي. فالتاريخ الحديث يبيّن أن الحسم العسكري في نزاعات الشرق الأوسط غالبًا ما يكون محدود النتائج، بينما تظل التسويات السياسية هي المسار الأكثر استدامة.

وخلاصة القول أن الجدل الدائر في واشنطن يعكس أزمة تعريف للمصلحة القومية الأمريكية في سياق إقليمي معقّد. وبينما تؤكد الإدارة أن تحركاتها دفاعية وضرورية، يرى معارضوها أن الكلفة البشرية والاستراتيجية قد تتجاوز المكاسب المتوقعة.

إن استمرار الحرب دون رؤية سياسية متكاملة قد يعمّق حالة عدم الاستقرار في الشرق الأوسط ويعيد المنطقة إلى دائرة صراع مفتوح، فيما يبقى الخيار الدبلوماسي، رغم تعقيداته، المسار الأقل كلفة والأكثر انسجامًا مع قواعد القانون الدولي ومتطلبات الاستقرار الإقليمي.

ويبقى السؤال الأهم:؟؟؟ هل يشكل هذا التصعيد إعادة تعريف لدور الولايات المتحدة في المنطقة، أم أنه محطة عابرة في صراع مرشح لإعادة رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب