مقالات

العوالق المؤذية

العوالق المؤذية
محمود الجاف

في الطبيعة توجد كائنات تلتصق بأجساد احياء أخرى، تعيش عليها وتتغذى من طاقتها، وقد لا تقتلها مباشرة، لكنها تضعفها وتستنزفها مع مرور الوقت. والخطر الحقيقي فيها أنها قد تبقى ملتصقة فترة طويلة حتى يعتاد من يحملها على وجودها. وفي حياتنا توجد عوالق من نوع آخر؛ قد لا تُرى بالعين المجردة، لكنها يمكن ان تكون أشد أثرًا من أي طفيليات جسدية. إنها أفكار، وعلاقات، وقرارات، وارتباطات تستنزف النفس والعقل والروح، وتمنع الإنسان من أن يعيش حياته بكامل طاقته وطمأنينته .
ولهذا أسميتها: العوالق المؤذية.
ما هي العوالق؟

العوالق : هي كل شيء يلتصق بحياة الإنسان ويستمر في استنزافه دون أن يضيف إليها قيمة حقيقية. قد تكون شخصًا، أو فكرة، أو ذكرى، أو قرارًا قديمًا، أو شعورًا بالذنب، أو عادةً سيئة، أو التزامًا لم يعد له معنى. والقاسم المشترك بين جميع العوالق أنها تبقى معنا ليس لأنها نافعة، بل لأننا اعتدنا وجودها، أو خفنا من التخلص منها، أو أقنعنا أنفسنا بأنها جزء من حياتنا لا يمكن الاستغناء عنه.

كيف تتحول العوالق إلى مصدر للألم؟
كثير من الناس يظنون أن الألم يأتي من الأحداث الكبيرة فقط، لكن الحقيقة أن بعض أشد أنواع المعاناة تأتي من الاستنزاف البطيء والمستمر. فالعلاقة السامة لا تدمر الإنسان في يوم واحد، بل تسرق راحته يومًا بعد يوم. والقرار الخاطئ الذي يرفض صاحبه مراجعته لا يؤذيه مرة واحدة، بل يبقيه أسيرًا لمسار يعلم في داخله أنه لم يعد مناسبًا له. وكذلك الأفكار السلبية والذكريات المؤلمة التي نستمر في حملها رغم انتهاء زمنها، فإنها تظل تستهلك جزءًا من طاقتنا النفسية في كل يوم. ومع مرور الوقت تتحول هذه العوالق إلى أعباء خفية، يعيش الإنسان معها حتى يظن أنها جزء من شخصيته، بينما هي في الحقيقة مجرد أشياء التصقت به ولم يجرؤ على التخلص منها.

لماذا نتمسك بالعوالق؟
لأن الإنسان لا يخاف الألم فقط، بل يخاف التغيير أيضًا. ولهذا أحيانًا نستمر في علاقة مؤذية لأننا نخشى الوحدة. أو قد نتمسك بقرار خاطئ لأننا لا نريد الاعتراف بأننا أخطأنا. ويمكن ان نبقى أوفياء لأفكار تجاوزها الزمن لأن التخلي عنها يتطلب شجاعة فكرية. أو لان المألوف، مهما كان مؤلمًا، يبدو أحيانًا أكثر أمانًا من المجهول. ولهذا تبقى العوالق في حياتنا سنوات طويلة، لا لأنها قوية، بل لأننا لم نتخذ قرار مواجهتها.

المراجعة الدورية للحياة
كما يحتاج الإنسان إلى فحص صحته الجسدية بين حين وآخر، فإنه يحتاج أيضًا إلى فحص حياته النفسية والفكرية. ولهذا ينبغي أن يتوقف من وقت لآخر ويسأل نفسه:

ما الذي يضيف قيمة حقيقية إلى حياتي؟
وما الذي يستنزفني دون فائدة؟
ما الذي أحمله لأنه نافع؟
وما الذي أحمله فقط لأنني اعتدت حمله؟

هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف له عوالق لم يكن يدرك وجودها.
الحل الأسلم: شجاعة الإزالة
ليس كل ما بدأناه يجب أن نستمر فيه. وليس كل ما ارتبطنا به يجب أن نبقيه معنا إلى الأبد. فبعض أبواب الراحة لا تُفتح بإضافة شيء جديد إلى حياتنا، بل بإزالة ما لم يعد ينبغي أن يبقى فيها. قد يكون الحل في إنهاء علاقة مؤذية، أو مراجعة قرار قديم، أو التخلي عن فكرة استهلكت عمرها، أو التصالح مع خطأ مضى وانتهى. إن التخلص من العوالق ليس خسارة، بل تحرير للطاقة التي كانت محتجزة داخلها.

كثير من الناس يبحثون عن السعادة بإضافة المزيد إلى حياتهم؛ المزيد من المال، أو العلاقات، أو الإنجازات. لكنهم يغفلون عن حقيقة بسيطة:

أحيانًا لا نحتاج إلى إضافة شيء جديد، بل إلى إزالة ما يثقلنا .
فليست المشكلة دائمًا في ما ينقصنا، بل في ما يلتصق بنا. وكلما تحرر الإنسان من عوالقه المؤذية، استعاد شيئًا من صفائه، وشيئًا من قوته، وشيئًا من نفسه التي أثقلتها الأشياء التي كان ينبغي أن يغادرها منذ زمن.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب