إلغاء أوسلو في الكنيست الإسرائيلي: هل تدخل المنطقة مرحلة ما بعد الاتفاقات؟

إلغاء أوسلو في الكنيست الإسرائيلي: هل تدخل المنطقة مرحلة ما بعد الاتفاقات؟
بقلم رئيس التحرير
أعاد طرح مشروع قانون أمام الكنيست الإسرائيلي لإلغاء اتفاق أوسلو إلى الواجهة واحدًا من أكثر الملفات حساسية في الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، لما يحمله هذا الطرح من أبعاد سياسية وقانونية واستراتيجية تتجاوز حدود السجال الحزبي الداخلي في إسرائيل، وتمس مستقبل العلاقة القائمة منذ أكثر من ثلاثة عقود، كما تثير تساؤلات جوهرية حول مآلات المرحلة المقبلة في الأراضي الفلسطينية والمنطقة.
فمنذ توقيع اتفاق أوسلو عام 1993، تشكلت بنية سياسية وإدارية جديدة قامت على الاعتراف المتبادل، وإنشاء السلطة الوطنية الفلسطينية، وتقسيم الضفة الغربية إلى مناطق مختلفة الصلاحيات، إلى جانب ترتيبات أمنية واقتصادية وإدارية كان يفترض أن تقود خلال مرحلة انتقالية إلى تسوية نهائية. إلا أن تلك المرحلة امتدت سنوات طويلة دون الوصول إلى حل دائم، في ظل تعثر المفاوضات، وتصاعد الاستيطان، وتراجع الثقة بين الطرفين.
أولًا: ماذا يعني إلغاء أوسلو من الناحية العملية؟
إذا ما أقر الكنيست الإسرائيلي قانونًا بإلغاء الاتفاق، فإن ذلك يعني سياسيًا نسف الإطار الذي نظم العلاقة الفلسطينية–الإسرائيلية منذ التسعينيات، ويطرح أسئلة مباشرة حول مستقبل السلطة الفلسطينية، وطبيعة الإدارة المدنية في الضفة الغربية، وآليات التنسيق القائمة.
كما أن هذه الخطوة ستُفسَّر باعتبارها انتقالًا رسميًا من مرحلة الاتفاقات الثنائية إلى مرحلة الإجراءات الأحادية، بما قد يؤدي إلى مزيد من التوتر وعدم الاستقرار.
ثانيًا: المسؤولية القانونية لإسرائيل
من منظور القانون الدولي، فإن الأراضي الفلسطينية ما زالت تُعد أراضي محتلة وفق قرارات الأمم المتحدة واتفاقيات جنيف ذات الصلة، وبالتالي فإن أي تراجع عن الاتفاقات السابقة لا يعفي إسرائيل من مسؤولياتها القانونية تجاه السكان المدنيين.
وفي حال تقويض دور السلطة الفلسطينية أو إضعافه، فإن إسرائيل قد تجد نفسها أمام مسؤوليات مباشرة تشمل:–
إدارة الخدمات المدنية الأساسية ، الصحة والتعليم ، البنية التحتية والمرافق العامة ، حرية الحركة والتجارة ، حفظ الأمن والنظام العام ، وهو ما يعني أعباء مالية وإدارية وأمنية كبيرة، كانت قد جرى تخفيفها خلال العقود الماضية بفعل الترتيبات القائمة.
ثالثًا: التداعيات على الفلسطينيين
أي انهيار أو تعطيل للبنية الحالية ستكون له انعكاسات مباشرة على الحياة اليومية للفلسطينيين، سواء في ملف الرواتب والخدمات أو الاقتصاد أو الحركة والتنقل.
وفي المقابل، قد يدفع ذلك نحو مراجعة فلسطينية شاملة لمسار المرحلة السابقة، وإعادة بناء استراتيجية وطنية موحدة تستند إلى المتغيرات الجديدة، وتعيد الاعتبار للمشروع الوطني الفلسطيني على أسس أكثر صلابة وواقعية.
رابعًا: الحسابات الإسرائيلية الداخلية
لا يمكن فصل مشروع القانون عن طبيعة الائتلاف الحاكم في إسرائيل، حيث تمارس قوى اليمين القومي والديني ضغوطًا متزايدة لإسقاط أي مرجعية سياسية تقوم على حل الدولتين، والعمل على تكريس وقائع الضم والتوسع الاستيطاني.
إلا أن الانتقال من الشعارات السياسية إلى التطبيق العملي يحمل تحديات جدية، من بينها: – تصاعد الاحتكاك الميداني
ارتفاع الكلفة الأمنية والعسكرية ،اتساع دائرة الانتقادات الدولية ، تعقيد العلاقات مع الحلفاء الغربيين ، إضعاف فرص أي تسوية مستقبلية .
خامسًا: الأردن والمنطقة أمام تحديات إضافية
الأردن، بحكم الجغرافيا والدور التاريخي والسياسي، يتأثر مباشرة بأي تحول في مسار القضية الفلسطينية. فالمساس بالاتفاقات القائمة أو الدفع نحو فراغ سياسي وأمني في الضفة الغربية ستكون له انعكاسات على الأمن الإقليمي، وعلى فرص الاستقرار، وعلى مستقبل حل الدولتين الذي يشكل ركيزة أساسية في الموقف الأردني الرسمي.
كما أن أي خطوات أحادية من شأنها زيادة منسوب التوتر في المنطقة، في وقت تحتاج فيه دول الإقليم إلى التهدئة ومعالجة الأزمات الاقتصادية والأمنية المتراكمة.
سادسًا: الخلاصة الاستراتيجية
إلغاء اتفاق أوسلو، إن تم، لن يكون مجرد تعديل تشريعي داخلي في إسرائيل، بل تطورًا سياسيًا كبيرًا يعلن عمليًا انتهاء مرحلة امتدت أكثر من ثلاثين عامًا دون الوصول إلى سلام عادل وشامل.
غير أن إنهاء الاتفاقات لا يعني إنهاء الصراع، بل قد يعيد الأمور إلى مربع أكثر تعقيدًا، حيث تبرز من جديد الأسئلة المرتبطة بالاحتلال، والحقوق الوطنية الفلسطينية، ومستقبل الأمن والاستقرار في المنطقة.
إن السلام الحقيقي لا يصنعه إلغاء الاتفاقات ولا فرض الوقائع بالقوة، بل يصنعه الالتزام بالقانون الدولي، واحترام الحقوق المشروعة، والانخراط في عملية سياسية جادة تفضي إلى تسوية عادلة تضمن الأمن للجميع، وتفتح الباب أمام شرق أوسط أكثر استقرارًا وتعاونًا.



