مقالات

«الإسلام الذي يصنع النهضة… والإسلام الذي اختصرناه في شعار».

«الإسلام الذي يصنع النهضة… والإسلام الذي
اختصرناه في شعار»..

الأستاذ: علي او عمو
كاتب من المغرب

هناك مفارقة تستحق أن نتوقف عندها طويلاً: دول لا
تضع كلمة «الإسلام» في اسمها، ولا تجعلها شعاراً
سياسياً، ولا تتحدث كثيراً عن «الدولة الإسلامية»،
لكنها تنجح في تطبيق قيم مثل احترام القانون،
ومحاربة الفساد، وحماية المال العام، ومحاسبة
المسؤول، واحترام الوقت، وإتقان العمل، وتوفير تعليم
جيد، وتشجيع البحث العلمي.
وفي المقابل، توجد دول تضع الإسلام في صدارة
خطابها الرسمي، وتؤكد في دساتيرها هويتها
الإسلامية، لكنها تعاني من الفساد والمحسوبية وضعف
المؤسسات وتراجع التعليم والبحث العلمي وهدر
الطاقات والكفاءات.
وهنا يفرض الواقع سؤالاً لا ينبغي الهروب منه:
هل يكفي أن نقول إننا مسلمون، أم أن الإسلام الحقيقي
يبدأ عندما تتحول مبادئه إلى سلوك ومؤسسات وواقع؟
الإسلام ليس لافتة على باب الدولة
الإسلام ليس مجرد هوية سياسية، ولا كلمة تضاف إلى
الدستور، ولا شعارات ترفع في المناسبات.

جوهر الإسلام يظهر في العدل والأمانة والرحمة وحفظ
الحقوق وإتقان العمل ومحاربة الظلم والفساد واحترام
الإنسان.
فحين يكون القانون فوق الجميع، وحين لا يحتاج
المواطن إلى واسطة للحصول على حقه، وحين يُحاسَب
المسؤول عن أخطائه، وحين يُصان المال العام، وحين
يحصل الإنسان على فرصة وفق كفاءته لا وفق
علاقاته؛ فإننا أمام قيم تتوافق بوضوح مع مبادئ
إسلامية أساسية.
أما أن تُكتب أجمل العبارات عن العدل والأمانة في
الوثائق الرسمية، ثم يكون الواقع مختلفاً، فالمشكلة هنا
ليست في النص، وإنما في الفجوة بين النص
والتطبيق.
مفارقة «مؤشر الإسلامية»
هذه المفارقة دفعت باحثين إلى محاولة قياس مدى
توافق الدول مع مجموعة من المبادئ التي اعتبراها
ذات صلة بالقيم الإسلامية.
ومن أبرز هذه المحاولات دراسة Islamicity
Index التي أعدها الباحثان حسين عسكري وشهرزاد

رحمن، والتي شملت جوانب اقتصادية وقانونية
وسياسية واجتماعية وعلاقات دولية.
والنتيجة التي أثارت الاهتمام أن عدداً من الدول غير
المسلمة جاء في مراتب متقدمة، بينما تأخرت معظم
الدول ذات الأغلبية المسلمة.
ولا يعني ذلك أن الدراسة تقول إن تلك الدول أصبحت
«إسلامية» أو أن شعوبها أكثر تديناً؛ فالمؤشر لا
يقيس العقيدة أو العبادات، وإنما يقيس مدى توافق
بعض الممارسات والمؤسسات مع مبادئ اعتبرها
الباحثان إسلامية.
وهنا تكمن المفارقة التي تستحق التأمل:
قد نجد قيمة إسلامية تُطبَّق في دولة لا تسمي نفسها
إسلامية، بينما نجدها غائبة أو ضعيفة في دولة ترفع
شعار الإسلام.
العدل أول الطريق
لا يمكن لأي دولة أن تبني نهضة حقيقية من دون
عدالة.
فالفساد لا يسرق المال فقط؛ بل يسرق المستقبل.

عندما تُنهب الموارد، تتراجع المدارس والمستشفيات
والبنية التحتية. وعندما تنتشر المحسوبية، تتراجع
الكفاءة. وعندما يشعر المواطن بأن القانون لا يطبق
على الجميع، تنهار الثقة في المؤسسات.
ولهذا فإن محاربة الفساد ليست مجرد مطلب إداري أو
اقتصادي؛ إنها في جوهرها قضية أخلاقية.
وإذا كان الإسلام قد جعل العدل قيمة مركزية، فإن
تطبيق العدل يجب أن يظهر في القضاء والإدارة
والاقتصاد والتعليم وفي توزيع الفرص، لا أن يبقى في
الخطب.
العلم الذي نمدحه… ولا نستثمر فيه
من المفارقات أيضاً أن كثيراً من المجتمعات الإسلامية
تتحدث عن مكانة العلم في الإسلام، لكنها لا تمنح
التعليم والبحث العلمي المكانة التي يستحقانها في
ميزانياتها وسياساتها.
العالم اليوم لا ينتظر من يملك أكبر عدد من الشعارات،
وإنما من يملك المعرفة والتكنولوجيا والجامعات
والمختبرات والعقول المبدعة.

الدولة التي تستثمر في الإنسان تبني ثروتها الحقيقية.
والدولة التي تهمل المدرسة والجامعة والبحث العلمي
ستظل تستهلك ما ينتجه الآخرون، مهما كانت ثرواتها
الطبيعية.
فإذا كان العلم قيمة إسلامية، فإن الاستثمار في العلم
ليس خياراً ثانوياً، وإنما ينبغي أن يكون جزءاً من
مشروع النهضة.
إتقان العمل… من العبادة إلى ثقافة الدولة
التقدم لا تصنعه الخطب، بل يصنعه العمل.
المهندس الذي يتقن تصميمه، والطبيب الذي يؤدي
واجبه، والمعلم الذي يعلّم بإخلاص، والموظف الذي
يحترم وقت المواطن، والعامل الذي يحافظ على جودة
إنتاجه؛ هؤلاء جميعاً يساهمون في بناء الدولة.
المشكلة أن بعض المجتمعات تتحدث كثيراً عن فضائل
العمل، لكنها لا تجعل الإتقان والمساءلة والكفاءة
معايير حقيقية في الإدارة والاقتصاد.

بينما الدول التي تقدمت جعلت هذه القيم جزءاً من ثقافة
مؤسساتها، بغض النظر عن الشعارات الدينية التي
ترفعها.
المشكلة ليست في الإسلام
وهنا يجب أن تكون الرسالة واضحة:
إذا كانت دول إسلامية تعاني من التخلف والفساد
وضعف المؤسسات، فلا ينبغي أن نضع المسؤولية
على الإسلام.
الإسلام لم يأمر بالفساد، ولم يدعُ إلى الجهل، ولم يجعل
المحسوبية معياراً للكفاءة، ولم يجعل المال العام
غنيمة، ولم يقل إن المسؤول فوق المحاسبة.
المشكلة في المسلمين حين لا يطبقون ما يؤمنون به.
فلا يجوز أن نحمّل المبادئ مسؤولية فشل الذين لم
يطبقوها.
بين «إسلام الهوية» و«إسلام السلوك»
ربما يكون العالم الإسلامي بحاجة إلى الانتقال من
مرحلة إسلام الهوية إلى مرحلة إسلام السلوك.

أن ننتقل من السؤال: «هل نحن مسلمون؟» إلى سؤال
أكثر صعوبة: «هل نتصرف كمسلمين في مؤسساتنا
واقتصادنا وتعليمنا وإدارتنا؟»
أن نقيس نجاحنا بعدد العلماء الذين ننتجهم، لا بعدد
الشعارات التي نرفعها.
وأن نقيس عدالتنا بمدى حصول الضعيف على حقه، لا
بعدد الخطب التي تتحدث عن العدل.
وأن نقيس أمانتنا بمدى صيانة المال العام، لا بكثرة
الحديث عن الأمانة.
وأن نقيس تقدمنا بجودة مدارسنا وجامعاتنا
ومستشفياتنا ومصانعنا، لا بعدد الكلمات التي نكتبها
عن النهضة.
الخلاصة: لو طبقنا ما نقول
لو أخذت الدول التي ترفع شعار الإسلام بتعاليمه
المتعلقة بالعلم والعمل والعدل والأمانة وإتقان العمل
ومحاربة الفساد وحفظ الحقوق، وحولتها من مبادئ
أخلاقية إلى سياسات عامة ومؤسسات فعالة وثقافة
مجتمعية، لكان لذلك أثر عميق في مسار التنمية.

لكن النهضة لا تأتي بمجرد الانتساب إلى دين عظيم.
النهضة تحتاج إلى عمل.
والعدالة تحتاج إلى مؤسسات.
والعلم يحتاج إلى استثمار.
ومحاربة الفساد تحتاج إلى إرادة ومحاسبة.
والقانون يحتاج إلى أن يكون فوق الجميع.
والإسلام يحتاج، قبل كل شيء، إلى أن يتحول من
شعار نتحدث عنه إلى قيم نعيشها.
فربما تكون الرسالة الأهم التي ينبغي أن نواجه بها
أنفسنا اليوم:
ليس المهم أن نكتب في الدستور أننا دولة إسلامية، بل
أن يستطيع المواطن أن يرى الإسلام في عدالة
القضاء، وأمانة الإدارة، ونزاهة المسؤول، وجودة
التعليم، وإتقان العمل، وصيانة المال العام، واحترام
الإنسان.
عندها فقط يصبح الشعار حقيقة.
وعندها لا نحتاج إلى أن نقول إننا مسلمون؛ لأن
سلوكنا ومؤسساتنا وعدالتنا ستقول ذلك عنا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب