استهداف موقع تعدين وقتل وخطف صينيين… الاستثمارات الأجنبية في مرمى أهداف “النصرة” في مالي

استهداف موقع تعدين وقتل وخطف صينيين… الاستثمارات الأجنبية في مرمى أهداف “النصرة” في مالي
عبد الله مولود
تحول في استراتيجية الجماعة من حرب السيطرة الميدانية إلى الضغط الاقتصادي والدبلوماسي
وجاء الهجوم الذي استهدف أمس موقع تعدين صيني في منطقة نارينا جنوبي مالي، بالقرب الحدود مع غينيا، وما رافقه من اختطاف عدد من العمال الصينيين، ليكشف عن تحول في استراتيجية الجماعة المرتبطة بتنظيم “القاعدة”، من حرب السيطرة الميدانية إلى حرب الضغط الاقتصادي والدبلوماسي.
فالعملية لا تبدو مجرد هجوم معزول على منشأة تعدين، بل تحمل رسائل متعددة الاتجاهات، إلى الحكومة المالية والصين والقوى الأجنبية التي باتت تنظر إلى الساحل باعتباره فضاءً استراتيجيًا للاستثمارات المعدنية والطاقة والبنى اللوجستية.
تحول الأهداف
وخلال السنوات الماضية، ركّزت جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” على استهداف الجيوش المحلية وقوات “فاغنر” الروسية والمليشيات المتحالفة مع باماكو، مع تمدد تدريجي نحو الطرق الحيوية والمعابر الحدودية، لكن الهجوم على منشأة صينية يشي بانتقال الجماعة إلى مستوى آخر من الصراع.
تنشط شركات أجنبية، خصوصًا صينية، في استخراج الذهب والمعادن النادرة
ويقع المكان الذي استهدفه الهجوم في منطقة ذات أهمية اقتصادية متزايدة، حيث تنشط شركات أجنبية، خصوصًا صينية، في استخراج الذهب والمعادن النادرة. ويعني استهداف هذه المنشآت، عمليًا، ضرب أحد أهم مصادر الإيرادات والاستثمارات التي تعوّل عليها الحكومة المالية في ظل أزمتها الاقتصادية والعقوبات الإقليمية السابقة.
وتشير تقارير إعلامية إلى أن الهجوم أسفر عن مقتل عاملين ماليين وإلحاق أضرار كبيرة بالموقع، إلى جانب اختطاف عمال صينيين، في عملية بدت دقيقة ومنظمة أكثر من كونها هجومًا عشوائيًا.
لماذا الصين تحديدًا؟
اختيار هدف صيني ليس تفصيلًا عابرًا، فالصين أصبحت خلال العقد الأخير أحد أكبر المستثمرين في غرب إفريقيا والساحل، خصوصًا في قطاعات التعدين والبنية التحتية والطاقة. وفي مالي تحديدًا، توسعت شركات بكين في مشاريع الذهب والليثيوم والطرق.
الصين أصبحت خلال العقد الأخير أحد أكبر المستثمرين في غرب إفريقيا والساحل
وتدرك الجماعة المسلحة أن استهداف المصالح الصينية يحقق لها عدة مكاسب في آن واحد، بينها توجيه ضربة اقتصادية مباشرة للدولة المالية، وإحراج باماكو أمام شركائها الدوليين، وخلق ضغط دبلوماسي خارجي على السلطات المالية، وإثبات القدرة على الوصول إلى منشآت يفترض أنها محمية، مع استعادة ورقة “الرهائن الأجانب” باعتبارها أداة ضغط وتمويل.
وتذهب بعض التحليلات إلى أن الجماعة تسعى إلى إيصال رسالة مفادها أن أي توسع اقتصادي أجنبي في مناطق نفوذها لن يكون بمنأى عن التهديد.
الجبهة الجديدة
واللافت أن الهجوم على المنشأة التعدينية الصينية وقع في الجنوب المالي، وهي منطقة ظلت لسنوات أقل توترًا مقارنة بالشمال والوسط؛ لكن الأشهر الأخيرة أظهرت تمددًا متزايدًا للجماعات المسلحة نحو المناطق الحدودية مع غينيا وساحل العاج والسنغال.
ويحمل هذا التمدد أبعادًا استراتيجية خطيرة، لأن الجماعات المسلحة لم تعد تتحرك فقط في فضاءات صحراوية معزولة، بل باتت تقترب من المراكز الاقتصادية وخطوط التجارة الإقليمية وممرات التصدير.
مخاوف من انتقال التهديدات الأمنية إلى مناطق كانت تُعتبر نسبيًا خارج نطاق نشاط التنظيمات الجهادية
كما أن الجنوب المالي يمثل بوابة حيوية نحو دول خليج غينيا، وهو ما يثير مخاوف متزايدة من انتقال التهديدات الأمنية إلى مناطق كانت تُعتبر نسبيًا خارج نطاق نشاط التنظيمات الجهادية.
ويعكس التحول الحالي أيضًا تغيرًا في تكتيكات جماعة “النصرة” بعد سنوات من المواجهة العسكرية المفتوحة؛ فبدل الاكتفاء بالهجمات التقليدية، باتت الجماعات المسلحة تعتمد بشكل أكبر على استهداف شبكات الاقتصاد والطاقة، وضرب البنية اللوجستية، ومهاجمة الشركات الأجنبية، وخطف الرعايا الأجانب، وتعطيل طرق التجارة والنقل، وهي استراتيجية تقوم على إنهاك الدولة المالية اقتصاديًا وعزلها استثماريًا، خصوصًا في بيئة هشة تعاني أصلًا من أزمات سياسية وأمنية متراكمة.
معضلة باماكو المتفاقمة
وتجد السلطات المالية نفسها أمام معادلة معقدة، فهي من جهة تحاول تقديم نفسها كشريك قادر على تأمين الاستثمارات الأجنبية بعد القطيعة مع فرنسا وإعادة تشكيل تحالفاتها الدولية، لكنها من جهة أخرى تواجه تصاعدًا غير مسبوق في الهجمات المسلحة واتساع رقعتها الجغرافية.
يأتي استهداف المصالح الأجنبية في وقت تعتمد فيه باماكو بشكل متزايد على الشراكات مع روسيا والصين
ويأتي استهداف المصالح الأجنبية في وقت تعتمد فيه باماكو بشكل متزايد على الشراكات مع روسيا والصين لتعويض الانسحاب الغربي، ما يجعل أي استهداف للمصالح الصينية أمراً ذا حساسية سياسية واقتصادية كبيرة.
كما أن عمليات الاختطاف قد تدفع بعض الشركات الأجنبية إلى إعادة تقييم مخاطر العمل في مالي، وهو ما قد يؤثر مستقبلاً على تدفق الاستثمارات وعلى مشاريع التعدين والطاقة التي تراهن عليها الحكومة.
رسائل أبعد من مالي
ويحمل الهجوم على موقع التعدين الصيني بعدًا إقليميًا واضحًا؛ فالجماعة تريد إظهار أنها لم تعد محصورة في شمال مالي أو وسطه، بل قادرة على تهديد المصالح الدولية عبر فضاء الساحل بأكمله؛ وهو ما لا ينسجم مع تصاعد الهجمات خلال العامين الأخيرين في بوركينا فاسو والنيجر وعلى تخوم دول خليج غينيا.
وفي حال تكرار استهداف الشركات الأجنبية، فقد تدخل المنطقة مرحلة جديدة يصبح فيها الاستثمار الأجنبي نفسه جزءًا من معادلة الحرب، لا مجرد ضحية جانبية لها.
الصراع يتغير
والحقيقة أن الهجوم على موقع التعدين الصيني في نارينا يظهر أن الصراع في الساحل الإفريقي يتغير في العمق، ليس فقط من حيث الجغرافيا، بل أيضًا من حيث طبيعة الأهداف وأدوات الضغط.
فجماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” تبدو اليوم أكثر اهتمامًا بتقويض النفوذ الاقتصادي الدولي وضرب شبكات المصالح الأجنبية، بالتوازي مع استنزاف الجيوش المحلية.
جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” تبدو اليوم أكثر اهتمامًا بتقويض النفوذ الاقتصادي الدولي
ومع اتساع رقعة الهجمات نحو المناطق الاقتصادية والحدودية، تزداد المخاوف من دخول الساحل مرحلة “الحرب الاقتصادية المسلحة”، حيث تصبح المناجم والطرق والاستثمارات الأجنبية أهدافًا مباشرة في معركة النفوذ والسيطرة.
وفي ظل هشاشة الدول وتداخل المصالح الدولية، قد لا يكون الهجوم الأخير
“القدس العربي”




