مقالات

إشكالية القيادة لدى حماس

إشكالية القيادة لدى حماس

حسين قاسم

تولد أي قيادة فلسطينية، وتولد معها جملة إشكاليّات خاصة تميّزها عن تلك التي تواجهها قيادات حركات التحرّر في العالم. إذ تواجه هذه القيادة تحدّيات موضوعية كبيرة، مثل توزّع الشعب الفلسطيني في أقطار عربية مختلفة الأنظمة (وهذا يتطلّب رسم سياسات مختلفة لتتناسب مع ظروف الفلسطينيين في هذه الأقطار)، ومتصارعة (وهذا يفرض عليها صراعات جانبية واصطفافات غير مرغوبة ويصعُب تحمّل تداعياتها)، ومعظمها يتعامل مع القضية الفلسطينية كعِبْء، لا كقضية تتعلّق بالأمن القومي أو القُطْري باعتبار إسرائيل هي الخطر الأساس (لذلك، غالباً ما يوضع اللوم على الفلسطيني بسبب المشكلات التي تسببها إسرائيل لهذه الأنظمة).

وفي هذه المقالة، سيتم التطرُّق إلى جدلية العلاقة بين ما هو إخواني وما هو فلسطيني، وبين المقاومة والسلطة لدى قيادة «حماس» (ولقد آثرت عدم تناول «طوفان الأقصى» ما دامت الإبادة مستمرة، وكذلك بسبب عدم الحصول على المعلومات الكافية المتعلقة بـ«الطوفان» التي تسمح بتقويمٍ موضوعي).

قيادة «حماس» بين «الإخوان» وفلسطين

تواجه الأحزاب التي تتبنى فكراً عابراً لحدود الدولة، مثل الشيوعي والقومي العربي، استحقاقَ إجادة ضبط العلاقة بين العام والخاص. فإذا كانت لهذه الأحزاب قيادة مركزية تُشرف على الفروع، ترْجَحُ كفة ميزان العلاقة لصالح المركز على حساب الفرع. هكذا كانت العلاقة بين الاتحاد السوفياتي والأحزاب الشيوعية في العالم. في كل الأحوال، العلاقة بين العام والخاص أكثر تعقيداً، فهي جدلية ويمكن للخاص أن يطوّر لنفسه مكانة مميّزة ويصبح تأثيرُه وازناً في حيّز نشاطه، ويمكن أن يحصل تضارب في التوجّهات والمصالح وأن يؤدّي ذلك إلى الانفصال. وبالنسبة إلى «حماس»، أسهم انتماؤها إلى جماعة «الإخوان المسلمين» في نموّها السريع. إذ بالإضافة إلى المؤسسات الدعوية والتربوية والاجتماعية التي كان يملكها فرع «الإخوان» في فلسطين، سخّرت قيادة «الإخوان» العالمية إمكانيّاتها المالية، وما تملكه من مؤسسات وعلاقات في دول الانتشار، لتعزيز المنظمة الناشئة. كما لوحِظ انتقال أعضاء هذه الجماعة الفلسطينيين، المنتمين لفروعها في بلدان مختلفة، إلى «حماس» فور تأسيسها.

ويمكن القول إن «حماس» مرّت بمرحلتين:
– الأولى، إخوانية بامتياز، ويظهر هذا، جليّاً، في ميثاقها (1988) الذي جاء فيه أن «حركة المقاومة الإسلامية جناح من أجنحة الإخوان المسلمين بفلسطين. وحركة الإخوان المسلمين تنظيم عالمي… وتمتاز بالفهم العميق، والتصور الدقيق والشمولية التامة لكل المفاهيم الإسلامية في شتى مجالات الحياة…».

– الثانية، فلسطينية بامتياز، بدأت مع دخول «حماس» مُعترك المنافسة على السلطة الفلسطينية، وذلك بعد أن قرّرَت قيادتها المشاركة في انتخابات المجلس التشريعي في 2006. ولقد كان هذا القرار مفاجئاً لعدد من المراقبين، إذ طُرِح سؤالٌ مشروعٌ حول صواب مشاركة الرافضين لأوسلو في كيانات أفرزتها هذه الاتفاقية. ومع فوز «حماس»، الساحق، في هذه الانتخابات واجهت قيادتها مهمّة صعبة، إن لم تكن مستحيلة.

إذ كيف يمكن إدارة سلطة أوسلو من منطلق معارضتها؟ فالسلطة التي ولدَت وشريان حياتها مرتبطٌ بالاحتلال لا يمكن أن تتغيّر بتغيير مَن يقودها، لأنها تفتقر لأدنى مقوّمات التطوّر الذاتي. والجانب الآخر والأصعب؛ كيف يمكن التوفيق بين هكذا سلطة والمقاومة التي تمثّل النقيض. هذا، وقد ازداد الأمر تعقيداً مع سيطرة «حماس» الكاملة على قطاع غزة، وتشكيلها سلطتها الخاصة بعيداً عن سلطة رام الله، لأنها باتت أمام استحقاق المزاوجة بين السلطة والمقاومة. لا شكّ أن فوز «حماس» بأكثرية مقاعد المجلس التشريعي، يعطيها الحق الرسمي بتشكيل الحكومة، لكن المشكلة في مكان آخر، أي في التوفيق بين النقيضين.

