مقالات

الانتخابات البلدية والوحدة الوطنية: معيار الكفاءة في زمن التحديات

الانتخابات البلدية والوحدة الوطنية: معيار الكفاءة في زمن التحديات

بقلم: المحامي علي أبو حبلة

مع اقتراب موعد انتخابات الهيئات المحلية الفلسطينية، تتجه الأنظار إلى هذا الاستحقاق بوصفه أكثر من مجرد عملية ديمقراطية دورية، بل باعتباره محطة وطنية جامعة تختبر نضج الوعي السياسي والاجتماعي، وقدرة المجتمع على تغليب المصلحة العامة على الاعتبارات الفئوية والشخصية. ففي ظل تعقيدات المشهد الفلسطيني، داخليًا وخارجيًا، تكتسب الانتخابات المحلية أهمية مضاعفة، كونها تمس بشكل مباشر حياة المواطن اليومية، وتؤثر في مستوى صموده واستقراره.

تواجه البلديات والمجالس المحلية في فلسطين تحديات بنيوية متراكمة، أبرزها الأزمات المالية الخانقة الناتجة عن تراجع الإيرادات وارتفاع حجم الديون، إلى جانب تضخم فاتورة الرواتب بفعل التوظيف غير المنظم وانتشار البطالة المقنّعة. كما تسهم القيود الإسرائيلية المفروضة على التخطيط والبناء، واستمرار الاقتطاعات من أموال المقاصة، في تعميق هذه الأزمات، ما يضع الهيئات المحلية أمام اختبار حقيقي لقدرتها على الاستمرار وتقديم الخدمات الأساسية للمواطنين.

وفي هذا السياق، لا يمكن النظر إلى البلديات باعتبارها مؤسسات خدمية فحسب، بل هي في الحالة الفلسطينية إحدى أدوات الصمود الوطني، بما تضطلع به من دور في تثبيت المواطن على أرضه، وتعزيز مقومات الحياة، ومواجهة سياسات الإضعاف والتهميش. ومن هنا، فإن طبيعة القيادات التي ستُفرزها الانتخابات القادمة ستكون عاملًا حاسمًا في تحديد مسار العمل البلدي في المرحلة المقبلة.

وعند العودة إلى التجربة الفلسطينية، نجد نماذج مضيئة من القيادات البلدية التي جمعت بين الكفاءة المهنية والالتزام الوطني، ومن أبرزها بسام الشكعة وكريم خلف وفهد القواسمي ورشاد الشوا وحلمي حنون وعبد الجواد صالح وحيد الحمدلله، الذين شكلوا نماذج راسخة في الوعي الوطني، حيث لم يقتصر دورهم على الإدارة المحلية، بل تجاوز ذلك ليشمل الدفاع عن الهوية الوطنية وتعزيز صمود المواطنين في مواجهة الاحتلال.

وفي السياق ذاته، يبرز  العديد من القيادات كنموذج معاصر للكفاءة الإدارية والخبرة المؤسسية، حيث تمثل هذه النماذج امتدادًا لمدرسة العمل العام القائمة على المهنية والقدرة على إدارة الموارد بكفاءة، وربط العمل المحلي بالرؤية الوطنية الشاملة.

إن استحضار هذه القامات، التاريخية والمعاصرة، لا يأتي من باب التوثيق فقط، بل لتأكيد أن معيار الاختيار يجب أن يستند إلى الكفاءة العلمية، والخبرة الإدارية، والنزاهة، والقدرة على اتخاذ القرار في بيئة معقدة. فالمجالس البلدية القادمة مطالبة بتبني نهج حديث في الإدارة، قائم على الشفافية والمساءلة، والتخطيط الاستراتيجي، واستثمار الموارد المتاحة بأقصى درجات الكفاءة.

في المقابل، تبقى المخاطر قائمة في حال انزلاق العملية الانتخابية نحو العصبيات الضيقة أو الحسابات الفئوية والتحشيد العائلي والعشائري، وهو ما قد يؤدي إلى إضعاف المؤسسات المحلية وتقويض دورها التنموي والوطني. إن التعددية السياسية والاجتماعية تشكل عنصر قوة إذا ما أُديرت ضمن إطار من المسؤولية الوطنية، لكنها تتحول إلى عامل إضعاف حين تُوظف لخدمة المصالح الضيقة على حساب المصلحة العامة.

إن المرحلة الراهنة تتطلب خطابًا وطنيًا جامعًا، يعزز ثقافة المشاركة الواعية، ويشجع على التنافس البرامجي القائم على تقديم الحلول الواقعية لمشكلات المواطنين، بعيدًا عن الشعارات أو الاصطفافات التقليدية. كما أن تعزيز ثقة المواطن بالمؤسسات المحلية يبدأ من حسن الاختيار، ويمر عبر أداء مهني مسؤول، وينتهي بقدرة هذه المؤسسات على تحقيق إنجازات ملموسة.

ختامًا، تمثل انتخابات الهيئات المحلية فرصة حقيقية لإعادة بناء العلاقة بين المواطن ومؤسساته، ولإرساء نموذج متقدم في الحكم المحلي، قائم على الكفاءة والنزاهة والوحدة الوطنية. إنها لحظة اختبار جماعي، يمكن من خلالها تحويل التحديات إلى فرص، وإعادة الاعتبار للعمل البلدي كرافعة أساسية من روافع المشروع الوطني الفلسطيني.

فلنجعل من هذه الانتخابات محطة لتعزيز الوحدة، ومن صناديق الاقتراع أداة لاختيار الأكفأ، بما يضمن بناء مجالس محلية قادرة على مواجهة التحديات، وصون كرامة المواطن، والمساهمة الفاعلة في حماية الحاضر وصناعة المستقبل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب