مقالات
“اجتثاث البعث: جريمة سياسية مستمرة تُرتكب باسم العدالة” بقلم عماد عبدالوهاب الصباغ
بقلم عماد عبدالوهاب الصباغ

“اجتثاث البعث: جريمة سياسية مستمرة تُرتكب باسم العدالة”
بقلم عماد عبدالوهاب الصباغ
لن يكون هناك إصلاح في العراق ما دامت جريمة اجتثاث البعث تُقدَّم على أنها عدالة، و ما دام الإقصاء يُسوَّق كفضيلة، و التجويع كاستحقاق سياسي. ما طُبِّق بعد عام ٢٠٠٣ لم يكن تفكيكًا لنظام استبدادي، بل تفكيكًا متعمدًا للمجتمع و الدولة و الإنسان، تحت إشراف أمريكي مباشر، و بمشاركة قوى محلية وجدت في الاجتثاث أداة انتقام و سُلّما” للصعود إلى السلطة.
اجتثاث البعث لم يستهدف مجرمين، بل استهدف فئة اجتماعية كاملة. ملايين العراقيين انتموا إلى حزب البعث حين تعرفوا على مبادئه و أحبوها، أو أُجبروا على الانتماء إلى الحزب الحاكم في دولة بوليسية لا تعترف بالحياد و لا تسمح بالرفض. و مع ذلك، جرى التعامل معهم بعد السقوط باعتبارهم مذنبين جماعيًا، بلا تحقيق، و بلا محاكمة، و بلا أي تمييز بين من أمر بالقتل و من علّم الأطفال أو عالج المرضى أو بنى جسرا” أو أدار مؤسسة خدمية.
الأكثر انحطاطًا في هذه السياسة أنها لم تكتفِ بمعاقبة الفرد، بل لاحقت أبناءه. حُرموا من الوظائف، و من فرص الحياة، و من حقهم في أن يكونوا مواطنين كاملين، فقط لأن آباءهم عاشوا في زمن خاطئ. هذا ليس عدلًا، و لا سياسة، بل منطق عشائري ثأري لا يليق بدولة تدّعي الديمقراطية و لا بمجتمع يدّعي التحضر.
الولايات المتحدة، التي جاءت إلى العراق بشعار الحرية، تتحمل المسؤولية الكاملة عن ترسيخ هذا الخراب. فهي التي صممت الاجتثاث، و فرضته، و أدارته، ثم تركت العراق غارقًا في نتائجه. و بدل أن تُحاسَب القيادات المتورطة في الإخفاقات أمام القضاء، جرى تجريف مؤسسات الدولة، و طُردت الخبرات، و كَسرت العمود الفقري للإدارة العراقية، لتُفتح الأبواب أمام ايران و عملائها و الفساد والميليشيات و الجهل السياسي.
لم يكن الاجتثاث خطأً عابرًا، بل كان مشروعًا واعيًا لإنتاج الفشل. فمن الإقصاء وُلدت الطائفية، و من الحرمان نشأت المظلومية، و من سياسة “نحن أو هم” تأسس نظام سياسي لا يعرف سوى الكراهية و قص الأرزاق. و كل من دافع عن هذه السياسة، أو لا يزال يتمسك بها، شريك في إدامة انهيار الدولة العراقية.
بعد أكثر من عشرين عامًا، لم يعد هناك أي مبرر أخلاقي أو وطني أو قانوني لاستمرار اجتثاث البعث. و الإصرار عليه اليوم ليس دفاعًا عن الضحايا، بل استثمار رخيص في خطاب الانتقام، و استخدام وقح لمعاناة الماضي لتبرير فشل الحاضر. فلا دولة في العالم بنت مستقبلها بحرمان مواطنيها من العمل أو من حقوقهم التي اقرها الدستور، و لا مجتمع تعافى بتوريث الذنب.
إن الدعوة إلى إنهاء اجتثاث البعث ليست دفاعًا عن البعث، بل إدانة لمن حوّل العدالة إلى أداة إذلال، و الدولة إلى مؤسسة إقصاء. و هي دعوة لإعادة الاعتبار لمبدأ بسيط غائب عن المشهد العراقي: لا جريمة بلا محاكمة، و لا عقوبة بلا ذنب فردي، و لا وطن يُبنى على الكراهية.
آن الأوان لقولها بوضوح: اجتثاث البعث يجب أن يُجتث من التشريع و العقل السياسي معًا. فالعراق لن ينهض ما دام يُدار بعقلية الثأر، و لن يكون دولة ما دام الإنسان فيه يُعاقَب على ماضٍ لم يختره.




