مقالات

إختلط الحابل بالنابل…وانفرط حبل الأخلاق قبل السياسة بقلم حسين عبدالله جمعه

بقلم حسين عبدالله جمعه

إختلط الحابل بالنابل…وانفرط حبل الأخلاق قبل السياسة
بقلم حسين عبدالله جمعه
لم يعد المثل الشعبي «اختلط الحابل بالنابل» مجرد عبارة تُقال لتوصيف الفوضى، بل أصبح واقعًا معاشًا في لبنان والعالم العربي. فالمثل الذي يعود إلى زمن الراعي الذي كان يفرز «المعاشير» الغزيرة اللبن عن غيرها، بات اليوم وصفًا دقيقًا لبلدٍ اختلطت فيه المعايير، وتداخل فيه الحق بالباطل، والمصلحة العامة بالمكاسب الخاصة، حتى تاه المواطن بين الأبيض والأسود، وفقد الناس القدرة على التمييز بين الصالح والطالح.
في هذا البلد، يتقاضى المواطن الحد الأدنى للأجور بما لا يكفي أسبوعًا، بينما يقود سيارة تفوق قيمتها عشرات آلاف الدولارات.
وفيه يخطب البعض بالوطنية وهم أبعد ما يكونون عنها، ويتصدّر المشهد العام أشخاصٌ لا علاقة لهم بالكفاءة أو النزاهة، بينما يهمَّش أصحاب العلم والخبرة.
والأخطر من ذلك، أن المواطن الذي يؤمن بالدولة والقانون قد يجد نفسه مضطرًا للتفاوض مع خاطفين أو خارجين عن القانون، في ظل حضور رسمي خجول أو غائب تمامًا. وحين تتدخل الدولة، فإنها غالبًا ما تفعل ذلك لصالح المحظيّين، تاركة الآخرين لمصيرهم.
هذا الحال ليس طارئًا، بل هو نتيجة سنوات طويلة من تداخل الأدوار، وتعطّل المؤسسات، وصراع المصالح، حتى باتت حياة اللبناني تشبه آلة «الماجيميكس» التي تخلط كل شيء وتفقده شكله ومعناه.
الكهرباء غائبة، والمولدات الخاصة تتحكّم برقاب الناس وأعصابهم.
في الأسواق تختلط السلع الفاسدة بالصحية، وفي الصيدليات يجري تداول الأدوية المهرّبة كأنها أمر طبيعي.
أما الحرام والباطل، فصارا أقوى صوتًا وحضورًا من الحلال والحق.
لكن أخطر ما أصاب مجتمعنا – وربما أكثر ما يُقلق – هو تحلّل التربية وانهيار منظومة الأخلاق داخل البيوت نفسها.
نرى أبناءً لا يعرفون معنى الامتنان أو الاحترام،
أجيالًا نشأت على الرفاهية المزيّفة بلا قيم،
وعقوقًا يتفاخر به البعض تحت مسمّيات الحرية والاستقلالية.
بات الأب غريبًا في بيته،
والأمّ تُستبدل بالتطبيقات والشاشات،
وأصبح الوفاء عملة شبه نادرة في زمن يؤله فيه الناس المصلحة الذاتية فوق كل شيء.
صرنا نعيش غربة حقيقية، لا عن الوطن فقط، بل عن أنفسنا أولًا.
غربة ثقافية وأخلاقية واجتماعية، جعلت كثيرين يشعرون بأنهم غرباء في اللغة والبيئة والمحيط، حتى بين أبناء الطائفة الواحدة والعائلة الواحدة.
وصدق الحديث الشريف: «بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء.»
لقد اختلط الحابل بالنابل، نعم،
لكن ما زال خروجنا من هذا الخراب ممكنًا حين نعيد الاعتبار إلى التربية قبل التعليم، وإلى الأخلاق قبل الخطابات، وإلى الضمير قبل الشعارات.
فما من نهضة تقوم على اقتصادٍ منهار، ولا على سياسةٍ متخبّطة، إن لم يكن لها سندٌ من قيمٍ تحفظ الإنسان وتحمي المجتمع.
حسين عبدالله جمعه
سعدنايل لبنان

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب