ابتزاز اقتصادي بوسائل قانونية: دعوى شركة تأمين إسرائيلية ضد السلطة الفلسطينية ومحاولة إعادة تأويل أوسلو

ابتزاز اقتصادي بوسائل قانونية: دعوى شركة تأمين إسرائيلية ضد السلطة الفلسطينية ومحاولة إعادة تأويل أوسلو
بقلم المحامي علي أبو حبلة
رفعت شركة تأمين إسرائيلية دعوى قضائية أمام القضاء الإسرائيلي تطالب فيها السلطة الفلسطينية بتعويضات تبلغ 550 مليون شيقل، بزعم إخلالها بالتزاماتها تجاه حماية الممتلكات الإسرائيلية المنصوص عليها في اتفاقية أوسلو، وذلك على خلفية سرقة ما يقارب ستة آلاف مركبة إسرائيلية ونقلها إلى مناطق فلسطينية خلال السنوات الماضية.
اتفاقية انتقالية تُستخدم كأداة ابتزاز دائمة
محاولة الجانب الإسرائيلي استدعاء اتفاقية أوسلو بعد مرور أكثر من ثلاثة عقود على توقيعها، وتحديدًا الملحق الأمني الذي تناول التعاون ضد الجرائم والممتلكات، تهدف إلى تحويل اتفاقية كان من المفترض أن تكون انتقالية لمدة خمس سنوات إلى نظام ثابت للهيمنة القانونية والأمنية.
ففي المادة (II/3/ج) من الملحق الأمني لاتفاق أوسلو (1995) ورد نص يتعلق بالتعاون في مسائل “السرقة والمركبات”، لكنه لم يحمّل السلطة الفلسطينية أي مسؤولية مالية أو مدنية عن الأضرار اللاحقة بالطرف الآخر، ولم يتضمن أي بند يتعلق بالتعويض.
كما أن اتفاق باريس الاقتصادي (1994) الذي أرفق بأوسلو، نظم مسائل الجمارك والمقاصة والتجارة، ولم يتناول بصورة مباشرة ما يُعَدُّ اليوم جوهر الدعوى المرفوعة ضد السلطة الفلسطينية.
حجج مضادة: مسؤولية الاحتلال لا مسؤولية السلطة
من الناحية القانونية، فإن جملة من الحجج المضادة تضعف الأساس الذي تقوم عليه الدعوى الإسرائيلية، أهمها:
غياب السيادة الفلسطينية: السلطة الفلسطينية ليست دولة ذات سيادة، بل تعمل تحت الاحتلال، ولا يمكن تحميلها مسؤوليات قانونية مرتبطة بالأمن خارج نطاق سيطرتها الفعلية والجغرافية.
اختصاص قضائي معيب: إخضاع السلطة لولاية القضاء الإسرائيلي يناقض مبدأ الحصانة ويُعدّ تمددًا غير مشروع للولاية القضائية.
انقطاع العلاقة السببية: شرط المسؤولية المدنية يستوجب علاقة مباشرة بين الفعل والضرر، وهو غير متوافر في الحالة محل الدعوى.
تقادم الغاية الانتقالية: اتفاقية أوسلو لم تعد تشكل إطارًا ملزمًا يمكن اختزاله في التزامات مالية بغير مقابل سياسي.
الابتزاز المالي: المقاصة نموذجًا
لا يمكن فصل هذه الدعوى عن سياسة الحجز والاقتطاع من أموال المقاصة الفلسطينية التي تمارسها إسرائيل منذ سنوات بحجج أمنية ومالية. فالإيرادات التي تُعد حقًا ماليًا للفلسطينيين يتم حجزها بصورة تخالف مبادئ القانون الدولي واتفاق باريس القاضي بتحويلها دون عراقيل.
وعليه، فإن المطالبة بتعويضات جديدة تأتي في إطار معادلة ضغط مركّبة تهدف إلى تقويض الاقتصاد الفلسطيني وتحويل السلطة إلى جهة “مدينة” للاحتلال بدل كونها طرفًا في عملية سياسية.
الحرب على غزة والضفة: من يدفع ثمن الدمار؟
السياق الراهن يجعل الدعوى الإسرائيلية تبدو أكثر مفارقة وابتزازًا إذا ما قورنت بما يتعرض له الفلسطينيون من دمار ممنهج منذ اندلاع الحرب على غزة واتساع الاعتداءات على الضفة الغربية.
فالممتلكات الفلسطينية التي دُمّرت وتشمل:
منازل وأبراج سكنية ،،مستشفيات ومنشآت صحية ، شبكة بنى تحتية ومرافق عامة ، مؤسسات اقتصادية وتجارية
أراضٍ وممتلكات خاصة ، تُقدَّر قيمتها بمليارات الدولارات، فضلًا عن الخسائر البشرية التي لا تُقاس بثمن.
وبحسب القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف (1949)، ولا سيما المادة (147) من الاتفاقية الرابعة، فإن دولة الاحتلال تتحمل المسؤولية عن التعويض وجبر الضرر الناجم عن أعمالها العسكرية، بما يشمل الدمار الواسع وغير المبرر للممتلكات.
كما أن مشروع مواد مسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دوليًا (اللجنة القانونية للأمم المتحدة، 2001) ينص صراحة على واجب إعادة الحال إلى ما كان عليه والتعويض عند استحالة الإصلاح.
خاتمة: إعادة هندسة العلاقة بالقوة
تحاول إسرائيل عبر الدعوى الجديدة إعادة تشكيل العلاقة مع السلطة الفلسطينية وفق معادلة:
التزامات بلا حقوق، ووظائف أمنية بلا سيادة، وتعويضات بلا مسؤولية.
وفي الوقت الذي تقاضي فيه السلطة بزعم الإخلال بأوسلو، تتنصل إسرائيل من جوهر الاتفاق الذي كان يفترض أن يقود إلى تسوية سياسية لا إلى نظام دائم لإدارة الفلسطينيين والضغط عليهم.



