عربي دولي

«اتفاق إطار» أم معاهدة سلام قبل أوانها؟

«اتفاق إطار» أم معاهدة سلام قبل أوانها؟

لا يكتفي «الاتفاق الإطاري» المقترح بين لبنان وإسرائيل بترتيبات أمنية لوقف الأعمال العدائية، بل يتحدث منذ بنده الأول عن إنهاء النزاع وحالة الحرب، وصولاً إلى «سلام كامل ودائم». دراسة قانونية أعدّها المحامي أنطوان خليل تفتح السؤال حول القوة التنفيذية للاتفاق

لا يحتاج «الاتفاق الإطاري» بين لبنان وإسرائيل إلى الوصول إلى بنوده الأمنية حتى يثير سؤالاً أساسياً حول طبيعته القانونية. ابتداءً من الفقرة الأولى، لا يكتفي النص بتنظيم وقف الأعمال العدائية أو وضع آلية لإعادة انتشار القوات، بل يؤكد «حق كل دولة في الوجود بسلام»، ويعلن عزم الطرفين على «إنهاء النزاع بينهما بصورة نهائية»، و«إنهاء أي حالة حرب قائمة بينهما رسمياً»، تمهيداً لمعالجة القضايا العالقة عبر «مفاوضات ثنائية مباشرة».

وفي البند الثاني عشر، يصبح الاتجاه أكثر وضوحاً: مجموعات عمل تُنشأ «فور التوقيع» لإعداد «اتفاق شامل للسلام والأمن»، ومسارات مباشرة ودائمة للتواصل بين الحكومتين إلى حين الوصول إلى «سلام كامل ودائم».

السؤال عن الاسم الذي يُعطى للوثيقة أقل أهمية من السؤال عن الالتزامات التي ترتبها

هنا يبدأ السؤال الذي تطرحه دراسة قانونية أعدّها المحامي أنطوان سامي خليل تحت عنوان «اتفاقية الإطار: بين القوة التنفيذية وقابلية التنفيذ»: هل نحن بالفعل أمام مجرد إطار سياسي ــ أمني تمهيدي، أم أن مضمون النص يضع لبنان منذ توقيعه على طريق التزام دولي أوسع يستوجب المرور بالآليات الدستورية التي تحكم عقد المعاهدات وتقرير الحرب والسلم؟

الدراسة، المؤلفة من 16 صفحة، تنطلق من محاولة الفصل بين «التفاهم الأمني» والمعاهدة الدولية، ثم تعود إلى المادة 52 من الدستور اللبناني وصلاحيات رئيس الجمهورية والحكومة ومجلس النواب، قبل أن تقارن الاتفاق المقترح بتجارب لبنانية سابقة، من اتفاقية الهدنة عام 1949 إلى اتفاق 17 أيار وتفاهم نيسان 1996 واتفاق ترسيم الحدود البحرية عام 2022.

  • آثار القصف الاسرائيلي على قرية كفرحتى (آمال خليل)
    آثار القصف الاسرائيلي على قرية كفرحتى (آمال خليل)

أكثر من ترتيب أمني

تستند المقاربة القانونية لخليل إلى أن الاتفاق لم يتحول بعد إلى معاهدة دولية نهائية، وأن قوته التنفيذية تبقى مرتبطة باستكمال المسار الدستوري اللبناني. وهو يميز بين ترتيبات أمنية يمكن أن تُدار تنفيذياً وبين التزامات سياسية وسيادية طويلة الأمد تحتاج إلى موافقة المؤسسات الدستورية المختصة.

لكن نص الاتفاق نفسه يجعل هذا الفصل أقل وضوحاً.

فالوثيقة لا تنظم حصراً انتشار الجيش اللبناني أو انسحاب القوات الإسرائيلية. هي تؤسس لمسار يبدأ بالاعتراف المتبادل بحق الدولتين في الوجود بسلام، ويمر بإنهاء حالة الحرب رسمياً، ثم بفتح تفاوض ثنائي مباشر، وينتهي بإعداد اتفاق للسلام والأمن.

بذلك، يصبح السؤال عن الاسم الذي يُعطى للوثيقة أقل أهمية من السؤال عن الالتزامات التي ترتبها. فإذا كان «الإطار» يحدد منذ البداية وجهة العلاقة السياسية بين الدولتين، ويعلن هدف إنهاء الحرب والوصول إلى سلام دائم، فهل يكفي وصفه بأنه «خارطة طريق» لإخراجه من القيود الدستورية المرتبطة بالمعاهدات والاتفاقات الدولية؟

خليل يخلص إلى أن عدم استكمال المسار الدستوري يبقي الاتفاق في مرتبة خارطة طريق غير مكتملة الإلزام، ويربط انتقاله إلى مستوى آخر باستكمال شروط داخلية وسياسية عدة. إلا أن الإشكالية الصحافية والقانونية الأهم قد تسبق لحظة تحويله إلى معاهدة سلام: ماذا يترتب على لبنان بمجرد توقيع «الإطار» نفسه؟

نزع السلاح أولاً… والانسحاب لاحقاً

أحد أبرز عناصر الاتفاق هو التسلسل الذي يضعه للتنفيذ.

وفق البند الثاني، تتولى القوات المسلحة اللبنانية بسط سلطة الدولة «بعد التحقق من نزع سلاح الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة وتفكيك بنيتها التحتية»، بما يتيح لقوات العدو الإسرائيلي إعادة انتشارها «تدريجياً» إلى خارج الأراضي اللبنانية.

ويتكرر المنطق نفسه في المناطق التجريبية المنصوص عليها في البند الثالث: التحقق أولاً من نزع السلاح وتفكيك البنية التحتية، ثم انتقال المسؤولية الأمنية الكاملة إلى الجيش اللبناني، وبدء الإعمار، وعودة السكان.

أما البند الرابع فيجعل نزع السلاح «كاملاً ومتحققاً منه» على جميع الأراضي اللبنانية، فيما يربط البند الخامس انتفاء الحاجة الإسرائيلية إلى أي عمل أو وجود عسكري داخل لبنان بإنهاء التهديد الناتج، وفق الرواية الإسرائيلية التي يتبناها النص، عن الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة.

هنا لا يعود ترتيب الكلمات تفصيلاً. فالمعادلة الموضوعة عملياً هي: التزامات لبنانية قابلة للتحقق أولاً، في مقابل إعادة انتشار إسرائيلية تدريجية لاحقاً.

وهذا تحديداً أحد مواطن الاعتراض في دراسة خليل، الذي يرى أن الانسحاب الإسرائيلي والضمانة الدولية لعدم الاعتداء يجب أن يكونا في صلب أي مسار يؤدي لاحقاً إلى معالجة السلاح وحصر قرار الحرب والسلم بيد الدولة.

لا يعني ذلك أن الاتفاق يتجاهل الانسحاب، لكنه يجعله نتيجة لمسار متبادل ومشروط، ولا يضع، في النص الأساسي على الأقل، موعداً نهائياً أو آلية عقابية واضحة في حال عدم تنفيذه.

  • قصف إسرائيلي على المباني المدنية في ضواحي بيروت (مروان بو حيدر)
    قصف إسرائيلي على المباني المدنية في ضواحي بيروت (مروان بو حيدر)

ماذا يعني وقف «الأعمال القانونية الضارة»؟

أما البند الأكثر حساسية قانونياً، فهو البند الثالث عشر.

إذ تتعهد إسرائيل ولبنان باتخاذ «إجراءات بحسن نية» تشمل «وقف كل الأعمال العدائية أو الضارة في المحافل السياسية أو القانونية الدولية».

خليل يذهب في قراءته إلى اعتبار هذه العبارة تنازلاً لبنانياً مسبقاً عن حق ملاحقة إسرائيل دولياً، ويرى أن السلطة التنفيذية لا تملك التفريط بهذا الحق.

النص، في الحقيقة، لا يقول صراحة إن لبنان يتنازل عن حقه في اللجوء إلى المحاكم أو الهيئات الدولية. لكنه يستخدم عبارة فضفاضة للغاية: «الأعمال الضارة في المحافل القانونية الدولية». وهنا تكمن المشكلة.

ما المقصود بالعمل «الضار»؟ هل يشمل الشكاوى أمام مجلس الأمن؟ هل يشمل اللجوء إلى محكمة العدل الدولية؟ وهل يمكن أن يمتد إلى التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية أو دعم إجراءات قانونية دولية ضد مسؤولين إسرائيليين؟

غياب التعريف يجعل الالتزام قابلاً لتفسيرات واسعة، وخصوصاً أنه يأتي ضمن اتفاق يرمي في الوقت نفسه إلى إنهاء النزاع وفتح مسار سلام.

لذلك، ربما تكون الصياغة الأدق أن البند لا يسقط تلقائياً الحقوق القانونية للبنان، لكنه يفتح باباً جدياً للسؤال عن القيود السياسية والقانونية التي يمكن أن تُفرض على ممارستها مستقبلاً.

أين الهدنة و1701؟

تلفت دراسة خليل أيضاً إلى ما لا يقوله الاتفاق.

فعلى الرغم من أن البند الأول يشير بصورة عامة إلى «الاتفاقات والتفاهمات السابقة التي أثبتت نجاحها»، لا يذكر النص صراحة اتفاقية الهدنة اللبنانية ــ الإسرائيلية لعام 1949، ولا القرار 1701، ولا القرار 425.

بالنسبة إلى خليل، ليس الأمر شكلياً. فهو يعتبر أن إخراج الاتفاق الجديد من السياق الذي أنشأته الهدنة والقرارات الدولية السابقة يضعف المرجعيات القانونية التي يستطيع لبنان الاستناد إليها، ويشدد خصوصاً على أن اتفاقية الهدنة لا يجوز تجاوزها في أي صيغة جديدة.

ما المقصود بالعمل «الضار»؟ هل يشمل الشكاوى أمام مجلس الأمن؟ هل يشمل اللجوء إلى محكمة العدل الدولية؟

والمفارقة أن الاتفاق الجديد ينشئ، في المقابل، مؤسسات وآليات جديدة: ملحقاً أمنياً، ومجموعة تنسيق عسكري، ومناطق تجريبية، ومجموعات عمل لإعداد اتفاق السلام، ومسارات اتصال مباشرة برعاية أميركية.

أي أن النص لا يكتفي بإعادة تشغيل آليات قائمة، بل يؤسس لبنية جديدة بالكامل لإدارة العلاقة بين لبنان وإسرائيل.

وهنا يصبح السؤال سياسياً بقدر ما هو قانوني: هل يجري الانتقال من منظومة تقوم على هدنة وقرارات لمجلس الأمن إلى علاقة ثنائية مباشرة بضمانة أميركية؟

التزامات تفصيلية وضمانات أقل وضوحاً

ثمّة تفاوت واضح أيضاً في مستوى تفصيل التزامات الطرفين.

التزامات لبنان محددة: نزع السلاح، تفكيك البنى العسكرية، حصرية القوة، الانتشار العسكري، منع التمويل عن الجماعات غير التابعة للدولة، منع وصول أموال الإعمار إليها، القبول بآليات تحقق ورقابة، وربط المساعدات الأميركية بمراحل تنفيذية قابلة للقياس.

أما الجانب الإسرائيلي، فيعلن أنه لا يملك مطالب إقليمية في لبنان، ويقول إن انتهاء التهديد سيزيل الحاجة إلى العمل العسكري أو الوجود العسكري الإسرائيلي، فيما يجري الانسحاب بصيغة «إعادة انتشار تدريجي».

ليس في الاتفاق الأساسي، بحسب النص المتاح، تحديد لمهل الانسحاب أو لمسؤولية إسرائيل عن الاعتداءات السابقة أو لتعويضات إعادة الإعمار. كما لا تظهر فيه آلية واضحة للتحكيم أو تسوية النزاعات في حال اختلف الطرفان حول تنفيذ الالتزامات.

وهذه واحدة من النقاط التي يثيرها خليل، الذي ينتقد غياب إطار قانوني صريح لحل النزاعات والتعويض عن الاعتداءات.

  • من إنجازات اتفاق الاطار زرع العلم من قبل رئيس الحكومة نواف سلام في زوطر الغربية (من الويب)
    من إنجازات اتفاق الاطار زرع العلم من قبل رئيس الحكومة نواف سلام في زوطر الغربية (من الويب)

من يملك قراراً بهذا الحجم؟

في النهاية، تعيد دراسة خليل المسألة إلى الداخل اللبناني.

فإذا كان الاتفاق يرتب التزامات تتعلق بإنهاء حالة الحرب، وتقرير مستقبل العلاقة مع إسرائيل، والترتيبات الأمنية على كامل الأراضي اللبنانية، وحصرية السلاح، والتمويل وإعادة الإعمار، فهل يمكن التعامل معه باعتباره إجراءً تنفيذياً عادياً؟

الدراسة تجيب بالنفي، وتعتبر أن تقرير الحرب والسلم والسياسة العامة للدولة من اختصاص مجلس الوزراء، وأن الاتفاق لا يستطيع اكتساب القوة التنفيذية الكاملة من خارج المؤسسات الدستورية المختصة.

لكن أهمية السؤال لا تكمن فقط في تحديد الجهة التي ستوقع في نهاية المطاف.

فالاتفاق المقترح لا يؤجل السياسة إلى معاهدة السلام اللاحقة. هو يحسم منذ «الإطار» مسائل شديدة الحساسية: الاعتراف المتبادل، إنهاء حالة الحرب، المفاوضات المباشرة، شكل الأمن الداخلي اللبناني، علاقة الإعمار بنزع السلاح، التعامل في المؤسسات القانونية الدولية، والمسار المؤدي إلى السلام.

وبذلك، قد لا تكون المسألة الأساسية ما إذا كان «اتفاق الإطار» معاهدة سلام مكتملة أم لا.

السؤال الأسبق هو: هل تستطيع السلطة اللبنانية أن توقّع إطاراً يحسم بهذه الدرجة شكل السلام المقبل، ثم تترك البحث الدستوري في إلزاميته إلى مرحلة لاحقة؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب