استقالات القضاة الأربعة في فلسطين: اختبار للإدارة القضائية وفرصة للإصلاح المؤسسي

استقالات القضاة الأربعة في فلسطين: اختبار للإدارة القضائية وفرصة للإصلاح المؤسسي
بقلم: المحامي علي أبوحبلة
تطرح الاستقالات الجماعية التي تقدم بها أربعة قضاة فلسطينيين إلى مجلس القضاء الأعلى، بتاريخ 19 تشرين الأول/أكتوبر 2026، تساؤلات مهمة بشأن إدارة شؤون السلطة القضائية، وآليات معالجة التظلمات المهنية، ومدى مراعاة الظروف الإنسانية والصحية والميدانية التي تحكم عمل القضاة في ظل الواقع الفلسطيني الاستثنائي.
ووفقاً لما أوردته تقارير إعلامية بشأن كتاب الاستقالة، فإن القضاة، وهم إزدهار كامل سعد، وفطوم زياد قطامي، وعبد الحميد نصر أبو جابر، وحذيفة صالح موسى، ربطوا موقفهم بجملة من الأسباب، أبرزها التنقلات القضائية، والأعباء المترتبة عليها، والظروف الصحية والأسرية، وما وصفوه بعدم الاستجابة لمطالبهم وفتح حوار جاد بشأنها. وتبقى هذه المعطيات مرتبطة بما ورد في كتاب الاستقالة والتغطيات الإعلامية، في انتظار أي توضيحات رسمية من الجهات المعنية.
إن أهمية هذه القضية لا تكمن في الاستقالات بحد ذاتها، بل في دلالاتها الإدارية والمؤسسية، وفي ضرورة التعامل معها بما يحفظ مكانة القضاء واستقلاله، ويصون الحقوق المهنية للقضاة، ويضمن استمرارية مرفق العدالة وانتظام عمل المحاكم.
الإدارة القضائية بين مقتضيات العمل وحقوق القضاة
تقتضي الإدارة الفاعلة للمؤسسة القضائية تحقيق التوازن بين احتياجات المحاكم لتوزيع القضاة وفق مقتضيات العمل، وبين الظروف الشخصية والصحية والأسرية التي قد تؤثر في قدرتهم على أداء مهامهم. فالتنقلات القضائية، وإن كانت من الأدوات الإدارية اللازمة لتنظيم العمل، ينبغي أن تستند إلى معايير موضوعية تراعي المصلحة العامة، وتكافؤ الفرص، واستقرار المرفق القضائي، ضمن أحكام القانون والضمانات المقررة للقضاة.
وفي الحالة الفلسطينية، تكتسب هذه الاعتبارات أهمية مضاعفة بسبب الحواجز العسكرية والإغلاقات والقيود على الحركة بين المحافظات، وما تفرضه من أعباء زمنية ومادية ونفسية. وقد يتحول الانتقال اليومي بين مكان الإقامة ومقر المحكمة إلى تحدٍّ حقيقي، ولا سيما للقضاة الذين تستدعي أوضاعهم الصحية ترتيبات خاصة.
ومن ثم، فإن تقييم الأداء الوظيفي أو معالجة حالات التأخر عن الوصول إلى المحاكم يستلزم النظر في الظروف الفعلية المحيطة بها، والتمييز بين التقصير الذي يمكن إثباته وبين التأخير الناجم عن عوائق خارجة عن الإرادة. وهذا النهج يعزز العدالة الإدارية، من دون المساس بمتطلبات الانضباط الوظيفي أو انتظام الجلسات.
البعد القانوني واستقلال السلطة القضائية
يشكل استقلال القضاء ركيزة أساسية من ركائز سيادة القانون وحماية الحقوق والحريات. وقد نظم القانون الأساسي الفلسطيني المعدل، وقانون السلطة القضائية رقم (1) لسنة 2002 وتعديلاته، الإطار الدستوري والقانوني لعمل السلطة القضائية وضماناتها واختصاصات الجهات المعنية بإدارتها.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية وجود آليات مؤسسية واضحة لتلقي شكاوى القضاة ودراستها والبت فيها وفق الأصول القانونية، بما يضمن الموضوعية والشفافية واحترام الإجراءات. فالحوار المؤسسي لا يتعارض مع صلاحيات مجلس القضاء الأعلى، بل يمكن أن يشكل وسيلة لتعزيز الثقة بالقرارات الإدارية، وتجنب تراكم الخلافات وتحولها إلى أزمات تؤثر في استقرار المؤسسة.
كما أن الاستقالة، بوصفها إجراءً قانونياً وإدارياً، تستدعي معالجة وفق القواعد الناظمة لها، والتحقق من استيفاء الإجراءات والشروط ذات الصلة، من دون افتراض اكتمال آثارها القانونية بمجرد تقديمها. ويظل تحديد الوضع القانوني النهائي للقضاة المعنيين من اختصاص الجهات المخولة قانوناً.
التداعيات الاقتصادية والإدارية
لا يمكن فصل استقرار القضاء عن الواقع المالي والاقتصادي الفلسطيني، حيث تواجه المؤسسات العامة ضغوطاً مالية متزايدة، فيما يتحمل الموظفون العموميون أعباء المعيشة وارتفاع تكاليف النقل وتراجع القدرة الشرائية.
وفي هذا الإطار، قد تترتب على التنقلات المتكررة تكاليف إضافية يتحملها القضاة، إلى جانب ما قد ينجم عنها من صعوبات في تنظيم الحياة الأسرية والالتزامات اليومية. كما أن استمرار الخلافات الإدارية دون معالجة قد يؤثر في الاستقرار الوظيفي، ويزيد من صعوبة التخطيط لاحتياجات المحاكم وتوزيع الموارد البشرية.
وتكمن المصلحة العامة في اعتماد إدارة رشيدة للموارد القضائية، تقوم على تقدير الاحتياجات الفعلية للمحاكم، ومراعاة الظروف الميدانية، ودراسة البدائل الممكنة لتقليل الأعباء غير الضرورية، مع الحفاظ على جودة الأداء القضائي وعدم تعطيل مصالح المتقاضين.
نقابة المحامين ومسؤولية الإصلاح المؤسسي
إن معالجة هذه القضية تستدعي حواراً مهنياً مسؤولاً بين مجلس القضاء الأعلى والقضاة المعنيين، مع الاستفادة من الدور المهني لنقابة المحامين في متابعة القضايا المرتبطة بحسن سير العدالة وسيادة القانون، ضمن حدود الاختصاص واستقلال السلطة القضائية.
ومن المناسب أن تتجه المعالجة نحو مراجعة الظروف المرتبطة بالتنقلات، والاستماع إلى الملاحظات المهنية والصحية الموثقة، وتوضيح الإجراءات المتخذة وأسسها، والبحث في حلول عملية تراعي المصلحة العامة وحقوق الأطراف، مع احترام سرية المعلومات الشخصية والطبية.
ولا ينبغي أن تتحول هذه القضية إلى ساحة للتجاذب أو تبادل الاتهامات، بل إلى فرصة لتطوير قواعد الإدارة القضائية، وتعزيز الشفافية، وترسيخ ثقافة الحوار والمساءلة المؤسسية.
الخلاصة: هيبة القضاء في عدالة إدارته
إن قوة المؤسسة القضائية لا تقاس فقط بقدرتها على تطبيق القانون والفصل في النزاعات، بل أيضاً بقدرتها على إدارة شؤونها الداخلية وفق معايير العدالة والإنصاف والشفافية. فاحترام القاضي وصون استقلاله وتوفير الظروف الملائمة لأداء رسالته عناصر أساسية في حماية ثقة المواطنين بالقضاء.
ومن هنا، فإن احتواء أزمة الاستقالات يتطلب تغليب الحكمة والحوار، وإجراء مراجعة موضوعية للوقائع، والبحث عن حلول قانونية وإدارية متوازنة تحفظ كرامة القضاة، وتضمن انتظام المحاكم، وتصون استقلال السلطة القضائية.
إن الإصلاح المؤسسي لا يعني الانتقاص من هيبة القضاء، بل يمثل الطريق إلى تعزيزها. فالمطلوب اليوم هو معالجة الأسباب التي أفرزت الأزمة، لا الاكتفاء بالتعامل مع نتائجها، وترسيخ قناعة بأن سيادة القانون تبدأ من المؤسسات التي تتولى حمايته وتطبيقه.
المحامي علي أبوحبلة




