إسرائيل حولت عيد الأضحى ليوم دموي في غزة ولبنان ونتنياهو يحاول إفشال خطط ترامب للخروج من متاهة إيران

إسرائيل حولت عيد الأضحى ليوم دموي في غزة ولبنان ونتنياهو يحاول إفشال خطط ترامب للخروج من متاهة إيران
إبراهيم درويش
كان العيد دمويا بكل المقاييس في غزة ولبنان، لم يتوقف القتل ولا التدمير، واستهدفت القوات الإسرائيلية الناس وأمرتهم بالرحيل عما تبقى لديهم من سكن.
في الوقت نفسه أعلن «الحاكم بأمره»، بنيامين نتنياهو عن أوامر للجيش بضم 70 في المئة من أراضي غزة واحتلالها، فيما كرر وزير دفاعه السادي يسرائيل كاتس تهديداته بترحيل كل سكان غزة، أما وزير المالية بتسلئيل سمورتيش فقد طالب بتدمير 10 مبان في لبنان مقابل كل مسيرة يطلقها حزب الله على مستوطنات الشمال.
ورغم كل هذا العنف والقتل، إلا أن قادة إسرائيل أظهروا حساسية عندما اتهمتهم لجنة في الأمم المتحدة بالعنف الجنسي في السجون إلى جانب روسيا وقرروا قطع الاتصالات مع الأمين العام للامم المتحدة أنطونيو غويتريتش. مع أن فريق الأمم المتحدة تحقق من 31 حالة تعرض فيها فلسطينيون، رجالا ونساء وأطفالا، للاعتداء الجنسي في قطاع غزة والضفة الغربية المحتلة بين عامي 2023 و2025. وذكر التقرير الصادر عن الأمم المتحدة أن الاعتداءات الإسرائيلية شملت حالات اغتصاب جماعي متكررة واستخدام العنف الجنسي كشكل من أشكال التعذيب. وشملت الانتهاكات الأخرى الاغتصاب باستخدام أدوات والشروع في الاغتصاب والاعتداء على الأعضاء التناسلية وإطلاق النار عليها ولمس الثديين والأعضاء التناسلية والإجبار على التعري والتهديد بالاغتصاب. وكان الصحافي في «نيويورك تايمز» نيكولاس كريستوف، قد كشف في هذا الشهر عن هذه الأنماط، فهددته إسرائيل وصحيفته بالملاحقة القانونية. واتهم نتنياهو من كشف عن هذه الممارسات بأنها «فرية دم» والتي انتشرت في العصور السابقة عن اليهود وأدت لما عرف بمعاداة السامية، ووصف نتنياهو الجنود وحراس السجون الذين ارتكبوا هذه الأفعال بالأبطال.
علاوة على ذلك، لم يتخذ نتنياهو أية إجراءات ضد وزيره المتطرف الذي تباهى بقمع السجناء وسخر من ناشطي أسطول الحرية، بل وصور بنفسه قمعهم. وقالت مجلة «إيكونوميست» (27/5/2026) إن بن غفير رغم عنفه ضد ناشطي أسطول الصمود وضد المعتقلين الفلسطينيين لم يواجه أي عقوبات من نتنياهو. بل واصل قمعه وخفض وجبات المعتقلين ومنعهم من امتلاك أي أثاث في زنازينهم. وقالت «إيكونوميست» إن زيارته للمعتقلين من ناشطي اسطول الصمود بميناء أشدود في 20 أيار/مايو جاءت وسط تشجيعه الضباط لانتهاك وإساءة معاملة الناشطين الذين جلبوا إلى الميناء مقيدين واجبروا على الركوع. وبررت المجلة تساهل نتنياهو مع وزير أمنه، لأنه كان ضمن كتلة ساهمت بوصول رئيس الوزراء للحكم في 2022. ووثقت منظمات حقوق إنسان ومنها «أطباء من أجل حقوق الإنسان»، وهي منظمة إسرائيلية، العنف ضد الفلسطينيين في السجون وقالت إنه توفي ما لا يقل عن 98 سجينا فلسطينيا في أول عامين من حرب غزة. ويبدو على المعتقلين المفرج عنهم الهزال الشديد.
وتشير المجلة إلى أن أحدا لم يظهر تقريبا أي رد فعل رسمي، فمنذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، لم يفتح سوى عدد قليل من التحقيقات في وفيات السجناء. وأسفرت واحدة فقط عن توجيه اتهامات. كما وجهت اتهامات لخمسة جنود بعد تحقيق في اعتداء جنسي مزعوم في معسكر اعتقال سديه تيمان في تموز/يوليو 2024. لكن المدعية العامة العسكرية التي وجهت الاتهامات أُقيلت ثم اعتقلت بتهمة تسريب فيديو للحادثة المزعومة إلى وسائل الإعلام، وأسقط خليفتها التهم عنهم. وترى المجلة أن نتنياهو مسؤول عن الانتهاكات كما بن غفير مسؤول عنها بالدرجة الأولى. ويبدو نتنياهو مطلق الحرية بفعل ما يريد، وخاصة أن الرئيس الأمريكي عالق في متاهة الحرب، ويصدر يوميا الكثير من التصريحات عن وقف إطلاق النار وصفقة مع الإيرانيين ثم يهددهم بل وهدد حلفاء تقليديين مثل عمان، السلطنة التي طالما دعمت وساطات للسياسة الخارجية الأمريكية. ولن يتردد ترامب عن قصفها لو وافقت على ترتيبات لإدارة مضيق هرمز مع إيران. وبين الحلم بصفقة وأحلام بعيدة المنال بفرض اتفاقيات إبراهيم على الدول المشاركة في الوساطة مع الإيرانيين، يبدو أن نتنياهو وفريقه المتطرف يحاولون قدر الإمكان إفشال خطوات ترامب، حتى مع الإيرانيين.
إفشال ترامب
ويبدو أن ترامب يفعل ما يريده نتنياهو لا العكس. ففي يوم الجمعة الماضية، قال ترامب موجها الخطاب لرئيس الوزراء بأنه «سيفعل ما أريده منه». ومع أن كلام ترامب صحيح في جوهره، إلا أنه من الناحية العملية لا يهم. وخاصة أن أمريكا ترامب وقبله أمريكا بايدن ترددتا بالأخذ على يد نتنياهو بوقف التمويل والدعم العسكري الأمريكي لحروبه.
وتقول صحيفة «الغارديان» (29/5/2026) إن اهتمام ترامب بإيران يحرف نظره عما يفعله نتنياهو في لبنان وغزة، مشيرة للتصعيد الدموي في لبنان الذي قد يكون محاولة للسيطرة على مواقع جديدة فيه، بل وربما كان محاولة لزعزعة مبادرة السلام، حيث يصر الإيرانيون على أن يشمل وقف إطلاق النار لبنان أيضا. وتضيف الصحيفة أنه في الوقت الذي يشيد ترامب بما يحققه من تقدم على ملف المفاوضات، يعمل نتنياهو على إفشال هذه الجهود. وأضافت أن إسرائيل قتلت هذا الأسبوع قائدا عسكريا آخر من حماس، لكن هذه الحرب فشلت في تحقيق هدفها المعلن بتدمير الحركة، ملحقة أضرارا جسيمة بالمدنيين. فيما توسعت القوات الإسرائيلية إلى ما هو أبعد بكثير من نصف الأراضي التي وافقت على السيطرة عليها، وتهاجم الفلسطينيين في منطقة غير محددة حول مواقعها، وتشن غارات جوية في عمق غزة. ومع ذلك، يحمل نيكولاي ملادينوف، كبير الدبلوماسيين في مجلس السلام الذي عينه ترامب، حماس مسؤولية تعثر وقف إطلاق النار المزعوم. والآن، يقول نتنياهو إنه أمر الجيش بالسيطرة على 70 في المئة من غزة. سيجبر ذلك أكثر من مليوني فلسطيني على العيش في أقل من ثلث مساحة غزة المكتظة أصلا. وعلقت الصحيفة على ما قاله كاتس وأن إسرائيل ستدفع بـ«الهجرة الطوعية» لسكان غزة، متسائلة أن مغادرة الناس بسبب دمار منازلهم وبنيتهم التحتية الأساسية ومعاناتهم من النقص الحاد في الغذاء والدواء وعيشهم تحت وطأة العدوان العسكري، فإن خروجهم ليس مثل ما يسميه كاتس «طوعيا»، بل هو تطهير عرقي، فالاختيار بين كارثة إنسانية من صنع الإنسان أو النزوح ليس خيارا على الإطلاق.
وقالت إن رد الفعل الدولي المبرر إزاء معاملة الناشطين الغربيين في أسطول غزة من قبل بن غفير، يتناقض بشكل صارخ مع الصمت المطبق إزاء انتهاكات حقوق المعتقلين الفلسطينيين.
ولاحظت الصحيفة التناقض في الموقف الغربي والغضب الذي أعقب قصف روسيا لمبنى سكني روماني هذا الأسبوع، وبين الصمت المطبق إزاء الهجمات في غزة، حيث كان من بين ضحايا أول أيام عيد الأضحى خمسة أطفال. فقد أعربت ألمانيا عن «قلقها» إزاء توسع السيطرة العسكرية الإسرائيلية في غزة، لكن إسرائيل لم تتأثر بالانتقادات غير الملزمة. وترى الصحيفة أنه بإمكان الحكومات الأوروبية، التي لا تملك نفوذا يذكر على روسيا، ممارسة ضغط حقيقي على حليف وشريك تجاري. وقالت إنه إذا أراد ترامب أن يذكر كصانع سلام، وهو أمر مستبعد بالنظر إلى سجله، فعليه ضمان امتثال إسرائيل لخطته الخاصة بغزة، وأن يعيش الفلسطينيون بسلام، وأن تبدأ عملية إعادة الإعمار. وإذا كانت أوروبا تؤمن بدعوتها المتكررة إلى النظام القائم على القواعد والأخلاق، فعليها استخدام نفوذها لدى إسرائيل وإنهاء تواطؤها في هذه الجرائم.
لكن ترامب الباحث عن مخرج من إيران لا يفعل الكثير لغزة. وما نشرته صحيفة «فايننشال تايمز» (27/5/206) في تقرير لها قالت فيه إن صندوق مالية مجلس السلام الذي يترأسه ترامب فارغ، والمنظمة عالقة في مأزق قانوني وسياسي يعيق مشاريع إعادة إعمار غزة. ويأتي عدم توفر المال للقيام بالمشاريع البراقة التي أعلن عنها ترامب وصهره جاريد كوشنر رغم وصفه المجلس بأنه من «أهم» المنظمات الدولية التي أُنشئت. فقد تعهدت الدول الأعضاء بتقديم 7 مليارات دولار لحزمة مساعدات غزة التي يقدمها المجلس، ووعد ترامب بتقديم 10 مليارات دولار إضافية من التمويل الأمريكي. لكن بعد أربعة أشهر من تأسيسه، لم يتلق الصندوق المالي للمجلس، الذي أنشأه البنك الدولي، أي أموال من المانحين، وفقا لأربعة مصادر مطلعة. وقال أحدهم: «لم يتم إيداع أي دولار».
وساهمت تبرعات المغرب، التي بلغت نحو 20 مليون دولار، في تمويل مكتب ملادينوف ورواتب اللجنة الفنية الفلسطينية التي شكلها المجلس لإدارة القطاع. كما قدمت الإمارات العربية المتحدة قبل فترة 100 مليون دولار لتدريب قوة شرطة جديدة لغزة، لكن البرنامج لم يبدأ بعد، والأموال مجمدة، وفقا لشخصين مطلعين على الأمر. وكان ترامب قد أطلق المجلس بحفاوة بالغة في كانون الثاني/يناير، ما دفع بعض العواصم الأوروبية إلى التخوف من أن يكون هدفه منافسة الأمم المتحدة. وكانت مهمته الرئيسية الأولى الإشراف على إعادة إعمار غزة بعد عامين من الحرب المدمرة. وفي وقت لاحق، قدم صهره ومستشاره، جاريد كوشنر، نماذج براقة لغزة مستقبلية مدعومة بالذكاء الاصطناعي، مليئة بالأبراج اللامعة ووسائل الراحة الفاخرة. وقدر مسح حديث أجراه الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة والبنك الدولي أن إعادة إعمار غزة ستتطلب أكثر من 70 مليار دولار خلال العقد المقبل.
