اغتيال وزير الدفاع في مالي :من يحرّك خيوط الصراع؟

اغتيال وزير الدفاع في مالي :من يحرّك خيوط الصراع؟
هجوم مسلح واسع في مالي واغتيال وزير الدفاع يعيدان رسم مشهد الصراع بين المجلس العسكري وجماعات أزواد والقاعدة، وسط مخاوف من تصعيد إقليمي.
مدججون بالأسلحة وعلى دراجات نارية، اقتحم مئات المسلحون قاعدة «كاتي» الأكثر تحصيناً في مالي، والتي يقع فيها مقرّ المجلس العسكري الحاكم، فاغتالوا وزير الدفاع ساديو كامارا بسيارة مفخخة، في تطوّر دراماتيكي يعيد خلط الأوراق في البلد الفقير الواقع في غرب أفريقيا.
ماذا حدث؟
يوم السبت 25 من نيسان، شنّت جماعتا «جبهة تحرير أزواد» و«جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» في شمال مالي هجوماً منسّقاً استهدف مدن رئيسية من بينها كيدال شمالاً على الحدود مع الجزائر، بالإضافة إلى مدن أخرى شمال البلاد، ومدينة كاتي التي تبعد 15 كلم من العاصمة باماكو جنوباً، والتي تُعدّ معقلاً رئيسياً للمجلس العسكري الحاكم.
وعلى الرغم من أنه لم تصدر أي حصيلة رسمية للضحايا من الجانبين حتى الآن، إلا أن وزارة الدفاع الروسية أعلنت الثلاثاء أن «فيلق أفريقيا» التابع لها والذي يقاتل إلى جانب القوات الحكومية أحبط «محاولة انقلابية» في مالي. وقالت إن «الوضع لا يزال صعباً»، بعد إعلان «جبهة تحرير أزواد» السيطرة الكاملة على مدينة كيدال شمالا، وانسحاب الفيلق منها بموجب اتفاق بين الطرفين.
وتُعتبر مدينة كيدال الواقعة على بعد 1300 كيلومتر شمال شرقي العاصمة باماكو، رمزاً تاريخياً للهوية السياسية والثقافية للطوارق، وهي معقل تاريخي لمقارعتهم للمستعمر الفرنسي ثم لاحقاً في مسعاهم لاستقلال إقليم أزواد عن الدولة المركزية في مالي.
في الهجوم، قُتل وزير الدفاع الجنرال ساديو كامارا، وهو الرجل الثاني في المجلس العسكري ومهندس الانسحاب الفرنسي والدخول الروسي إلى مالي، إذ استُهدف منزله بتفجير انتحاري تبنّته «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين».
اغتيال وزير الدفاع ساديو كامارا يشكّل ضربة قاسية للمجلس العسكري الحاكم
وفي الوقت الذي اختفى فيه رئيس المجلس العسكري آسيمي غويتا ليومين بعد الهجوم، وتضاربت الأنباء حول مصيره، ظهر رئيس «جبهة تحرير أزواد» بلال أغ الشريف، إلى جانب القيادي عباس أغ إنتالا، في مقطع فيديو وهم يقفون بين المقاتلين في مدينة كيدال، بعد استعادة السيطرة عليها.
وبعد ثلاثة أيام من الاختفاء، ظهر الرئيس المالي في اجتماع مع السفير الروسي، قبل أن يلقي خطاباً عبر التلفزيون مساء الثلاثاء، أعلن فيه تصدّي قوات الأمن لهجوم هدفه إشاعة العنف والفوضى، وأكد أن الوضع تحت السيطرة.
أصل الصراع
الهجوم الذي هزَّ دولة مالي السبت 25 نيسان، سبقته عقود من الصراع، حيث بدأت أولى مراحل التمرد في إقليم أزواد بعد استقلال البلاد عام 1960 ورفض سكان الإقليم وأغلبهم من الطوارق الانضمام إلى الدولة المالية آنذاك.
استمرّ التمرد بشكل متقطع على مدى عقود، بسبب ما اعتبره سكان الإقليم تهميشاً مورس بحقهم من قبل الحكومات المالية المتعاقبة.
-

كان وزير الدفاع الجنرال ساديو كامارا مهندس الانسحاب الفرنسي والدخول الروسي إلى مالي (من الويب)
ولكن الصراع دخل مرحلة جديدة عام 2012، حين سيطر المتمردون الطوارق والعرب على شمال مالي، وهو ما يشكل ثلثَي مساحة البلاد، وعلى الرغم من استعادة مالي السيطرة على هذه المناطق بفضل تدخل عسكري فرنسي عام 2013، إلا أن التمرد لم يتوقف وفشلت محاولات عقد اتفاق سلام، حتى عام 2024 حين أعلن المجلس الأعلى لوحدة أزواد والحركة الوطنية لتحرير ازواد، وحركات عديدة أخرى، الاندماج في «جبهة تحرير أزواد»، وذلك إثر فشل اتفاق السلام الموقع في الجزائر عام 2015.
مدينة كيدال تعود إلى الواجهة كرمز للصراع التاريخي في شمال مالي
اللاعب الأقوى في مالي يتمثل في «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين»، وهي جماعة جهادية تتبع لتنظيم القاعدة يقودها إياد اغ غالي الذي ينحدر من قبيلة ايفوغاس الطوارقية في كيدال شمال مالي، والذي قاد تمرّد 1990 ثم عمل كدبلوماسي في الحكومة المالية، قبل أن يتحول للتشدد بعد عمله كوسيط مع تنظيم القاعدة، ويؤسس ما يُعرف بـ«جماعة أنصار الدين» عام 2011.
في عام 2017 ظهرت «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» كتحالف بين أربع مجموعات جهادية هي: أنصار الدين، كتيبة ماسينا، المرابطون وإمارة الصحراء، لتكون بذلك أقوى تحالف جهادي في منطقة الساحل، يمتد نفوذه من شمال ووسط مالي، إلى مناطق من النيجر وتوغو وبنين بوركينا فاسو، وصولاً إلى شمال نيجيريا.
مرّت العلاقة بين المتمردين الطوارق في شمال مالي وتنظيم القاعدة بفترات مدّ وجزر منذ عام 2011، إذ واجه الطرفان معاً الجيش المالي في تمرّد 2012، وتمكنا من دخول مدن تمبكتو وغاو وكيدال، وسيّروها باتفاق ضمني، لكن سرعان ما اندلعت الخلافات بينهما بسبب تطبيق الشريعة، لتندلع مواجهات مسلحة بينهما أسفرت عن انتصار القاعدة.
وأمام تزايد قوة تنظيم «القاعدة»، وشروعها في الزحف نحو جنوب مالي، وخاصة العاصمة باماكو مطلع عام 2013، تدخلت فرنسا بطلب من سلطات مالي، وأطلقت عملية «سيرفال» العسكرية، واستعادت السيطرة على الإقليم.
تحالف النقيضين
اليوم تربط الجماعتين علاقة معقدة، فهذا التناقض الأيديولوجي واختلاف الأهداف لم يمنع تعاونهما في مناسبات عدة، فالتحالف بين النقيضين مستمر منذ سنوات يخبو ويشتد بحسب طبيعة الوضع على الأرض.
تحالفات متناقضة بين الطوارق وتنظيم القاعدة تعقّد المشهد الأمني
وبحسب معهد «جيمس تاون» الأميركي، فإن الطرفين ومنذ منتصف 2025 نفّذا هجمات مشتركة ضد الجيش المالي و«الفيلق الأفريقي»، كما أن للطرفين عدواً واحداً ومعظم المقاتلين ينحدرون من نفس المنطقة.
دولة هشة
يستمد التمرد المسلح في مالي قوته وعناصر بقاءه، من ضعف وهشاشة نموذج الدولة في مالي، جراء الانقلابات العسكرية المتعاقبة التي أضعفت الدولة وغذّت التمرد.
شهدت مالي أربع انقلابات عسكرية منذ استقلالها عن فرنسا قبل ستة عقود، كان آخرها انقلابَين متتاليين خلال عامَي 2020 و2021، قادهما الجنرال آسيمي غويتا، والذي رفع شعار إصلاح الجيش والقضاء على الإرهاب، وبدأ بطرد القوات الفرنسية من مالي، ثم ألغى الاتفاقيات العسكرية معها وحاصر تواجدها الاقتصادي، بهدف استعادة سيادة الدولة المالية، أعقبها بقطيعة مع الغرب وفتح الباب أمام تعاون مع دول على رأسها روسيا ثم الصين وتركيا.
أنشأ المجلس العسكري الحاكم في مالي مع هذه الدول شراكة قائمة على احترام السيادة الوطنية. ونجحت هذه الشراكة إلى حد ما في البداية، حيث زوّدت هذه الدول مالي بأسلحة ومسيّرات، كما دعمتها عملياتياً على الأرض كما هو الحال مع «فيلق أفريقيا» التابع لوزارة الدفاع الروسية.
وهكذا أصبحت مالي بوابة روسيا لدخول المنطقة الغنية بالثروات المعدنية.
التدخل الخارجي
تتهم مالي فرنسا بالتدخل ودعم الجماعات المسلحة والقاعدة، من أجل تقويض مسار القضاء على التطرف، فيما تتهم روسيا خصمها الأوكراني بالدخول على الخط، من خلال تزويد الجماعات المتطرفة بأسلحة ومسيّرات انتحارية، وهو ما تنفيه هذه الجماعات.
لكن تقارير عدّة تفيد بحصول «جبهة تحرير أزواد» على دعم لوجستي من أوكرانيا في المعركة التي حصلت في منطقة تينزاواتين، أقصى شمال مالي، وأدّت لمقتل العديد من عناصر شركة «فاغنر» الأمنية الروسية، قبل قرابة ثلاث سنوات.
أزمة سياسية خانقة
تقف مالي الآن عند أعتاب مرحلة حرجة، تواجه فيها احتمالات عديدة، منها حصول انقلاب عسكري جديد يدشّن مرحلة انتقالية جديدة، أو أن تسيطر «القاعدة» وهي التي تسعى لقيام دولة إسلامية في الساحل، أو تواجه خطر التقسيم في حال سيطرت «جبهة تحرير أزواد» التي تسعى لاستقلال شمال البلاد.
يقول محللون إن الهجمات الأخيرة تشكل تحدياً أمنياً خطيراً أمام السلطات الانتقالية تهدد باشتعال منطقة الساحل الأفريقي بأكملها، في وقت أعلن المتحدث باسم «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين»، الثلاثاء، عن حصار تنوي «القاعدة» فرضه على باماكو وكاتي.





