إيران تحت نيران العدوان الاميركي الاسرائيلي : لماذا تكتفي روسيا والصين بـ”دبلوماسية الهاتف”؟

إيران تحت نيران العدوان الاميركي الاسرائيلي : لماذا تكتفي روسيا والصين بـ”دبلوماسية الهاتف”؟
دخل العدوان الإسرائيلي الأمريكي الواسع على الأراضي الإيرانية يومه الثالث، وسط موجات متتالية من الغارات الجوية التي استهدفت مواقع استراتيجية وحيوية. وقد أحدثت هذه الهجمات هزة كبرى في هيكلية النظام الإيراني عقب تأكيد اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي وعدد من أفراد عائلته وكبار المسؤولين في الدولة.
في المقابل، لم تقف طهران مكتوفة الأيدي، حيث شنت هجمات صاروخية طالت قلب مدينة تل أبيب والقواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في دول الخليج. كما امتدت الردود الإيرانية لتشمل استهداف منشآت نفطية حيوية وإعلان إغلاق مضيق هرمز أمام حركة السفن، مما هدد استقرار إمدادات الطاقة العالمية.
وسط هذا التصعيد غير المسبوق، برز موقف الحلفاء المقربين لإيران، روسيا والصين، بصورة أثارت تساؤلات حول جدوى التحالفات الاستراتيجية. فقد اكتفت موسكو وبكين بإصدار بيانات التنديد والشجب، مع التركيز على التحركات الدبلوماسية والاتصالات الهاتفية دون اتخاذ أي خطوات عسكرية ملموسة على الأرض.
من جانبه، وصف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين اغتيال خامنئي بأنه ‘جريمة قتل مغرضة’، محذراً من دفع الشرق الأوسط نحو دوامة تصعيد لا يمكن السيطرة عليها. ورغم هذه النبرة الحادة، أكد الكرملين أن روسيا تكتفي حالياً بتحليل الوضع واستخلاص الاستنتاجات السياسية من الضربات الأمريكية.
أما الموقف الصيني، فقد جاء متسقاً مع سياسة بكين التقليدية التي تعارض استخدام القوة في العلاقات الدولية وتدعو للحوار. وأعربت الخارجية الصينية عن قلقها البالغ إزاء اتساع رقعة الصراع، معتبرة أن الهجمات على سيادة إيران تمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي والمواثيق الأممية.
ويرى مراقبون أن إيران باتت تختبر اليوم ‘معنى الشراكة’ مع القوى الكبرى، تماماً كما حدث سابقاً مع أنظمة في سوريا وفنزويلا. ويبدو أن الشراكة مع موسكو وبكين لها حدود مرسومة بدقة، حيث تُعطي هذه الدول الأولوية لمصالحها الوطنية العليا على حساب الانخراط في حروب الآخرين.
الواقع الميداني كشف أن معاهدة الشراكة الاستراتيجية الموقعة بين موسكو وطهران في أبريل 2025 تفتقر إلى بند ‘الدفاع المشترك’. وهذا يعني أن روسيا، التي تعتمد على المسيرات الإيرانية في حربها بأوكرانيا، ليست ملزمة قانونياً أو سياسياً بخوض مواجهة عسكرية مباشرة للدفاع عن طهران.
الصين بدورها تضع أمن الطاقة واقتصادها العالمي فوق أي اعتبار آخر، خاصة وأن مضيق هرمز يمثل شريان الحياة لوارداتها النفطية. فأي اضطراب طويل الأمد في المنطقة سيؤدي إلى تداعيات كارثية على النمو الاقتصادي الصيني، وهو ما تسعى بكين لتجنبه عبر الضغط الدبلوماسي الهادئ.
ورغم هذا التحفظ، برز دور ‘معلوماتي’ لافت للصين من خلال نشر صور فضائية عالية الدقة كشفت تحركات القوات الأمريكية في المنطقة. واعتبر محللون أن هذه الخطوة قد تكون رسالة استخباراتية لواشنطن لإثبات الحضور الصيني، أكثر من كونها دعماً عسكرياً فعلياً للمجهود الحربي الإيراني.
التقارير تشير أيضاً إلى أن إيران تقترب من وضع اللمسات الأخيرة على صفقة شراء صواريخ كروز صينية متطورة مضادة للسفن. هذه الصفقة إن تمت، قد تمنح طهران قدرات دفاعية نوعية، لكنها تظل ضمن إطار الصفقات التجارية العسكرية ولا ترتقي لمستوى التحالف الدفاعي الكامل.
في نهاية المطاف، يبدو أن مفهوم ‘العالم متعدد الأقطاب’ لا يزال مجرد منظومة خطابية تستخدمها روسيا والصين لمواجهة الهيمنة الأمريكية. وعندما تصل الأمور إلى حافة المواجهة الوجودية، يكتشف الحلفاء أن الحسابات الجيوسياسية تُبنى على الربح والخسارة وليس على الوعود الأيديولوجية.
تواجه إيران اليوم قدرها وحيدة في مواجهة آلة الحرب الإسرائيلية الأمريكية، بينما يراقب الحلفاء المشهد من بعيد بانتظار ما ستسفر عنه النتائج. وتثبت هذه الأزمة أن المصالح الوطنية تظل المحرك الوحيد للدول الكبرى، بعيداً عن شعارات التضامن والتحالفات الاستراتيجية الورقية.



