إيران متمسّكة بسيادتها على «هرمز» | واشنطن ــ طهران: مفاوضات بالنار

إيران متمسّكة بسيادتها على «هرمز» | واشنطن ــ طهران: مفاوضات بالنار
لم يكد يجفّ حبر التفاهم الإيراني – الأميركي، حتى عادت نيران المواجهات العسكرية لتشتعل مجدداً في مضيق هرمز؛ وهو تطوّرٌ، إذا ما أضيف إلى استمرار العدوان الإسرائيلي على لبنان، يضع ديمومة هذا التفاهم أمام تحدٍّ جدي.
طهران | لم يكد يجفّ حبر التفاهم الإيراني – الأميركي، حتى عادت نيران المواجهات العسكرية لتشتعل مجدداً في مضيق هرمز؛ وهو تطوّرٌ، إذا ما أضيف إلى استمرار العدوان الإسرائيلي على لبنان، يضع ديمومة هذا التفاهم أمام تحدٍّ جدي. فبعد عشرة أيام فقط على توقيع الوثيقة المكوّنة من 14 بنداً، جاءت الهجمات بالمسيّرات على السفن التجارية، واستهداف المنشآت العسكرية الإيرانية والقواعد الأميركية في المنطقة، وتهديدات الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الصريحة بـ«تدمير» إيران، لتكشف عن فجوة سحيقة بين النصوص المكتوبة، والواقع الميداني المتفجّر.
وتُظهر هذه المواجهات، التي تتجذّر في الغموض البنيوي للبند الخامس والخلاف على السيادة في هذا الممرّ الحيوي للطاقة عالمياً، أن أيّ تفاهم يفتقر إلى آليات تنفيذية واضحة، لا يعدو كونه حبراً على ورق؛ بل هو أقرب إلى أن يكون فتيل صواعق لتوتّرات جديدة، بدلاً من أن يكون صانعاً للسلام. وكانت توالت مؤشرات عودة التوتر إلى مضيق هرمز سريعاً؛ إذ لم يمرّ سوى يومَين على نشر نص التفاهم الإيراني – الأميركي، في 20 حزيران، حتى أعلنت إيران عزمها إغلاق المضيق، مستندةً في ذلك إلى استمرار العدوان الإسرائيلي على لبنان، وما اعتبرته عدم التزام أميركي بتعهّدات البند الأول من التفاهم. وفي حينه، سارعت واشنطن إلى تأكيد عدم وجود «أيّ شواهد على إغلاق المضيق».
غير أن التصعيد سرعان ما بدأ يبلغ ذروته بدءاً من الخميس الماضي، حين تعرّضت سفينة تجارية ترفع علم سنغافورة، تُسمّى «أور لاوالي»، لهجوم بطائرة مسيّرة قرب «هرمز»، ليُسارع الجانب الأميركي إلى توجيه أصابع الاتهام إلى إيران. وفي ردّ فعلٍ تصعيدي، وصف ترامب العملية بأنها «خرقٌ أحمق لاتفاق وقف إطلاق النار»، ليعقب ذلك قيام الجيش الأميركي، في اليوم التالي، باستهداف منشآت صاروخية ومسيّرة ورادارات ساحلية إيرانية في ميناء سيريك جنوبي البلاد، في أوّل عدوان عسكري أميركي مباشر على الأراضي الإيرانية منذ توقيع التفاهم.
ولم تتوقّف الاشتباكات عند هذا الحدّ؛ إذ ردّت إيران، أول من أمس، باستهداف مقر القوة البحرية الأميركية في البحرين بالطائرات المسيّرة، تزامناً مع إصابة ناقلة النفط «أم تي كيكو» في مضيق هرمز بمقذوف مجهول. وتدحرجت كرة النار، إثر تلك التطورات، سريعاً، لتعلن «القيادة المركزية الأميركية» أنها نفّذت، فجر أمس، هجمات انتقامية طاولت برج اتصالات في سيريك، ومواقع أخرى في جزيرة قشم وميناء لنجة. وفي المقابل، أعلن «الحرس الثوري الإيراني» أن قواته استهدفت، ردّاً على هذه الغارات، مواقع تابعة للجيش الأميركي في قاعدة علي السالم في الكويت، ومقرّ الأسطول الخامس في البحرين، باستخدام صواريخ باليستية ومسيّرات. وفي خضمّ التصعيد المتجدّد، هدّد ترامب، عبر منصته الرقمية، بأنه لن يتوانى عن استخدام القوة العسكرية إذا اقتضت الضرورة، ملوّحاً بأن «الجمهورية الإسلامية لن تعود موجودة» في حال حدوث ذلك.
افتقار التفاهم إلى آليات تنفيذية واضحة يجعله فتيل صواعق لتوترات جديدة، بدلاً من أن يكون صانعاً للسلام
ويكمن جوهر النزاع بين طهران وواشنطن في معضلة السيطرة على مضيق هرمز وإدارته بعد الحرب. فإيران، التي تفرض سيطرتها الفعلية على الممرّ المائي منذ 28 شباط، تسعى اليوم، مستندةً إلى «تفاهم إسلام آباد»، إلى ترسيخ هذه السيطرة وتثبيت نظام الملاحة الذي ترتئيه. وفي المقابل، وبما أن التفاهم المذكور ليس سوى وثيقة مبادئ عامّة تفتقر إلى الآليات الإجرائية، فقد فُتح الباب أمام تأويلات متضاربة؛ وهو ما أدى إلى تمسّك كل طرف بقراءته الخاصة للنصوص، وصولاً إلى طريق مسدود لا يبدو أن ثمّة مخرجاً منه سوى الخيار العسكري.
وتتمسّك إيران بحقها، بصفتها دولة مشاطئة، في تحصيل رسوم الملاحة وتحديد المسارات في مضيق هرمز؛ وهي أعلنت أن عبور السفن هناك مقتصر حصراً على المسار الشمالي (المحاذي للسواحل الإيرانية)، معتبرة أيّ مسار آخر أمراً «غير مقبول» و«بالغ الخطورة». في المقابل، شدّدت الولايات المتحدة ودول الخليج الستّ، في بيان مشترك، على ضرورة ضمان «العبور الحرّ، غير المشروط، ومن دون عوائق»، رافضة أيّ رسوم أو «محاولات لفرض السيطرة».
مع ذلك، يبدو أن الصدامات الأخيرة، رغم خطورتها، تظلّ ضمن سقف التصعيد «المضبوط»، ولا تشي بالضرورة بالعودة إلى حرب شاملة. إذ تسعى واشنطن، عبر هذه الضربات، إلى فرض «ردع محدود» والحؤول دون تقويض موقفها في المفاوضات المرتقبة؛ بينما تحاول طهران استخدام ورقة «هرمز» لتعزيز أوراق ضغطها في محادثات الـ60 يوماً. لكن الثابت في هذا المشهد، هو أن الاتفاق الورقي، في غياب آليات تنفيذية واضحة، بات عرضة للتآكل السريع. ففي حين دخل الطرفان، منذ الأسبوع الماضي، في مفاوضات للوصول إلى اتفاق نهائي، تأتي كلّ ضربة عسكرية جديدة لتنسف ما تبقّى من ثقة متبادلة، وهو ما يزيد مسار الحل تعقيداً وصعوبة.
وفي هذا السياق، نقلت صحيفة «وول ستريت جورنال» عن مصادر القول إن «محادثات كانت مقرّرة الأسبوع الجاري بين واشنطن وطهران في سويسرا توقّفت بسبب تجدّد القتال».
لكن مسؤولاً أميركياً قال لصحيفة «نيويورك تايمز» أكد أن «المحادثات التقنية مع إيران لا تزال مقررة خلال الأيام المقبلة. ولم تُلغَ أي محادثات رغم الضربات».
وترافق ذلك مع تصريحات لترامب قال فيها إنه «قد تأتي نقطة لن نكون قادرين فيها على التصرّف بعقلانية وسنُجبَر على إكمال المهمة عسكرياً»، وإنه «لن يكون لجمهورية إيران الإسلامية وجود بعد ذلك». وفي أعقاب تلك التصريحات، حذر السفير الأميركي لدى الأمم المتحدة، مايكل والتز، بدوره، من أن «إيران تخطئ إن ظنّت أن ترامب سيقف مكتوف الأيدي بينما تهاجم الملاحة وقواعدنا».
الاخبار اللبنانية





