استحضار التاريخ ليس إفلاسًا سياسيًا

استحضار التاريخ ليس إفلاسًا سياسيًا
إعداد وتقرير: المحامي علي أبوحبلة
ثمة من يحاول اختزال استحضار التاريخ الفلسطيني وإحياء سِيَر الشخصيات الوطنية والعلمية والثقافية والاجتماعية في عبارة جاهزة من قبيل «الإفلاس السياسي»، وكأن العودة إلى الذاكرة الوطنية والبحث في سِيَر الذين أسهموا في بناء المجتمع الفلسطيني هروب من الحاضر أو عجز عن مواجهة استحقاقاته.
والحقيقة أن الأمم التي تحترم حاضرها لا تتنكر لماضيها، والشعوب التي تتطلع إلى المستقبل لا تبدأ من الصفر. فالتاريخ ليس مجموعة صور قديمة أو مناسبات لتبادل المديح، وإنما هو مصدر من مصادر المعرفة يساعد الأجيال الجديدة على فهم نشأة مجتمعها، وتطور مؤسساته، ومسيرة نخبته، والتحولات التي مر بها، وما راكمه من تجارب وإنجازات وتضحيات.
وفي الحالة الفلسطينية، تكتسب الذاكرة أهمية مضاعفة؛ لأنها ترتبط بالهوية والرواية والوجود الثقافي والاجتماعي. وقد تعاملت المؤسسات الدولية مع التراث الفلسطيني باعتباره جزءًا من التراث الثقافي الذي يستحق الحماية والتوثيق، بما في ذلك إدراج عناصر من التراث الثقافي الفلسطيني ومواقع فلسطينية على قوائم اليونسكو.
ومن هنا، فإن توثيق تاريخ المدن والقرى والمؤسسات والشخصيات الفلسطينية، واستعادة سِيَر العلماء والأطباء والمحامين والمعلمين والأدباء ورجال الإدارة والمجتمع، ليس ترفًا ولا هروبًا من الواقع، بل عمل معرفي ووطني ينبغي أن يقوم على التوثيق والتحقق والإنصاف.
فالذاكرة الوطنية لا تعني صناعة الأساطير، ولا تعني وضع الشخصيات التاريخية فوق النقد. وإنما تعني حفظ الوقائع من الاندثار، وإتاحة المصادر والشهادات أمام الباحثين والأجيال المقبلة. ومن واجب الصحفي والباحث أن يميز بين الوقائع المثبتة، والروايات الشفوية، والشهادات الشخصية، وما يحتاج إلى مزيد من التحقق.
وهنا تحديدًا تظهر مشكلة بعض الخطابات الشعبوية التي تتعامل مع الذاكرة بمنطق المناكفة. فبدل مناقشة الوثائق والمصادر، تلجأ أحيانًا إلى التشكيك والتجريح وتوزيع الاتهامات، وكأن استحضار رموز المجتمع وتوثيق تاريخهم جريمة تستوجب الاعتذار.
إن هذا النوع من الشعبوية لا يقدم قراءة نقدية للتاريخ، بل يتحول إلى خطاب تحركه الانفعالات والحسابات الضيقة، وتغلب عليه الرغبة في تصفية الخلافات الشخصية على حساب الموضوعية. وعندما يصبح التجريح بديلاً عن الحجة، والشائعة بديلاً عن الوثيقة، والسخرية بديلاً عن البحث، فإن المشكلة لا تعود في التاريخ الذي يجري استحضاره، وإنما في طريقة إدارة الاختلاف حوله.
ولا يحتاج الدفاع عن الذاكرة الفلسطينية إلى الإساءة إلى أحد، كما لا تحتاج عملية التوثيق إلى صناعة خصوم. فمن يملك وثيقة مخالفة أو رواية مختلفة فليقدمها، ومن يرى خطأ في معلومة فليصححه، ومن يختلف مع قراءة تاريخية فليقدم قراءة بديلة تستند إلى المصادر. هكذا تُبنى المعرفة، وهكذا يحترم الاختلاف.
إن استحضار التاريخ لا يعني إدارة الظهر للحاضر، بل يساعد على فهمه. ومعرفة ما أنجزه السابقون تضع أمام الأجيال الحالية مسؤولية مواصلة البناء وتصحيح الأخطاء والاستفادة من التجارب، بدل الدوران في دائرة الاتهامات المتبادلة.
لقد أكدت الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرارها 80/195 الصادر في 15 كانون الأول/ديسمبر 2025 حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، بما يؤكد أن القضية الفلسطينية ليست مجرد ذاكرة تاريخية، وإنما قضية حقوق سياسية وقانونية مستمرة.
ومن الخطأ وضع التاريخ في مواجهة السياسة، أو الذاكرة في مواجهة المستقبل. فالشعوب التي تفقد ذاكرتها تصبح أكثر عرضة لفقدان روايتها، والشعب الذي لا يوثق تاريخه يترك المجال للآخرين كي يعيدوا كتابة ذلك التاريخ وفق مصالحهم ورواياتهم.
لذلك، فإن استحضار تاريخ فلسطين ورموزها ليس إفلاسًا سياسيًا، بل مسؤولية وطنية وثقافية وأخلاقية، شرط أن يكون هذا الاستحضار قائمًا على الوثيقة، بعيدًا عن التقديس والمبالغة، ومنفتحًا على النقد والتصحيح.
أما من يرى في حفظ الذاكرة إفلاسًا، فالأجدر به أن يناقش الوثائق والمصادر، لا أن يهاجم فكرة التوثيق ذاتها. فالإفلاس الحقيقي ليس في العودة إلى التاريخ، وإنما في العجز عن قراءته قراءة نقدية، أو الاستفادة من دروسه، أو تقديم بديل معرفي أكثر توثيقًا وموضوعية.
نحن لا نستحضر التاريخ هربًا من الحاضر، وإنما نستحضره لفهم الحاضر وصناعة المستقبل. ولا نكرّم الرموز لمجرد أنهم رحلوا، وإنما لأن ما تركوه من علم وعمل وتجربة يستحق أن تعرفه الأجيال الجديدة.
فالذاكرة ليست عبئًا على المستقبل، بل إحدى ركائز بنائه؛ ومن يحفظ تاريخه لا يعيش أسيرًا للماضي، وإنما يمنح الحاضر جذورًا والمستقبل ذاكرة.