التطبيع قادم
ووسط تنمر إسرائيل وقادتها يواصل ترامب الترويج لاتفاقيات إبراهيم عام 2020 والتي قال عدد كبير من المحللين أنها ماتت بسبب الهجوم الإسرائيلي-الأمريكي ضد إيران وما تفعله إسرائيل في الضفة وغزة ولبنان وإيران أيضا، وقد عبر الكثير من المسؤولين في المنطقة عن دهشتهم من طرح ترامب الموضوع، ففي تقرير لصحيفة «واشنطن بوست» (25/5/2026) أشارت فيه لدعوة ترامب يوم الإثنين عدة دول ذات أغلبية مسلمة على الانضمام إلى اتفاقيات إبراهيم. وقال ترامب، في منشور على موقع «تروث سوشيال»، إن على السعودية وقطر التوقيع أولا. كما دعا باكستان وتركيا ومصر والأردن للانضمام، على الرغم من اعتراف تركيا بإسرائيل منذ عام 1949، ووجود معاهدتي سلام بين مصر والأردن وإسرائيل، وقعتا عامي 1979 و1994 على التوالي. ولم يستبعد ترامب انضمام إيران هي الأخرى لاتفاقياته. إلا أن المحللين أعربوا عن شكوكهم في موافقة هذه الدول على التوقيع، لا سيما في ظل تصاعد التوترات وسط الصراعات الدائرة في إيران ولبنان وغزة. ولم يستبعدوا أن دعواته هي رد على الانتقادات التي تعرضت لها مساعيه الأخيرة للتوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب في إيران وإعادة فتح مضيق هرمز، بما فيها انتقادات مشرعين من الجمهوريين في الكونغرس. وكتب دان شابيرو، سفير الولايات المتحدة لدى إسرائيل في عهد إدارة أوباما، على منصة إكس، أنه بينما يؤيد توسيع نطاق اتفاقيات إبراهيم في نهاية المطاف، فإن ربط هذا التوسع باتفاق لإنهاء الحرب «أمر معقد وغير واقعي بلا داعٍ»، لا سيما في ظل «الوضع الراهن» للحروب غير المحسومة في قطاع غزة ولبنان وإيران. ويعتقد المراقبون أن تصريحات ترامب المتناقضة ودعواته للتطبيع هي جزء من التشوش الذي يرافق تعامله مع الملف الإيراني. ورأت صحيفة «نيويورك تايمز» (28/5/2026) أن نهج الرئيس ترامب العشوائي في التعامل مع الصراع، بعد ثلاثة أشهر من إعلانه الحرب على إيران، يثير حيرة الحلفاء في الداخل والخارج، إذ يتأرجح بين المفاوضات الدبلوماسية والضربات العسكرية وأفكار تبدو بعيدة المنال. وأضافت انه من المحتمل أن يكون ترامب على وشك تحقيق انفراجة في صورة ما يسميه الجانبان اتفاقا مؤقتا يعيد فتح مضيق هرمز ويبدأ محادثات تفصيلية حول البرنامج النووي الإيراني. ويأتي هذا وسط حيرة في وزارة الدفاع إزاء الطبيعة المتقطعة للصراع. وعلق مسؤول دفاعي رفيع المستوى أن أكثر من 50.000 جندي أمريكي مكلفين بإيران، والمنتشرين في أنحاء الشرق الأوسط وأوروبا والولايات المتحدة، يعيشون حالة من الترقب والانتظار، في ظل تذبذب موقف الرئيس ترامب بين خياراته المختلفة. لكن تقلبات موقف ترامب تجاه إيران بدت في كثير من الأحيان مدفوعة بالمزاج والظروف الراهنة أكثر من أي استراتيجية واضحة. ومما يزيد الأمر تعقيدا، مزاعمه المتكررة بتحقيق تقدم دبلوماسي، والتي تبين لاحقا أنها لا أساس لها من الصحة. وتعكس تحولات ترامب أيضا صراعا سياسيا بين مؤيديه المتشددين الذين يحثونه على تشديد الخناق على إيران، وبين دعاة عدم التدخل، إلى جانب الجمهوريين القلقين من ارتفاع أسعار البنزين وتراجع شعبيته في استطلاعات الرأي الذين يحثونه على إبرام اتفاق سريع. وازداد استياء بعض أعضاء معسكر المؤيدين للحرب بشكل خاص يوم الخميس مع ظهور تفاصيل الاتفاق المؤقت المحتمل. وأكدوا أن ترامب قد يخفف الضغط على إيران لإعادة فتح المضيق بدون الحصول على التزامات إيرانية قاطعة بتسليم موادها النووية ووقف تخصيب اليورانيوم.
ولم تصدر القيادة المركزية بيانا بشأن الضربات التي نُفذت ليلة الأربعاء، في محاولة واضحة لتهدئة المخاوف من تصاعد المناوشات واحتمال تقويضها للمفاوضات.
البحث عن مخرج
ورأت مجلة «ذي أتلانتك» (27/5/2026) أن ترامب رئيس محبط يحاول البحث عن مخرج من حرب اختيارية دخلها بدون أي تخطيط. وأضافت أن الرئيس لا يملك أي شيء لكي يعلن عنه، ليس لأنه لا يريد الخروج من مأزق الحرب ولكن لأن إيران رفضت الاستسلام لسلسلة من التهديدات المتصاعدة والمواعيد النهائية التي وضعها.
وقالت إنه حتى لو تم التوصل إلى اتفاق، فمن المرجح أن يعلن ترامب النصر، وقد فعل ذلك بالفعل عدة مرات، لكن هذا سيكون ادعاء مشكوكا فيه. لقد ازداد المتشددون في إيران جرأة، وحتى لو أُعيد فتح مضيق هرمز، فقد أظهرت طهران قدرتها على إغلاقه فعليا في المستقبل، وعلى أقل تقدير، أصبح النظام أكثر وعيا بالسلاح الاقتصادي الذي يمتلكه. يمنح ذلك إيران نفوذا، حتى مع ادعاء ترامب بأن أي اتفاق نووي سيبرمه سيكون أشد صرامة من اتفاق إدارة أوباما لعام 2015. وقال ترامب للصحافيين في اجتماع مجلس الوزراء: «لم أفعل ذلك لأحصل على اتفاق رديء». وتقول «ذي اتلانتك» إن ترامب كان عليه أن يتحلى بحذر أوباما، وربما هو نادم على هذا الآن، فهو يعود في كل مرة إلى نقطة الصفر في القضايا المهمة كما تقول روبن رايت من مجلة «ذي نيويوركر» (26/5/2026). وأشارت رايت للثمن الذي دفعته أمريكا جراء قراره ضرب إيران، مقارنة مع أوباما، حيث لم تكن الولايات المتحدة مضطرة لشن حرب عسكرية ضد الجمهورية الإسلامية لتحقيق مكاسب كبيرة في برنامجها النووي، رغم أن الدبلوماسية استغرقت عامين من المفاوضات الشاقة في بعض الأحيان. وبالمقارنة كلفت حرب ترامب حتى الآن ما لا يقل عن 28 مليار دولار و13 أمريكيا وآلاف الأرواح من الإيرانيين وإغلاقا مدمرا لمضيق هرمز، وانقطاعا في إمدادات الطاقة العالمية وأزمة اقتصادية أثرت على مئات الملايين من الناس حول العالم، وربما ضررا بالغا بسمعة الولايات المتحدة. وقد لا يحصل ترامب على أكثر بكثير مما تم في الاتفاق الأول، الذي انسحب منه من جانب واحد عام 2018، واصفا إياه بـ«المروع». والفرق واضح بين ما تفعله إيران وأمريكا، فالأولى تتبنى استراتيجية طويلة الأمد، رغم تكبدها خسائر فادحة تشمل اغتيال مرشدها الأعلى وعددا من كبار المسؤولين السياسيين والعسكريين، فضلا عن الأضرار الجسيمة التي لحقت ببنيتها التحتية. أما ترامب، فيتبنى استراتيجية قصيرة الأمد، مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي وتزايد السخط الشعبي على الحرب. بالنسبة له، تتحول عملية «الغضب الملحمي» إلى كارثة ملحمية.
والسبب كما يقول لورنس دي. فريدمان، الأستاذ الفخري لدراسات الحرب في كينغز كوليج بلندن، في مقال بمجلة «فورين أفيرز» (27/5/2026) هو أن حرب ترامب القصيرة ضد إيران أثبتت ان النصر العسكري السريع لا يحل كل المشاكل، وقد لا تكون حربه ضد إيران «أبدية»، إلا أنه يجد الآن صعوبة بالغة في إخراج الولايات المتحدة من صراع لديه أسباب وجيهة للشعور بالندم. ويقول فريدمان إن مناورة ترامب فشلت بالفعل كحرب قصيرة، فلم تحقق عملية «الغضب الملحمي» النصر الذي ادعاه قادتها. وفي هذا الاتجاه، تشترك هذه العملية مع بعض سمات الحروب التي ناقشها الكاتب في مقال سابق حذر فيه من «مغالطة الحرب القصيرة» وهي: الاعتقاد بأن التفوق العسكري والتكنولوجي سيمكن دولة ما من هزيمة عدوها بسرعة ودقة ووحشية في هجوم أولي. وأشار الكاتب فيه إلى أن القوى العظمى «تميل إلى افتراض أن تفوقها العسكري الكبير سيطيح بخصومها بسرعة». وثبت خطأ هذا الافتراض في حرب روسيا ضد أوكرانيا والحرب الحالية ضد إيران. ويعتقد فريدمان أن القوة العسكرية العظمى تغري أصحابها بالاعتقاد بإمكانية إنهاء الصراعات بسهولة وبمصلحة خاصة، لكن هذا نادرا ما يحدث. وقد أثبتت العملية العسكرية الروسية، التي تسمى بـ «العملية الخاصة» لإخضاع أوكرانيا هذه الحقيقة ببراعة.



