مقالات

إعادة بناء الفعل الفلسفي العربي. بقلم زكريا نمر -السودان 

بقلم زكريا نمر -السودان 

إعادة بناء الفعل الفلسفي العربي.
بقلم زكريا نمر -السودان 
ليس كافيا أن نصف أزمة الفكر الفلسفي العربي بأنها عقدة نقص، لأن هذا الوصف، رغم شيوعه، يبقى سطحيا إذا لم نغص في البنية العميقة التي أنتجته. نحن لا نتعامل فقط مع شعور بالدونية تجاه الغرب، بل مع نمط إدراكي ترسخ عبر الزمن، جعل من الفلسفة فعلا مستوردا، ومن التفكير نشاطا تابعاً، ومن المفاهيم أدوات جاهزة للاستهلاك لا للإنتاج. لذلك، لا ينبغي أن يكون السؤال لماذا نتأثر بالفكر الغربي، بل لماذا أصبحنا عاجزين عن التفكير إلا من خلاله أو في مواجهته.هذا الوضع يكشف خللا بنيويا في موقعنا داخل الخريطة المعرفية العالمية. فالعقل العربي، في كثير من تجلياته المعاصرة، لا يمارس الفلسفة بوصفها إنتاجا للمفاهيم، بل بوصفها تداولا لها. هناك فرق جوهري بين من يفكر ومن يعيد صياغة ما فكر فيه غيره. وفي هذا الفرق تتحدد قيمة أي مشروع فلسفي. ما نعيشه اليوم هو فائض في الشرح وقصور في الابتكار، اتساع في الاقتباس وضيق في التأسيس.
يتحرك الفكر العربي داخل ثنائية مريحة لكنها معيقة: إما انبهار غير نقدي بالمركزية الغربية، أو رفض انفعالي لها. في الحالة الاولى، يتحول المثقف إلى وسيط ثقافي ينقل المفاهيم دون أن يعيد إنتاجها، فيصبح الخطاب مشبعا بالمصطلحات لكنه فارغا من الروح. وفي الحالة الثانية، يتحول النقد إلى مجرد موقف أيديولوجي، يكتفي بإدانة الغرب دون أن يقدم بديلا معرفيا متماسكا. كلا المسارين يؤديان إلى النتيجة نفسها: غياب الفعل الفلسفي الحقيقي.لكن من الضروري أيضا أن نكون منصفين في النقد. الفلسفة الغربية ليست كيانا واحدا متجانسا، ولا يمكن اختزالها في بعدها السياسي أو الاستعماري. هي فضاء متعدد، مليء بالتناقضات والصراعات الداخلية، وقد أنتجت أدوات تحليلية هائلة لفهم السلطة والمعرفة واللغة والذات. المشكلة ليست في هذه الفلسفات بحد ذاتها، بل في كيفية تلقيها لدينا. نحن غالبا ما نستهلكها كحقائق مكتملة، أو نرفضها ككتلة واحدة، دون أن نخضعها لعملية تفكيك وإعادة تركيب.يقع بعض الخطاب العربي في وهم معاكس، يتمثل في الدعوة إلى استعادة فلسفة عربية اصيلة. هذا الطرح يبدو جذابا، لكنه يخفي تبسيطا خطيرا. الفلسفة ليست ملكية ثقافية يمكن استعادتها كما هي، بل هي نشاط تاريخي يتغير بتغير الأسئلة والسياقات. العودة إلى التراث دون مساءلة نقدية لا تنتج فلسفة، بل تعيد إنتاج خطاب تقليدي قد يكون عاجزا عن التعامل مع تعقيدات الحاضر.
الأزمة إذن ليست فقط في التبعية، بل في غياب الفعل النقدي الحقيقي. نحن نقرأ كثيرا، لكننا لا نسائل بما يكفي. نستهلك المفاهيم، لكننا لا نختبر حدودها. نستخدم المصطلحات، لكننا لا نعيد تعريفها انطلاقا من واقعنا. هذا ما يجعل الفكر العربي يبدو نشطا على مستوى اللغة، لكنه محدود على مستوى الإبداع الأخطر من ذلك هو الخلط بين الفلسفة والأخلاق. كثير من الخطابات تتوقع من الفلسفة أن تكون حارسة للقيم الإنسانية، وتدينها حين تفشل في ذلك. لكن الفلسفة، في جوهرها، ليست خطابا أخلاقيا بسيطا، بل أداة لتحليل القيم نفسها. هي لا تقدم إجابات جاهزة، بل تطرح أسئلة مزعجة. حين نطالبها بأن تكون منحازة أخلاقيا بشكل مباشر، فإننا نحولها إلى أيديولوجيا، ونفقدها قدرتها النقدية.مع ذلك، لا يمكن إنكار أن الفكر الغربي ارتبط في مراحل كثيرة بمشاريع هيمنة، وأن مفاهيم مثل الحداثة والعقلانية استعملت لتبرير السيطرة. لكن التعامل مع هذه الحقيقة لا يكون بالرفض، بل بالتفكيك. يجب أن نسأل كيف تشكلت هذه المفاهيم، ما حدودها، وما الذي يمكن إعادة استخدامه منها في سياق مختلف. الرفض السهل لا ينتج معرفة، بل يعمق العزلة.
إن الخروج من هذه الدائرة، فلا بد من إعادة تأسيس جذرية. البداية تكون بتحرير الفلسفة من وظيفتها الدعائية. لا يجب أن تكون أداة للدفاع عن الهوية، ولا وسيلة للهجوم على الآخر. الفلسفة الحقيقية تبدأ حين نسمح لأنفسنا بطرح أسئلة لا تخدم أي خطاب جاهز، بل تكشف تناقضاته.ثم تأتي ضرورة إعادة بناء العلاقة مع الفكر العالمي على أساس نقدي. أي أن نتعامل معه كمادة خام، لا كمرجعية نهائية. هذا يتطلب امتلاك أدوات تحليلية حقيقية، لا مجرد معرفة بالمصطلحات. يجب أن نفهم السياقات التي نشأت فيها الأفكار، وأن نعيد صياغتها بما يتناسب مع واقعنا، لا أن ننقلها كما هي.لكن كل ذلك يبقى نظريا ما لم تتوفر شروط الإنتاج. الفلسفة لا تنشأ في الفراغ، بل تحتاج إلى بيئة حاضنة. حرية التفكير، استقلال المؤسسات الأكاديمية، وجود فضاء للنقاش، كلها شروط أساسية. بدونها، سيظل التفكير محصورا في جهود فردية، غير قادرة على التحول إلى تيار مؤثر.هناك أيضا حاجة ملحة لتجاوز النزعة النصية التي تهيمن على الفكر العربي. الانشغال بتفسير النصوص، سواء كانت تراثية أو غربية، يجب أن يتحول إلى إنتاج مفاهيم جديدة. الفيلسوف لا يقاس بقدرته على الشرح، بل بقدرته على الإضافة. هذه النقلة هي جوهر أي نهضة فكرية.
كما يجب إعادة ربط الفلسفة بالواقع. لا معنى لفلسفة معزولة عن قضايا المجتمع. الأسئلة المتعلقة بالسلطة، العدالة، الهوية، الاقتصاد، والتقنية، ليست قضايا ثانوية، بل هي قلب الفعل الفلسفي. حين تنخرط الفلسفة في هذه القضايا، تصبح ضرورة، لا ترفا.ومن جهة أخرى، ينبغي إعادة التفكير في مفهوم الانسانية نفسه. بدلا من استخدامه كشعار، يجب تفكيكه بوصفه مفهوما تاريخيا. هذا يسمح بإنتاج تصور جديد للإنسان، لا يقوم على استنساخ نماذج جاهزة، بل على فهم التجربة المحلية في تفاعلها مع العالم.إضافة إلى ذلك، نحن بحاجة إلى ما يمكن تسميته ببناء السيادة المفهومية. أي القدرة على إنتاج مفاهيم من داخل التجربة الخاصة، لا الاكتفاء باستعارة المفاهيم الجاهزة. هذا لا يعني الانغلاق، بل يعني المشاركة الفعلية في إنتاج المعرفة العالمية. لا يمكن لأي فكر أن يكون فاعلا إذا ظل يعتمد بالكامل على أدوات غيره.
كما أن إدخال الفلسفة في التعليم بشكل جدي يمثل خطوة أساسية. ليس بوصفها مادة للحفظ، بل كتمرين على التفكير. تعليم الفلسفة يجب أن يركز على السؤال، لا الجواب، وعلى النقد، لا التلقين. بدون ذلك، سنستمر في إنتاج أجيال تعرف المصطلحات لكنها لا تفكر.ومن الحلول أيضا تشجيع الكتابة الفلسفية الحرة خارج الأطر الأكاديمية التقليدية. كثير من الأفكار تموت داخل المؤسسات لأنها تخضع لشروط بيروقراطية أو أيديولوجية. فتح المجال للنشر والنقاش يمكن أن يخلق دينامية جديدة.ولا بد كذلك من بناء جسور بين الفلسفة والعلوم الأخرى. الفلسفة لا تعيش بمعزل عن العلم أو الاقتصاد أو السياسة. كلما انفتحت على هذه المجالات، ازدادت قدرتها على التأثير. العزلة النظرية هي أحد أسباب ضعفها.
لا يمكن تجاوز المركزية الغربية بمجرد رفضها، ولا يمكن تجاوز عقدة النقص بمجرد إنكارها. الحل يكمن في إعادة تعريف موقعنا داخل الفعل المعرفي. يجب أن ننتقل من موقع المستهلك إلى موقع المنتج، من التبعية إلى المشاركة، من رد الفعل إلى الفعل.الصدق يفرض الاعتراف بأننا لم نصل بعد إلى مرحلة الإنتاج الفلسفي المؤثر. لكن هذا الاعتراف ليس دعوة لليأس، بل شرط للبداية. الفلسفة لا تولد من الشعارات، بل من الممارسة. وحين تبدأ هذه الممارسة، لن يكون السؤال من أين تأتي الفلسفة، بل ماذا تضيف.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب