عربي دولي

ازدياد الصادرات النفطية وتراجع السياحة: الحرب لم تترك عُمان وشأنها!

ازدياد الصادرات النفطية وتراجع السياحة: الحرب لم تترك عُمان وشأنها!

جنّب موقع عُمان وسياسة حيادها أسوأ تداعيات الحرب على إيران، فزادت صادراتها النفطية ونشاط موانئها، من دون أن تعفيها تلك المزايا من كلفة التصعيد الإقليمي. ومع تراجع السياحة وارتفاع مخاطر التضخم، يبقى استمرار الحرب كفيلاً بتقليص «مكاسب» السلطنة المحققة.

سلام محمد

على الرغم من اتّخاذها موقف الحياد، لم تَسلم سلطنة عُمان من التبعات الاقتصادية للحرب على إيران. حقّقت السلطنة في خلال الحرب بعض المكاسب المباشرة، إلّا أنه من المبكر الحديث عن غلبة أيٍّ من الكفّتَين – الخسائر أم المكاسب – لديها. ذلك أن استمرار أجواء التصعيد العسكري والاقتصادي في المنطقة، من شأنه أن يرفع الكلفة بالنسبة إلى جميع الدول بلا استثناء، وبنسب مختلفة تبعاً لخصوصية كلّ منها الاقتصادية وموقعها الجغرافي.
ثمّة عاملان أساسيان أسهما في تحييد سلطنة عُمان عن لهيب الحرب الدائرة حالياً: الأول سياسي، يتمثّل في سياسة الحياد التي تتّبعها البلاد في مقاربتها للقضايا العربية والإقليمية، والتي مكّنتها من القيام بدور الوساطة في العديد من الملفات الإقليمية، بما فيها المفاوضات الأميركية – الإيرانية، التي كانت وصلت – في شباط/ فبراير الماضي – إلى مراحل متقدّمة، قبل أن تنقلب واشنطن على المسار السياسي، وتبدأ مع تل أبيب هجوماً عسكرياً كبيراً على طهران نهاية الشهر المذكور. أمّا العامل الثاني، فهو جيو-اقتصادي، ويتعلّق بالموقع الجغرافي للموانئ العُمانية، الذي جعلها بعيدة عن اضطرابات مضيق هرمز، وحَمى التجارة الخارجية للسلطنة، بالتالي، من التأثّر مباشرة بالإغلاق الجزئي أو الكامل للمضيق، الذي عانته بقيّة دول الخليج والعراق. لا بل إن نشاط موانئ عمان ازداد بشكل واضح خلال الأشهر القليلة الماضية – بحسب البيانات الرسمية -، من دون أن يعني ما تَقدّم عدم تأثّر البلاد بارتفاع التكاليف وغيره من تبعات الحرب.

استمرار الإنتاج والتصدير

قد تكون السلطنة هي الدولة الوحيدة في منطقة الخليج التي لم تضطرّ إلى تخفيض حجم إنتاجها أو تقليل كمّية صادراتها النفطية بفعل الحرب. لا بل إن المؤشرات الرسمية تفيد بأن الميزان التجاري سجّل عموماً فائضاً خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام الحالي، بزيادة قدرها 37.2% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. وبحسب تلك البيانات أيضاً، فإن القيمة الإجمالية لصادرات البضائع ارتفعت بنسبة 10.1%، مدعومةً بشكل أساسي بزيادة قيمة صادرات البلاد من النفط، والتي بلغت نسبتها نحو 8.4%.
ويُعزى الفضل في ذلك إلى تمكّن المنشآت النفطية من رفع إنتاجها بنسبة لا تقلّ عن 9.7%، خاصة أن تلك المنشآت بقيت بعيدة إلى حدّ كبير عن دائرة الاستهداف العسكري المباشر – خلافاً لمنشآت مشابهة في دول أخرى كالكويت وقطر والبحرين -. كما يُعزى إلى النشاط المتنامي للموانئ، المتحرّرة من عقدة مضيق هرمز، والتي تحوّلت مع اضطراب حركة الملاحة عبر المضيق، إلى منفذ تجاري لبعض الدول. وفي هذا الإطار، تكشف البيانات العُمانية أن قيمة عمليات إعادة التصدير خلال الفترة المذكورة، سجّلت أقوى معدّل نمو لها؛ إذ زادت بنسبة تصل إلى نحو 64% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، في حين تصدّرت الإمارات قائمة الدول التي تستقبل إعادة تصدير عُمان، وتلتها إيران، فالسعودية في المرتبة الثالثة…

 المؤشرات الإيجابية قد تفقد أهميتها جزئياً في ما لو طال أمد الحرب، أو توسّعت رقعتها

ولهذا، رجّح «البنك الدولي»، في تقرير سابق، أن «تدعم الأسعار العالمية للنفط والأسمدة، إلى جانب مكانة السلطنة كمصدر صافٍ لكليهما، عائدات التصدير وتوفّر دعماً مالياً مؤقتاً، ما قد يسهم في دعم الناتج المحلّي الإجمالي مقارنة بتوقّعات ما قبل النزاع». ومن شأن الاستثمار في ذلك التحسّن المالي، أن يتيح للحكومة العمانية الاستمرار في خطّتها الاستراتيجية لعام 2040، الرامية إلى توسيع القطاعات غير النفطية وتحقيق نوع من الاستدامة المالية على المدى المتوسط.

التضخّم والسياحة والاستثمار

إلّا أن تلك المؤشرات قد تفقد أهميتها جزئياً في ما لو طال أمد الحرب، أو توسّعت رقعتها لتشمل منشآت الطاقة والبنى التحتية، إذ من المتوقّع أن يتعاظم تأثير تداعياتها الاقتصادية، في هذه الحالة، على السلطنة، بما يشمل ارتفاع معدّل التضخم إلى مستويات جديدة، ولا سيما أن عُمان تعتمد بشكل كبير على الاستيراد لتأمين جزء ليس بالقليل من سلعها الغذائية، كالحبوب والزيوت وغيرها. وبحسب بيانات «المركز الوطني للإحصاء والمعلومات»، فإن ذلك المعدّل سجّل، في تموز/ يوليو الماضي، نحو 3.2%، في حين ذهبت تقديرات «البنك الدولي» الصادرة في حزيران/ يونيو الماضي، إلى أنه سوف يرتفع من نحو 0.9% في العام الماضي إلى نحو 4.1% في العام التالي.
وحتى موانئ السلطنة الرئيسة، كالدقم وصلالة وصحار، والتي تتركّز استراتيجية عُمان على تحويلها إلى مراكز عبور إقليمية، قد تواجه هي الأخرى حالة من عدم اليقين التشغيلي. وعلى الرغم من أن موقعها خارج مضيق هرمز يوفّر لها في هذه المرحلة مرونة كبيرة في التشغيل، إلّا أن ارتفاع تكاليف الشحن وزيادة مدّة العبور قد يطغيان على ميزة البعد الجغرافي. وممّا يقلق الحكومة العُمانية أيضاً، أن يؤثّر طول أمد الحرب واستمرار أجواء التصعيد على جاذبيتها كوجهة سياحية واستثمارية؛ فالبلاد التي سجّلت، مع بدايات العام الحالي، زيادة ملحوظة في أعداد السياح، وصلت نسبتها خلال شهرَي كانون الثاني/ يناير وشباط/ فبراير إلى نحو 12.6%، وجدت نفسها في مواجهة اضطراب حركة الطيران والعبور وارتفاع أسعار التذاكر، وهو ما أثّر، إلى جانب المخاوف النفسية من توسيع دائرة الصراع، على حركة الوفود والسيّاح من دول المنطقة والعالم. ولا تتوفّر، إلى اليوم، أيّ بيانات حديثة تتعلّق بفترة الحرب، منذ نهاية شباط وحتى تاريخه، لكنّ تصريحات المسؤولين العُمانيين تؤكد ارتفاع معدّلات السياحة الداخلية.

إذا كان «البنك الدولي» قد حافظ على توقّعات إيجابية حيال صافي التدفّقات الاستثمارية الأجنبية، والتي توقّع لها أن ترتفع من نحو 4.8% كنسبة من الناتج المحلّي الإجمالي في عام 2025، إلى نحو 5% في العام الحالي، فإن ذلك يبقى مرهوناً بتقييم مؤشرات الربعَين الثاني والثالث من العام الجاري، وبالتطوّرات التي ستشهدها الأشهر القليلة القادمة لجهة إمكانية التوصّل إلى اتفاق سلام دائم من عدمه. إلّا أن تهديد الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بقصف السلطنة، على خلفية مباحثاتها مع إيران لتنظيم حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، من شأنه أن يزيد، رغم الشكوك المعتادة في مدّى جدّية تصريحات ترامب – وما أكثرها -، من حالة عدم اليقين التي تكتنف مستقبل اقتصادات جميع دول المنطقة، وأن يتسبّب بالتالي بالمزيد من الخسائر المباشرة وغير المباشرة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب