دراساتمقالات

 الاستراتِيجيّةُ العَرَبيّة فِي مُواجَهةِ براغماتِيّةِ التَحالُفاتِ  بقلم حسن خليل غريب -لبنان- الجزء الاول –

بقلم حسن خليل غريب -لبنان- الجزء الاول -

 الاستراتِيجيّةُ العَرَبيّة فِي مُواجَهةِ براغماتِيّةِ التَحالُفاتِ
 بقلم حسن خليل غريب -لبنان-
الجزء الاول –
مقدمة
يعيش العالم اليوم حالة غير مسبوقة من سرعة التحول الجيوسياسية، حيث تتآكل التحالفات العقائدية والتاريخية التقليدية لصالح شبكة معقدة من التوافقات الظرفية وتقاطع المصالح. وفي هذا المشهد المضطرب، تبرز ظاهرة “التحالفات الشاذة” أو الهجينة، تلك التي تجمع بين أطراف وخصوم يختلفون جذرياً في الأيديولوجيا والتوجه، لكنهم يتقاطعون عند إدارة الأزمات والمخاطر المباشرة.
وفي المقابل، تظل “التحالفات النديّة” المرتكز الأساسي لأي استقرار استراتيجي طويل الأجل، بكونها قائمة على التكافؤ، والتكامل، والمنفعة المتبادلة. بين هذين النمطين من العلاقات الشائكة، يجد الوطن العربي نفسه أمام لحظة فارقة تتطلب الانتقال من موقع “الساحة” التي تتصارع فيها القوى الدولية والإقليمية، إلى موقع “اللاعب” الذي يُحسن استغلال مكامن قوته وتوجيه هذه التوازنات لصالح أمنه واستقراره القومي وذلك عبر مشروع قومي نهضوي واضح وشجاع.
وفي البداية لابد من استعراض اهم هذه التحالفات .
أولاً: التحالفات الشاذة أو الهجينة
من أبرز النماذج لهذه التحالفات غير المألوفة حسب صعيدها هي:
1 – دولياً: تحالف “براغماتية المصالح” بين الخصوم والمنافسين ومنها
التقاطع الروسي-الإيراني-الكوري الشمالي (حلف الاضطرار): هو تحالف بين قوى تختلف جذرياً في أيديولوجياتها بين (علمانية/قومية، إسلامية طائفية، وشيوعية مغلقة). يُعد هذا التحالف شاذاً لأنه يقوم فقط على زعم مواجهة العقوبات الغربية والهيمنة الأمريكية، وتبادل التكنولوجيا العسكرية ومصادر الطاقة، وليس على أي رؤية مشتركة لبناء النظام العالمي.
الشراكة الاقتصادية بين الغرب والشرق (الولايات المتحدة والصين): على الرغم من الصراع الجيوسياسي والعسكري المحتدم والتراشق الإعلامي، تظل العلاقات الاقتصادية والتجارية بين واشنطن وبكين في حدود متقدمة جداً، حيث يحرص الطرفان على عدم كسر الشراكة المالية والتجارية للحد الذي يضمن منع الانهيار الاقتصادي المتبادل.
الهند مع المعسكر الغربي والمحور الروسي: تُعتبر الهند عضواً بارزاً في حلف ” Quad أو الحوار الأمني الرباعي ” المصمم لمواجهة الصين مدعوماً من الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه تظل أقوى الشركاء الاقتصاديين والعسكريين لروسيا، حيث تستورد الطاقة والتسليح الروسي بكثافة، مع رفض ملحوظ للاستجابة للعقوبات الغربية.
2-إقليمياً : “تنسيق الاضداد”
التنسيق التركي–الإيراني بالرغم من الصراع الميداني: بالرغم من التنافس التاريخي والميداني الحاد في سوريا والعراق، يتقاطع الطرفان بوضوح في الملف الكردي، وكذلك في إدارة الصراع مع الكيان الصهيوني ومواجهة التهديدات الأمنية المباشرة لعقيدتهما الإقليمية.
العلاقات الروسية- “الإسرائيلية” وسط حروب المنطقة: رغم دعم روسيا لمحور طهران والتنسيق معها في عدة ساحات، حافظت موسكو على آلية “تفادي التصادم” العسكري والأمني مع الكيان الصهيوني في الأجواء السورية، مما يعكس تحالفاً وظيفياً شاذاً يجمع بين طرف حليف لإيران وطرف يعاديها.
3-عربياً: “التحالفات العابرة للأيديولوجيا والانتخابات المحلية”
تقاطع المصالح الأمنية والاقتصادية الظرفية: تجلت في المنطقة تحالفات ظرفية غير معلنة بين أطراف كانت حتى وقت قريب خصوماً أيديولوجيين. حيث فرضت التهديدات المباشرة للبنية التحتية والملاحة البحرية، بالإضافة إلى ضغوط الأزمات الاقتصادية، صياغة تفاهمات وتنسيقات أمنية وتجارية غير رسمية بين دول المحور العربي التقليدي وأطراف إقليمية أخرى.
التحالفات الانتخابية والمحلية الهجينة (على المستوى اللبناني والمحلي): تُظهر الساحات المحلية (مثل لبنان) ظاهرة التحالفات الهجينة بين أحزاب ذات مرجعيات متناقضة تماماً (كالتحالفات الظرفية بين قوى سيادية وأخرى تقليدية أو عائلية في انتخابات البلديات والنيابة)، حيث تتوارى المبادئ السياسية العريضة لصالح تقاسم النفوذ والمكاسب المحلية المحتسبة.
خلاصة المشهد:
التحالفات اليوم أصبحت وظيفية وظرفية؛ تحكمها قاعدة “عدو الأمس قد يكون شريك الملف اليوم، مع بقائه خصماً في ملف آخر”.
ثانياً: دور النظام العربي الرسمي في ورشة التحالفات السائدة
تتضح مشاركة الأقطار العربية في هذا النوع من التحالفات والتفاهمات غير المألوفة (بالنسبة الى الأطر الأيديولوجية والسياسية التقليدية) من خلال عدة مسارات رئيسية فرضتها واقعية المصالح وإدارة الأزمات:
1- تقاطع المصالح النفطية بين دول الخليج وروسيا (إطار “أوبك بلس”): تُعد الشراكة بين الدول العربية المنتجة للنفط (وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة) وروسيا الاتحادية نموذجاً بارزاً للتحالفات الاقتصادية الظرفية. فهي تنسق بشكل وثيق مع موسكو لضبط أسعار النفط والمعروض العالمي، مع التمسك بموقف الحياد المالي والسياسي تجاه العقوبات الغربية المفروضة على روسيا.
2-التنسيق الأمني والسياسي غير المباشر مع طهران وسط العدوان: بالرغم من المواجهة العربية الحادة مع إيران نتيجة لاعتداءات الاخيرة، لجأت عدة أطراف عربية إلى فتح قنوات تواصل وتفاهمات أمنية معينة (مثل الاتفاق السعودي-الإيراني برعاية صينية، وغيرها). الهدف من هذه التفاهمات ليس الاندماج الأيديولوجي، بل تحقيق اهداف محددة معينة اهمها حماية البنى التحتية والملاحة العربية وغيرها.
3- خريطة النفوذ المعقدة في ليبيا والسودان: تتجلى التفاهمات والتحالفات الشاذة في أزمات المنطقة الداخلية، حيث قد تتقاطع مصالح بعض القوى العربية ميدانياً مع قوى إقليمية أو دولية منافسة (مثل مجموعات فاغنر/الشركات الأمنية الروسية أو بعض القوى الإقليمية) في ملفات معينة كالملف الليبي أو السوداني، من أجل تحقيق توازن قوى محلي أو حماية نفوذ جيوسياسي محدد.
4-إدارة ملفات البحر الأحمر والملاحة البحرية: تفرض التهديدات الموجهة لخطوط الملاحة الدولية والتجارة في البحر الأحمر ترتيبات وتنسيقات غير علنية بين دول عربية ومتشاطئة وأطراف دولية متعددة، بهدف ضمان استمرار حركة التجارة وسلاسل الإمداد، حتى وإن كانت بعض الأطراف المشاركة في هذه التفاهمات على خلاف سياسي علني في ملفات أخرى.
ثالثاً: التحالفات الطبيعية القائمة على أساس (الندية والمصلحة العضوية المشتركة)
تختلف هذه تماماً عن التحالفات الهجينة والظرفية؛ إذ تقوم على عوامل استقرار طويلة الأجل مثل: (التكافؤ الاقتصادي أو العسكري، الجغرافيا
السياسية المتكاملة، وتطابق القيم السياسيّة أو المخاطر الاستراتيجية). وفيما يلي أبرز أشكال ومستويات هذه التحالفات القائمة على النديّة:
1-على المستوى الدولي: الشراكات المؤسسية والمتكافئة
الاتحاد الأوروبي: يُعد النمط الأكثر وضوحاً للتحالفات القائمة على الندية السياسية والاقتصادية؛ حيث تخضع جميع الدول الأعضاء (مهما اختلفت أحجامها) لسيادة القانون والآليات الديمقراطية والتكامل الاقتصادي الموحد، وتعتمد القرار التوافقي في الملفات السيادية.
حلف شمال الأطلسي (NATO) بين الأقطاب الرئيسية: بالرغم من القوة الأمريكية الفائقة، تظل العلاقات بين القوى الكبرى داخل الحلف (مثل الولايات المتحدة، المملكة المتحدة، فرنسا، وغرب أوروبا) قائمة على بند الدفاع المشترك (المادة الخامسة)، والتوازن العسكري والتكنولوجي، والالتزام بأمن متكافئ للتكتل الغربي.
مجموعة السبع (G7) : تحالف اقتصادي وسياسي متجانس يجمع أكبر القوى الاقتصادية المتقدمة. يعتمد على الندية والقيم الراسخة في إدارة الاقتصاد العالمي والتنسيق الجيوسياسي دون وجود طرف مهيمن بقرارات أحادية مطلقة.
2-على المستوي الإقليمي: التكتلات التنافسية المتوازنة
مجموعة “بريكس” الإطار المتعدد الأقطاب: يقوم هذا التكتل بين الدول التأسيسية والقادمة (مثل الصين، روسيا، الهند، البرازيل، وجنوب إفريقيا) على الندية والتوازن الرامي لتأسيس نظام اقتصادي متعدد الأقطاب. لا توجد دولة واحدة تملي إرادتها الكاملة على التكتل، مما يجبر القوى الكبرى فيه (كالصين والهند) على التوافق والتفاوض المتكافئ.
حلف Quad وآوكوس في آسيا والبحر الهادئ: تحالفات أمنية واستراتيجية متوازنة بين قوى إقليمية ودولية (الولايات المتحدة،
أستراليا، اليابان، الهند، والمملكة المتحدة) لمواجهة التمدد الصيني، وتقوم على تبادل التقنيات العسكرية المتقدمة والتنسيق البحري القائم على مصالح أمنية مشتركة ومباشرة.
3-على المستوى العربي: التكامل الجغرافي والأمني المتجانس
مجلس التعاون لدول الخليج العربية: يُعتبر النموذج العربي الأكثر استقراراً وتجانساً؛ حيث يستند إلى التشابه الكبير في الأنظمة السياسية، والبنية الاقتصادية، والنسيج الاجتماعي والثقافي. ورغم تباين حجوم الدول، إلا أن الممارسات والقرارات الأمنية والاقتصادية تعتمد السيادة المتكافئة والعمل التكاملي المشترك.
التنسيق المصري-السعودي الاستراتيجي: حيث يقوم التحالف على التكامل بين الوزن العسكري والسكاني لمصر والوزن الاقتصادي والسياسي للسعودية، لخلق توازن استراتيجي يمنع فراغ القوة في المنطقة.
4-مقومات نجاح التحالفات القائمة على الندية:
هناك عدة مقومات من الضروري تواجدها لغرض نجاح هذا النوع من التحالفات ومنها :
المنفعة المتبادلة المتوازنة: تقوم على مبدأ تبادل المصالح المتكافئة.
غياب الهيمنة الأحاديّة: اعتماد الحوار والتوافق بدلاً من الإملاءات.
ج- المؤسسية: وجود أطر وقوانين تُنظّم الخلافات وتمنع انهيار التحالف عند تغير الحكومات أو الأفراد.
—————–
يتبع لطفاً..

See less

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب