فلسطين

الاحتلال الإسرائيلي وأعياده… تكثيف «السيطرة» على حياة الفلسطينيين وزمنهم

الاحتلال الإسرائيلي وأعياده… تكثيف «السيطرة» على حياة الفلسطينيين وزمنهم

سعيد أبو معلا

الضفة – : تسأل المقدسية والناشطة لمى غوشة سؤالًا قصيرًا ومباشرًا مفاده: لماذا تغلق القدس في «عيد الكيبور» (عيد الغفران) اليهودي؟ وهي بذلك تبدو كمن يرمي حجرًا كبيرًا في بئر الواقع المقدسي، في ظل تنامي تأثيرات الأعياد اليهودية على المقدسيين ومدينتهم، وعموم المناطق الفلسطينية.
ولا يبدو السؤال السابق متعلقًا بمدينة القدس المحتلة وحدها، رغم أنها تشهد أكبر عملية تهويد مقارنة مع سنوات سابقة، وتحديدًا في ظل أن أعياد اليهود تبدو اليوم أكبر وأكثر تأثيرًا على حياة الفلسطينيين.
ولا تقتصر تأثيرات الأعياد على المسجد الأقصى أو سكان وتجار البلدة القديمة في مدينة القدس، بل تمتد لتشمل كافة المناطق، فمثلًا يمكن النظر إلى الجسر البري الذي يحمل اسم معبر الكرامة وتعديلات الدوام فيه، والتي تشير إلى أن حياة الفلسطينيين تتحول إلى جحيم مع هذه الأعياد.
ويُعد «يوم الغفران» أقدس أعياد اليهود، وهو اليوم الوحيد الذي تفرض الشريعة عليهم صيامه، وتمنع فيه الحركة بصورة كاملة، وفيه أيضًا تشدد سلطات الاحتلال الإسرائيلي الخناق على الفلسطينيين. وفي العام 2015 اعترفت الأمم المتحدة بـ»يوم الغفران» بوصفه عطلة رسمية، لأول مرة في تاريخ المنظمة، حيث يستطيع من يحتفل بالعيد اليهودي الحصول على يوم عطلة.
و»يوم الغفران»، الذي يسمى بالعبرية (الكيبور)، هو المتمم لأيام التوبة والغفران العشرة التي تبدأ بيوم رأس السنة العبرية الجديدة، ويُعد «يوم الغفران»، الذي يحل بعد ثمانية أيام من بدء السنة العبرية الجديدة، من أهم الأعياد اليهودية بحسب التوراة والكتاب المقدس بالعهد القديم، وهو يوم يؤمن به جميع اليهود، حتى العلمانيون منهم، إذ يتم فيه الصوم لمدة 25 ساعة تكرس لمحاسبة النفس والتكفير والتطهير من الذنوب وإقامة الصلوات والشعائر التلمودية في الكنس، حيث يتوجه اليهودي إلى الخالق بالصلوات والاستغفار ليكفر عنه ذنوبه وسيئاته التي ارتكبها بحق الله والبشر كذلك.

ناشطة مقدسية: لماذا تغلق القدس في «عيد الغفران» اليهودي؟

وحسب العقيدة اليهودية، فإن «يوم الغفران» هو اليوم الذي نزل فيه النبي موسى عليه السلام من سيناء (شمالي شرقي مصر) للمرة الثانية، ومعه ألواح الشريعة، حيث أعلن أن الرب غفر لليهود خطيئتهم في عبادة العجل الذهبي.
تضيف غوشة على سؤالها السابق، في فيديو نشرته على صفحتها، قائلة إن سؤالها السابق يجب الإجابة عنه بصراحة. وأضافت: «ليش أصحاب المحلات في القدس بيسكروا محلاتهم في أعياد اليهود؟ إذا أي إجابة بديهية بدك تقولي لأنو الطرق مغلقة، بس أنا بحكيلك إنه مش كل الطرق مغلقة، وعن جد ممكن يكون في زباين، وإنت أصلًا مين الزباين المستهدفهم؟ اللي هم الفلسطينيين الموجودين حواليك، صح؟».
وعقبت قائلة: «منظر البلد (القدس) يعني دائمًا هو كئيب، أو في معظم أحواله كئيب، ولكن اليوم كئيب بشكل مضاعف، يعني من ساعات الصبح الأولى في كتير محلات مسكرة في الشوارع الرئيسية، في شارع الزهرة، في شارع صلاح الدين، محلات ملابس، محلات طعام».

الأسواق في يوم الغفران

وفي السياق ذاته، ينشر المصور والناشط المقدسي منير قليبو فيديو صوره بنفسه، ويشير إلى أنه يعكس أسواق البلدة القديمة في القدس في يوم الغفران.
ويضيف: «يوم الغفران مناسبة دينية يهودية لها قدسيتها عند المؤمنين بها؛ يوم للصيام والصلاة والتوبة والاستغفار، وهذا حق نحترمه كما نحترم حق كل إنسان في ممارسة شعائره. لكن السؤال الذي يطرحه هذا المشهد مختلف: لماذا يتحول عيد فئة من الناس إلى يوم تتوقف فيه حياة فئة أخرى؟».
ويشدد قليبو على أن القدس الفلسطينية تحتفل بأعيادها الإسلامية والمسيحية، وتدفع أثمانًا اقتصادية كبيرة في أيام الإغلاق والقيود. ثم تأتي مناسبات يهودية ووطنية إسرائيلية محددة، فتتشدد القيود وتتراجع الحركة، وتفرغ الأسواق، ويجد التاجر المقدسي نفسه أمام يوم آخر من الخسارة.
وغير بعيد عن القدس، وبالذريعة ذاتها، أغلقت قوات الاحتلال الحرم الإبراهيمي الشريف في مدينة الخليل أمام المواطنين لأيام، وذلك بذريعة تأمين احتفالات المستوطنين بالأعياد اليهودية، كما عرقلت العملية التعليمية في مدرسة الفيحاء الأساسية للبنات، وأوقفتها بشكل كامل في المدرسة الإبراهيمية الأساسية للبنين.
واستنكر مدير أوقاف الخليل أمجد كرجة إغلاق الحرم الإبراهيمي بذريعة تأمين احتفالات المستوطنين بالأعياد اليهودية، واصفًا ذلك بأنه تعدٍّ سافر على حرمته واعتداء على حق المسلمين في الوصول إلى أماكن عبادتهم.
وقالت مصادر محلية إن قوات الاحتلال شددت إجراءاتها العسكرية في محيط الحرم الإبراهيمي، وأغلقت الحواجز العسكرية والبوابات الإلكترونية المؤدية إليه، ما أعاق وصول الطلبة والهيئات التدريسية إلى مدرستي الإبراهيمية الأساسية للبنين والفيحاء الأساسية للبنات، وتسبب في وقف العملية التعليمية بشكل كامل في المدرسة الإبراهيمية وعرقلتها في مدرسة الفيحاء.
وأضافت أن قوات الاحتلال كثفت وجودها العسكري على المداخل المؤدية إلى الحرم الإبراهيمي، لتأمين وصول المستوطنين إلى مدينة الخليل والمواقع الأثرية، كما أغلقت عددًا من البوابات المؤدية إلى أسواق البلدة القديمة.
وأشارت إلى أن ذلك تزامن مع تشديد الإجراءات العسكرية على الحواجز التي أقامتها قوات الاحتلال على مداخل أحياء جابر والسلايمة وغيث ووادي الحصين، المحاذية لمستوطنة «كريات أربع» المقامة على أراضي المواطنين شرق مدينة الخليل.
وغالبًا ما يستغل الاحتلال الأعياد اليهودية لإغلاق الطرق وفرض قيود مشددة على حركة الفلسطينيين في الضفة الغربية، بما فيها القدس، ما يفاقم معاناتهم اليومية، ويعمق القيود المفروضة على حرية العبادة والتنقل، في وقت تُمنح فيه التسهيلات للمستوطنين.

إغلاق الحرم الإبراهيمي

وفي السياق التهويدي ذاته، تواصل سلطات الاحتلال إغلاق المسجد الإبراهيمي في مدينة الخليل، جنوبي الضفة الغربية، لليوم الثالث على التوالي، بذريعة حلول يوم الغفران اليهودي، في وقت يستمر فيه منع رفع الأذان في المسجد منذ 90 يومًا.

ويقع المسجد الإبراهيمي في البلدة القديمة من مدينة الخليل، التي تخضع لسيطرة إسرائيلية كاملة، وفي الأعياد اليهودية يُفرض حظر التجول على السكان.

تقويم زمني آخر

يعقب الباحث الفلسطيني والأسير المحرر باسم خندقجي على مجمل المشهد، ويرى أن ما يجري يظهر أن ثمة تقويمًا زمنيًا آخر للفلسطينيين الخاضعين لنير الاستيطان الصهيوني، ألا وهو تقويم الأعياد اليهودية والقومية في السياق الصهيوني، حيث يضفي الفلسطيني على إيقاع الوقت بعدًا آخر ومغايرًا، بمستوييه الفردي والجماعي.
ويقول عن هذا هو «بُعد التكيف مع الزمن الاستيطاني الذي يخترق بكل عنفه الفضاء الزمني الفلسطيني، ليقيم فيه كمستوطنة وكتلة استيطانية وقتية مكثفة وممتدة ومقيمة في الوقت نفسه، ولتغدو أيضًا وحدات ثابتة لقياس الزمن وفق عقارب الساعة الصهيونية، التي تلدغ بدورها مسارات الفلسطيني وسعيه الدائم نحو التدفق داخل لحظاته وساعاته وأيامه».
ويتابع خندقجي دراسته للظاهرة في حديث لـ»القدس العربي»: «يحتجز المستوطن الصهيوني الفلسطيني في حيز زمني راكد نتيجة الإجراءات التي يتخذها الصهيوني تحت حجة الدواعي الأمنية، وحماية طقوس وشعائر الأعياد اليهودية المُصهينة، من نزعات الفلسطيني نحو إرباك رتابة وروتين هذه الأعياد، لتصبح هذه الإجراءات جزءًا لا يتجزأ من العقيدة الأمنية الصهيونية التي، في إمعانها في انتهاك كافة مستويات الفلسطيني الإنسانية، تُصاب بالغباء الشديد، غباء القوة والسيطرة والغطرسة، غباء يحشر الفلسطينيين في خانة التهديد الأمني الأزلي والدائم، ولهذا يتوجب على هذه العقيدة الأمنية تفتيت وتفكيك كافة الأبعاد والملامح الخاصة بالكينونة والهوية الإنسانية الفلسطينية، وأهمها الزمن. فالزمن هو الضامن والدليل الوحيد الذي يميز الإنسان عن الحيوان، وفي الحالة الصهيونية الاستيطانية فإن الأولوية القصوى للمستوطن الصهيوني هي خلخلة واختراق الزمن الفلسطيني من مختلف النواحي».

الأعياد وقيود الحركة

وفي السياق ذاته، يرى الخبير في الشأن الإسرائيلي ياسر مناع أن أبرز ما يمكن قوله هنا هو إعادة التأكيد على المثل الذي قيل قديمًا: «مصائب قوم عند قوم فوائد»، وبهذا المعنى، مع تغيير بسيط، يمكن أن يُقال: «أعياد قوم عند قوم شدائد/ مصائب».
ويقول مناع، في حديث مع «القدس العربي»، إن المثل يلخص الحالة التي يعيشها الفلسطينيون في ظل الاحتلال الإسرائيلي، وفي ظل الأعياد اليهودية المتعددة، التي تختلف في طقوسها وشعائرها.
وتترك الأعياد اليهودية، التي تتناثر خلال أيام السنة، تأثيرها في الإغلاق التام لمعابر الضفة الغربية وقطاع غزة، وكذلك على حركة السفر عبر «الجسر»، المتنفس الوحيد لأهالي القدس والضفة مع العالم الخارجي، إلخ.
ويحتفل اليهود بعدة أعياد خلال العام العبري، وتختلف في طقوسها فيما يتعلق بالصوم أو الاحتفالات.
ففي آذار / مارس يحل موعد «عيد المساخر/ البوريم»، وفيه ذكرى خلاص اليهود وخروجهم من بلاد فارس. وفي شهر نيسان/ أبريل يجري الاحتفال بـ»عيد الفصح»، الذي يوافق ذكرى خروج بني إسرائيل من مصر. وفي حزيران / يونيو يأتي عيد «نزول التوراة»، أو ما يُعرف باسم «عيد الأسابيع».
أما في آب / أغسطس، فيحتفل اليهود في «إسرائيل» بذكرى «خراب الهيكل». ويأتي بعدها، تحديدًا في أيلول / سبتمبر، وتشرين الأول / أكتوبر، «يوم الغفران»، الذي يمثل بالنسبة لليهود آخر فرصة لهم في طلب المغفرة خلال العام، وكذلك «عيد العرش»، الذي يستمر لثمانية أيام، ويرمز لسنوات ترحال بني إسرائيل في صحراء سيناء، وكذلك «عيد الأنوار/ الحانوكاة»، الذي يشير إلى إنارة وتدشين «هيكل سليمان» من جديد.
وقال مناع إن هناك تحولًا كبيرًا ما بين واقع الأعياد اليهودية ما قبل السابع من تشرين الأول / أكتوبر وما بعده، حيث كان سابقًا، في فترة الترابط الكبير بين الداخل والضفة بفعل العمال والتجارة مثلًا، يشعر كافة الفلسطينيين بالأعياد وأثرها الكبير عليهم عبر سياسة الإغلاق ووقف حركة العمال.
لكن بعد السابع من تشرين الأول / أكتوبر، يتابع مناع، تلاشى الفارق مع حالة الإغلاق والحصار الكبيرين على الضفة والقدس، وبالتالي فإن أكثر من يشعر بأثر العيد اليهودي على حياتنا هم المقدسيون، وكل من يمر عبر معابر الاحتلال إلى الداخل المحتل أو إلى مدينة القدس، إلى جانب بعض التجار، وكل ما يرتبط بتوريد المواد الأساسية من دولة الاحتلال، مثل الوقود.
أما المسألة الثانية، والحديث لمناع، فإن فترة الأعياد، وفي كل مرة، أصبحت تحمل لنا صورة جديدة متعلقة بالطقوس الدينية داخل المسجد الأقصى، ففي السابق كانت هناك طقوس معينة ومحدودة، فيما كان جانب من الطقوس لا توجد أي إمكانية لتطبيقه، أما اليوم فنرى أنه يتم تطبيق كل الطقوس، وفي كل عيد تضاف طقوس جديدة، وهو ما يعكس مدى تعزيز السيطرة على المقدسيين وعموم الفلسطينيين في الضفة الغربية.

«القدس العربي»

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب