لبنان :حرب السنتين في ذكراها الواحدة والخمسين ،هل تعلم اللبنانيون من الدرس ! بقلم نبيل الزعبي
بقلم نبيل الزعبي

لبنان :حرب السنتين في ذكراها الواحدة والخمسين ،هل تعلم اللبنانيون من الدرس !
بقلم نبيل الزعبي
من يصدِّق ان حرب السنتين اللبنانية قد تخطت النصف قرن من الزمن هذا العام لنتذكر ما جرى على ارض لبنان لواحد وخمسين عاماً خلت من حروب صغيرة متواصلة قد تكون انعكاساتها المدمّرة قد بدأت تنقشع مع دخول قوات الردع العربية اواخر ايلول من العام ١٩٧٦ لتفرض الامن على طول الأراضي اللبنانية وعرضها بموجب تفويض رسمي من مؤتمر قمة عربية لم ينجح في تثبيت المهمة الامنية إلى القوات العربية المشاركة في قوات الردع مجتمعةً وانما أُحيلت إلى قوات النظام السوري السابق الذي بدأت معه المصادرة الكاملة لقرار لبنان وإلحاقه بالمركز العسكري الامني سيئ الذكر في بلدة عنجر البقاعية كبوابة سياسية وامنية مركزية للدخول إلى”الباب العالي” الجديد الذي شوّه كل تعبيرات الوحدة العربية عندما اعلن ان السوريين واللبنانيين شعبُّ واحد في دولتين ولعمري كم كانت تلك العبارة بمثابة الحق في الوجدان العربي ليجعله هذا النظام باطلاً وهو الذي لم يترك لبنانياً إلا وكفر بهكذا “وحدة” مزعومة قوامها ترسيخ كل مفاهيم النعرات الطائفية وإحلال المذهبية ذات اللون الواحد بديلاً عن كل مفهوم وطني وقومي وحتى إنساني بتواطؤٍ رسمي عربي غضَّت فيه الأنظمة نظرها بعد ذلك عن تطبيق كامل مقررات الطائف عام ١٩٨٩ واخذ الابتزاز السوري مداه مع الحرب الاميركية الصهيونية على العراق القومي التقدمي والتي انتهت باحتلال هذا القطر في العام ٢٠٠٣ ، واستثمار ذلك في المزيد من اخضاع القطرين العربيين الشقيقين العراقي والسوري إلى هيمنة الحقد الشعوبي الفارسي على اكثر من قطر عربي وفي مقدمتها لبنان وكأن التاريخ الأسود الذي شهده وطننا العربي منذ قرون قد أُعيدَ إحياؤه من جديد بقوالب ونظريات “فقهية” اعادت العرب إلى اوضاعٍ سياسية وامنية غير مسبوقة من الاذلال والهوان التي تكاملت مع إحكام القبضة الفارسية الصهيونية على مقدرات الامة ومركَزَي خلافتيها الأموية والعباسية معاً وتتحول عواصم التاريخ العربي من دمشق وصنعاء وبيروت إلى ملحقات بالإمبراطورية الإيرانية الجديدة واعتبار بغداد” درّة هذا التاج “الإمبراطوري بالشكل الذي لم يخجل من إعلانه مسؤولون ايرانيون من اعلى المستويات الرسمية الى ادناها . هل كانت مصادفةً ان أول ما قامت به قوات الردع العربية من مهام في العام ١٩٧٦ هو شنّ اوسع حملة اعتقالات امنية طالت المئات من كوادر حزب البعث العربي الاشتراكي واعضائه الذين أدانوا النهج الحكم القائم في سوريا المستولي على السلطة في العام ١٩٧٠، يومها كانت الغالبية العظمى من المواقف السلبية اللبنانية تقول : “انه صراع بعثي داخلي تارةً وعراقي سوري تارةً اخرى وما شأننا به” ، لتتوضح الصورة مع الايام وليتاكد ان المُستهدَف اساساً هي الحركة الوطنية اللبنانية ومعها المقاومة الفلسطينية والقرار اللبناني المستقل دون ان يقتصر على البعثيين وبيئتهم الشعبية الحاضنة وليدفع الشهيد كمال جنبلاط الثمن بدمائه ولم تسلم بعدها اية قوى أخرى سواءً ومن مختلف الطوائف والمذاهب والمناطق والاحزاب من منطلق اذلال الخصوم وترويض الحلفاء وعلى طريقة ” فرّق تسُد” التي أتقنها النظام السوري البائد وهو يُحكِم قبضته الامنية والعسكرية على هذا البلد طوال عقود اربع من السنين . هل هي مصادفةً ايضاً ان تُقدِم اولى حكومات بعد مؤتمر الطائف ١٩٨٩ إلى الغاء الترخيص القانوني ل”البعث”في لبنان وإعطائه لجماعة النظام السوري آنذاك بعد ان فُرِضَ عليها ذلك ، وإستباق ما تقدم في المزيد من التضييق والعمل بكل ضراوة للاجهاز على الحزب الشرعي في شتى أشكال الاغتيال والاعتقال وتشريد الكوادر والأعضاء في المنافي دون التورُّع عن إلحاق الاذى بعوائل وأصدقاء وبيئة الحزب ، ولكم كان دقيقاً وصريحاً وصادقاً الشهيد طارق عزيز عندما صرح في احدى مقابلاته ان اي احتواء غربي إقليمي للعراق الوطني العربي سيسحب نفسه حتماً على لبنان بالتزامن مع استبعاد وتصفية كل القوى الوطنية اللبنانية المقاومة وجعل مفاتيح الصراع حصريةً بقرار الولي الفقيه الإيراني دون سواه وفق نظريات “إلهية” قسّمت اللبنانيين بدل ان توحدهم وأسهمت في عوامل تكريس الانقسام الداخلي الذي كانت حادثة بوسطة عين الرمانة في ١٣ نيسان ١٩٧٥ الشرارة الاولى لحرب السنتين وكإن هناك من يريد ان يعيد البلد الى سنوات وعقود الزمن إلى تلك المرحلة الاليمة القاسية التي اعتاد اللبنانيون على إستذكارها بعبارة “تنذكر وما تنعاد”والتي يُصِرُّ من يهدد اليوم باستعادتها تاركاً العنان للرؤوس”الحامية”من هذا المقلب وذاك ان تتبوّأ المشهد اللبناني الداخلي المأزوم وتصادر القرار الوطني اللبناني بإفراغه من شرعيته الدستورية بالتخوين والمزيد من تصاعد منسوب خطاب الكراهية والتهديد بالشارع وتفقيس ” الجيوش” الإلكترونية التي آن الاوان لكل من يقف وراءها الاتعاظ من تجربة “حرب السنتين” وما تلاها من حروب صغيرة اخرى ومتقطعة لم نزل نعاني ذيولها وتداعياتها ويوم الثالث عشر من نيسان المشؤوم يتخطّى في تجاويف الذاكرة الجمعية اللبنانية هذه الايام واحداً وخمسين عاما بالتمام والكمال فيما البلد يعيش اقسى ما مرّ عليه من تجارب وتحديات مصيرية واشد ما يكون اليه من حاجة وجودية حقيقية إلى الوحدة والتضامن تحت سؤال وحيد مشروع وربما هو الأوحد الذي يحتاج إلى اجابة جماعية لبنانية لا يُستَثنى منها طرفُّ دون الآخر : هل تعلمنا من الدرس !




