الأردن وفلسطين.. شعب واحد في التاريخ والمصير والهوية

الأردن وفلسطين.. شعب واحد في التاريخ والمصير والهوية
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
في خضم النقاش المتجدد حول الهوية الأردنية والفلسطينية، ينبغي ألا نسمح لحساسية المرحلة أن تدفعنا إلى قراءة التاريخ بمنطق الانقسام، أو إلى تحويل الأصل والمنبت إلى معيار للمواطنة والانتماء. فالأردن وفلسطين يجمعهما تاريخ وجغرافيا وثقافة وروابط اجتماعية ومصير مشترك، وما يجمع الشعبين أكبر بكثير مما يمكن أن تفرقه المصطلحات السياسية الطارئة.
ولا ينبغي أن ننسى في هذا السياق المقولة الشهيرة للمغفور له الملك الحسين بن طلال، بأن الأردن بلد «الأنصار والمهاجرين»، وهي عبارة تختزل رؤية وطنية أرادت للأردن أن يكون وطناً جامعاً، لا ساحة للتصنيف بين أبنائه. وقد واصل جلالة الملك عبدالله الثاني هذا النهج في التأكيد على وحدة المجتمع الأردني، ورفض محاولات زرع الفرقة بين مكوناته، والتمسك في الوقت ذاته بثوابت الأردن ودوره التاريخي تجاه فلسطين.
فالفلسطيني والأردني ليسا شعبين متخاصمين، وإنما أبناء فضاء تاريخي وحضاري واحد، تجمعهم الثقافة واللغة والعادات والمصاهرة والتاريخ والجغرافيا. وفي الأردن، لا ينبغي أن تكون أصول الإنسان معياراً لحقوقه أو مواطنته؛ فمن يحمل الجنسية الأردنية وفق القانون هو أردني، كامل الحقوق والواجبات، ولا يجوز أن تتحول عبارة «أردني من أصل فلسطيني» إلى انتقاص من أردنيته، كما لا يجوز أن يتحول الأصل الأردني إلى امتياز فوق المواطنة.
إن الحديث عن وحدة المجتمع الأردني لا يعني بأي حال من الأحوال إنكار الهوية الوطنية الفلسطينية أو الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني. وهنا تحديداً يكمن الفارق الجوهري: الفلسطينيون يتمسكون بحقوقهم الوطنية والتاريخية، وفي مقدمتها حق تقرير المصير وإقامة دولتهم المستقلة وحق العودة، في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي وسياسات الاقتلاع والاستيطان والتهجير.
وهذا التمسك بالحقوق الفلسطينية لا يتعارض مع الأردنية، ولا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره تهديداً للأردن. كما أن الدفاع عن الأردن وسيادته واستقراره لا يعني التخلي عن فلسطين.
لقد كانت وحدة الضفتين عام 1950 محطة تاريخية عميقة في مسيرة الشعبين، ثم جاء قرار فك الارتباط عام 1988 في سياق سياسي وقانوني معروف، لكن هذه التطورات لم تستطع أن تمحو الروابط الاجتماعية والتاريخية التي تربط الأردنيين والفلسطينيين.
ومن هنا، فإن المطلوب اليوم ليس إعادة إنتاج ثنائية «شرق أردني وفلسطيني»، ولا فتح أبواب التصنيف والاتهام، وإنما ترسيخ مفهوم المواطنة المتساوية، واحترام خصوصية الدولة الأردنية، والتمسك في الوقت ذاته بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره واستقلاله.
الأردن وطن الأردنيين جميعاً، وفلسطين حق شعبها وتاريخها ومستقبلها. وبينهما ليست حدود الكراهية، وإنما جسور التاريخ والجغرافيا والمصالح والمصير.
لا فرق في الكرامة والحقوق بين أردني وأردني، ولا ينبغي أن يكون الأصل سبباً للتمييز. والفلسطيني الذي يحمل الجنسية الأردنية هو مواطن أردني كامل الحقوق، وتمسكه بفلسطين وحقوق شعبه لا ينتقص من أردنيته.
إن وحدتنا الحقيقية لا تقوم على إنكار الاختلاف، بل على احترامه، ولا على محو التاريخ، بل على فهمه.
الأردن وفلسطين.. وحدة تاريخ وثقافة ومصير، والأردن أولاً دولةً ومواطنةً وسيادة، وفلسطين حقاً وتقريراً للمصير ودولةً واستقلالاً.

