الإرهاب اليهودي للمستوطنين تهديد استراتيجي لما يسمى أمن إسرائيل

الإرهاب اليهودي للمستوطنين تهديد استراتيجي لما يسمى أمن إسرائيل
اعداد وتقرير المحامي علي ابوحبله
يسجل معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي في تقرير حديث نشره حول ظاهرة “العنف القومي اليهودي” أو ما يُعرف إعلاميًا بـ“إرهاب المستوطنين” في الضفة الغربية، أنّ هذه الظاهرة لم تعد حادثًا هامشيًا أو منفلتًا من السياق، بل تحوّلت خلال العامين الأخيرين إلى عامل خلخلة خطير في منظومة الأمن الإسرائيلي، وتهديد استراتيجي لاستقرار الضفة الغربية، يفرض أعباءً أمنية وسياسية وقانونية على الجهات الرسمية في إسرائيل، ويفضح اختلالات عميقة في إدارة الاحتلال للأراضي الفلسطينية.
تزايدت خطورة الظاهرة خاصة بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، حيث تشير المعطيات الميدانية إلى انتقال مجموعات يهودية متطرفة من نمط العنف الفردي إلى نمط أكثر تنظيمًا وتخطيطًا، يهدف إلى فرض وقائع على الأرض والإخلال المتعمد بالتوازن الديموغرافي في أجزاء واسعة من الضفة، لا سيما المنطقة المصنفة (C).
تصاعد ميداني غير مسبوق
يخلص التقرير إلى أن حجم الظاهرة اتسع بصورة لافتة. فوفق معطيات قيادة المنطقة الوسطى في الجيش الإسرائيلي، سجلت نسبة الزيادة في الاعتداءات القومية اليهودية نحو 27% في العام 2025، بما يقارب 870 حادثة. أما الأمم المتحدة فتعرض صورة أكثر حدة، إذ سجلت خلال العام 2024 ما يزيد عن 1,420 اعتداءً ضد فلسطينيين، نتج عنه قتلى ومصابون وعائلات مهجّرة، وتجاوز العدد في 2025 حاجز 1,770 اعتداءً.
اللافت وفق التقرير أنّ التصعيد لم يرتبط بمعدل التصادم مع الفلسطينيين؛ ففي الربع الأول من 2025 ارتفعت الاعتداءات اليهودية بـ30% رغم تراجع العمليات الفلسطينية بـ44%، ما يعكس أن الدوافع ليست رد فعل، بل سياسة أمر واقع تسعى إلى السيطرة على الأرض وتغيير معالمها السكانية.
خرائط السيطرة: البؤر والمزارع نموذجًا
يسجل التقرير تناميًا ملحوظًا في توسع المزارع والبؤر الاستيطانية غير القانونية التي أقيمت بعيدًا عن الرقابة الرسمية، لكنها حظيت لاحقًا بتشريعات قانونية وتسهيلات مالية وإدارية من جهات حكومية. وتُظهر دراسات ميدانية أن هذه البؤر باتت أداة للاستيلاء على مساحات شاسعة من الضفة، وأن نحو 63% من الاعتداءات ارتبطت بها بصورة مباشرة.
وتشير تقديرات حقوقية إسرائيلية إلى أن هذا الأسلوب أسهم في السيطرة على نحو 14% من مساحة الضفة عن طريق فرض وقائع جغرافية وديموغرافية، وأدى إلى استنزاف الفلسطينيين ودفع بعضهم إلى الهجرة القسرية من قراهم ومضاربهم، خصوصًا في مناطق الأغوار وشمال الضفة وجنوب الخليل.
مجموعات عقائدية خارج سلطة الدولة
يُسلّط تقرير معهد الأمن القومي الضوء على مجموعات شبابية يُطلق عليها “شبيبة التلال”، تتبنى طرحًا دينيًا–قومياً متطرفًا يقوم على فكرة رفض سلطة الدولة والتشكيك في شرعية مؤسساتها، بما في ذلك الجيش والشرطة، إذا ما تعارضا مع مشروع الاستيطان والتوسع. ويؤكد التقرير أن هذه المجموعات لا تتردد في الاحتكاك بقوات الجيش والاعتداء على عناصرها، ما يطرح تساؤلات حول قدرة الدولة على احتكار أدوات القوة داخل الأراضي المحتلة.
ويرى بعض كبار المسؤولين الأمنيين السابقين في إسرائيل، ومنهم رؤساء سابقون لجهاز الشاباك، أنّ هذه الظاهرة خرجت عن السيطرة وتشكل خطرًا مباشرًا على المنظومة السياسية والأمنية والقانونية الإسرائيلية.
فشل إنفاذ القانون وتبعاته
يسجّل التقرير فجوة كبيرة بين تعامل الأجهزة الإسرائيلية مع الفلسطينيين والمستوطنين المتطرفين. ففي حين تُستخدم أدوات قانونية رادعة وقاسية ضد الفلسطينيين، يتمتع المستوطنون بحصانة شبه كاملة، إذ تغلق نحو 90% من الملفات دون لوائح اتهام، فيما يمتنع غالبية الضحايا الفلسطينيين عن تقديم شكاوى لغياب الثقة بالخيط القضائي والأمني الإسرائيلي.
هذا الخلل القانوني — وفق التقرير — يكرس شعورًا بالإفلات من العقاب، ويفتح الباب أمام تطرف إضافي، ويضعف قدرة الجيش على فرض النظام، ويُظهر أمام المجتمع الدولي أن إسرائيل تتسامح أو تتواطأ مع العنف الممنهج في إطار مشروع استيطاني ذي أهداف استراتيجية بعيدة المدى.
الانعكاسات الاستراتيجية والدولية
يؤكد التقرير أن آثار هذه الظاهرة باتت تتجاوز الإطار الأمني المباشر، لتطال مستويات أخرى، أبرزها:
استنزاف الجيش وتحويله من مؤسسة عسكرية تقليدية إلى جهاز فصل بين تجمعات سكانية متنازعة.
تهديد السيادة الداخلية عبر تحدي مجموعات عقائدية لسلطة الدولة واحتكارها للعنف.
العزلة الدولية نتيجة تصوير هذه الاعتداءات كسياسة رسمية أو جزء من مشروع تطهير عرقي وتهجير صامت، وهو ما يتفاعل مع ملفات المحكمة الجنائية الدولية والمواقف الأوروبية الجديدة.
خاتمة التقرير
يخلص معهد أبحاث الأمن القومي إلى أنّ الإرهاب اليهودي في الضفة الغربية تهديد أمني–استراتيجي لإسرائيل، وأنّ المعالجة الجدية، القائمـة على فرض القانون دون استثناءات سياسية أو أيديولوجية، ليست ضرورة أخلاقية فحسب، بل مصلحة أمنية واستراتيجية لإسرائيل نفسها، وللنظام السياسي الذي تدعي تمثيله.
في مقابل ذلك يفتح التقرير تساؤلات حول مستقبل الاستيطان وطبيعة الدولة التي تسعى إسرائيل إلى تكريسها في الضفة: هل نحن أمام استيطان في خدمة الدولة، أم أمام جماعات استيطانية تتجه لأن تكون دولة داخل الدولة؟