لقد أدّى دخول «حماس» معترك السلطة إلى تغيير ملموس في سياساتها. فلو أجرينا مقارنة سريعة بين ميثاق 1988 ووثيقة المبادئ والسياسات العامة لعام 2017 لوجدنا تحوّلاً كبيراً في المصطلحات والتعابير والمواقف التي ابتعدت عن الصبغة الدينية الفاقعة. ففي الوثيقة عرّفت نفسها أنها «حركة تحرّر ومقاومة وطنية فلسطينية إسلامية، هدفها تحرير فلسطين ومواجهة المشروع الصهيوني، مرجعيَّتها الإسلام في منطلقاتها وأهدافها ووسائلها». ولقد حصل هذا التطوّر من خلال الانخراط الكامل في الشأن الفلسطيني، ممّا حتّم على القيادة القيام بهذه النقلة التي تستجيب للواقع الفلسطيني أكثر، إذ من دون ذلك لن يكون لـ«حماس»، أو لأي جهة سياسية، شأنٌ يُعتَدُّ به.

وفي كلتا الحالتين تبقى «حماس» مزيجاً بين ما هو فلسطيني وما هو إخواني، لكن نِسَب المكوِّنَيْن متغيّرة بحسب الظروف، وكان هذا يتسبّب أحياناً بظهور خلافات أدّت إلى تغييرٍ في قيادة المكتب السياسي (فوز إسماعيل هنية على خالد مشعل برئاسة المكتب السياسي). وقد كانت موجة «الربيع العربي» ـــــ وهو لم يكن ربيعاً ـــــ امتحاناً قاسياً لقيادة «حماس» التي وقفت أمام امتحانٍ صعب. فقد كان عليها أن تختار، بخصوص سوريا، بين انتماءيْن، واحد إخواني والثاني مقاوم. الأوّل يشدّها للاصطفاف مع «الثورة»، والثاني يدفعها لصَوْن تحالفها مع «محور المقاومة» وتطويره.

جدلية السلطة والمقاومة

بانتظار أن تُجري «حماس» تقويماً لتجربة السلطة والمقاومة، أعود إلى مقالة سابقة لي بتاريخ 13-07-2022 بعنوان «قيادة المقاومة الفلسطينية على المحك»، وقد جاء فيها أن «قوى المقاومة تقف أمام تحدٍّ كبير، يمكن تلخيصه بضرورة إيجاد المعادلة «السحرية» التي تجمع بين مهمّتَيْ كلٍّ من السلطة والمقاومة، إذ تتكاملان وتتضافران لتحقيق هدف التحرُّر الكامل». واليوم، لا بد لقوى المقاومة من أن تحسم أمر مشاركتها في السلطة، فالجمع بينهما مستحيل.

فلا يمكن بناء سلطة وطنية، أو مقاوِمة، في ظلّ أوسلو، ما دام ليس هناك ظهيرٌ مساند، أو على الأقل، غير مرتبطٍ مع العدو باتفاقيّات مثل كامب ديفيد ووادي عربة. في هذه الظروف، تشكّل السلطة قيداً خانقاً للمقاومة، لأنها تتطلّب مراعاة الإطار العام للسياسة الدولية والإقليمية، وشروط التمويل، والشؤون التجارية والاقتصادية، ومتطلّبات الحياة على اختلافها، ومعظم هذه الأشياء لا يمكن توفيرها من دون رضى الدول المحيطة، والعدو أيضاً. وقد لا يختلف اثنان على أن هكذا سلطة تمثّلُ كابحاً للمقاومة إن لم تكن قاتلاً لها. والخلاصة، أن السلطة والمقاومة في الحالة الفلسطينية، في الظروف السابقة والحالية، لا يمكن أن تجتمعا في إطار واحد. فالسلطة بلا سلطات، وهي خادمٌ لبرنامج الأعداء، والمقاومة نقيض لها. المقاومة حقٌ وواجب، ولا بد من الابتعاد عمّا يكبحها أو يعطّلها.

وأخيراً وليس آخراً، قيادة «حماس»، مثلها مثل أي قيادة فلسطينية، أمام مفترق طرق. فبعد «طوفان الأقصى»، والإبادة وما خلّفته من دمار في البشر والحجر، واستناداً إلى تجربة الثورة الفلسطينية على مدى 60 عاماً، عليها أن تقوم بتقويمٍ موضوعي لمسارها، كخطوة ضرورية لتطوير حركة التحرير الفلسطينية بما يتناسب مع الدروس المستفادة.
* كاتب وباحث فلسطيني

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب