الانتخابات التشريعية الفلسطينية المقبلة: استحقاق وطني لتجسيد وحدة دولة فلسطين وحق شعبها في ممارسة سيادته

الانتخابات التشريعية الفلسطينية المقبلة: استحقاق وطني لتجسيد وحدة دولة فلسطين وحق شعبها في ممارسة سيادته
بين الشرعية الدولية وتحديات الاحتلال الإسرائيلي
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
يشكل الاجتماع الذي عقده رئيس لجنة الانتخابات المركزية الدكتور رامي الحمد الله مع فخامة رئيس دولة فلسطين السيد محمود عباس، والذي تم خلاله استعراض الاستعدادات الجارية لإجراء الانتخابات التشريعية المقبلة، محطة سياسية وقانونية بالغة الأهمية، لما يحمله هذا الاستحقاق من دلالات تتجاوز الجانب الإجرائي والتنظيمي، لتلامس جوهر المشروع الوطني الفلسطيني وحق الشعب الفلسطيني في ممارسة حقوقه السياسية ضمن إطار دولته المعترف بها دولياً.
لقد أكد الدكتور رامي الحمد الله خلال اللقاء أن لجنة الانتخابات المركزية تواصل استعداداتها الفنية والإدارية واللوجستية وفق أعلى المعايير المهنية، بما يضمن إجراء الانتخابات بنزاهة وشفافية واستقلالية، وبما يعزز ثقة المواطنين بالعملية الديمقراطية، وهو تأكيد يعكس الدور المحوري للجنة باعتبارها مؤسسة وطنية مستقلة تضطلع بمسؤولية إدارة أحد أهم الاستحقاقات الدستورية في الحياة السياسية الفلسطينية.
إن إجراء الانتخابات التشريعية لا يمثل مجرد تجديد لأعضاء مجلس تشريعي، بل هو استحقاق يرتبط بحق أصيل للشعب الفلسطيني في اختيار ممثليه، وتكريس مبدأ التداول الديمقراطي، وبناء مؤسسات دولة فلسطين التي اعترفت بها الجمعية العامة للأمم المتحدة بصفة دولة مراقب غير عضو بموجب القرار 67/19 لعام 2012، والتي تستند في حدودها السياسية والقانونية إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، بما فيها الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية عاصمة دولة فلسطين.
وحدة الأرض الفلسطينية أساس أي عملية انتخابية
إن أي انتخابات فلسطينية يجب أن تنطلق من حقيقة قانونية وسياسية راسخة، وهي أن الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية وقطاع غزة تشكل وحدة جغرافية وسياسية واحدة لدولة فلسطين تحت الاحتلال الإسرائيلي.
ولا يجوز أن تتحول إجراءات الاحتلال أو سياساته الهادفة إلى تكريس الفصل بين مكونات الأرض الفلسطينية إلى أمر واقع ينتقص من وحدة الشعب والأرض والهوية الوطنية.
فالاحتلال الإسرائيلي، بما يمارسه من سيطرة على الأرض واستيطان وقيود على الحركة ومحاولات عزل القدس، لا يملك وفق قواعد القانون الدولي أن يحدد شكل النظام السياسي الفلسطيني أو أن يمنع الشعب الفلسطيني من ممارسة حقوقه السياسية، بما فيها حقه في انتخاب ممثليه ومؤسساته.
ومن هنا فإن ضمان إجراء الانتخابات في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة يمثل تأكيداً على وحدة دولة فلسطين جغرافياً وسياسياً، ورسالة واضحة بأن الاحتلال لا يمكن أن يكون أداة لتعطيل الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني.
الشرعية الدولية وقرارات محكمة العدل الدولية
تأتي هذه الاستحقاقات في ظل تأكيد متزايد من المؤسسات الدولية على الوضع القانوني للأراضي الفلسطينية المحتلة وضرورة إنهاء الاحتلال.
وقد أكدت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري الصادر عام 2024 بشأن الآثار القانونية الناشئة عن سياسات وممارسات إسرائيل في الأرض الفلسطينية المحتلة أن استمرار الاحتلال وسياسات الضم والاستيطان تتعارض مع قواعد القانون الدولي، وشددت على عدم شرعية الإجراءات التي تهدف إلى تغيير الوضع القانوني والديمغرافي للأراضي المحتلة.
وتكتسب هذه المعطيات أهمية خاصة في سياق الانتخابات الفلسطينية، لأن قيام مؤسسات منتخبة لدولة فلسطين يمثل ممارسة لحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وهو حق أكدته المواثيق الدولية وقرارات الأمم المتحدة المتعاقبة.
إن وجود مجلس تشريعي منتخب لدولة فلسطين ليس مطلباً سياسياً عابراً، بل هو جزء من البناء المؤسسي للدولة الفلسطينية وحق طبيعي لأي شعب يسعى إلى ترسيخ مؤسساته الوطنية وممارسة سيادته على أرضه.
الانتخابات مدخل لتعزيز الوحدة وإنهاء الانقسام
غير أن نجاح هذا الاستحقاق يتطلب معالجة التحديات الداخلية، وفي مقدمتها إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية، باعتبارها شرطاً أساسياً لتعزيز قدرة الشعب الفلسطيني على مواجهة التحديات الكبرى.
فالانتخابات لا ينبغي أن تكون محطة لإعادة إنتاج الانقسام، بل فرصة تاريخية لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على قاعدة الشراكة الوطنية واحترام الإرادة الشعبية وقبول نتائج صناديق الاقتراع.
إن المرحلة الراهنة تحتاج إلى مجلس تشريعي منتخب وفاعل، يمارس دوره الرقابي والتشريعي، ويسهم في تطوير مؤسسات الدولة، وتعزيز سيادة القانون، وترسيخ الحكم الرشيد، بما ينسجم مع تطلعات الشعب الفلسطيني ومع متطلبات بناء الدولة الحديثة.
القدس اختبار للشرعية الدولية
تبقى القدس القضية الأكثر حساسية في هذا الاستحقاق، لأن مشاركة المقدسيين في الانتخابات تمثل تأكيداً على أن القدس الشرقية جزء لا يتجزأ من دولة فلسطين، وأن محاولات الاحتلال فرض السيادة عليها تتعارض مع القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية.
إن حرمان المقدسيين من حقهم الانتخابي يشكل انتهاكاً لحقوقهم السياسية والمدنية، ويستدعي موقفاً دولياً واضحاً لضمان احترام الحقوق الديمقراطية للشعب الفلسطيني في جميع أماكن وجوده داخل أرضه المحتلة.
مسؤولية وطنية وإقليمية ودولية
إن الانتخابات التشريعية الفلسطينية المقبلة تمثل فرصة لإعادة تجديد الشرعية السياسية والمؤسساتية، لكنها في الوقت ذاته مسؤولية وطنية كبرى تتطلب توفير البيئة المناسبة لإنجاحها، وضمان مشاركة جميع أبناء الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس.
كما أن نجاح العملية الانتخابية يعزز مكانة دولة فلسطين على المستوى الدولي، ويؤكد أن الشعب الفلسطيني، رغم الاحتلال والتحديات، متمسك ببناء مؤسساته وممارسة حقوقه السياسية وفق قواعد القانون الدولي.
وفي الخلاصة، فإن اجتماع رئيس لجنة الانتخابات المركزية الدكتور رامي الحمد الله مع الرئيس محمود عباس يعكس أهمية التحضير لهذا الاستحقاق الوطني، ويؤكد أن الانتخابات التشريعية تمثل خطوة أساسية في مسار بناء الدولة الفلسطينية وتجسيد وحدتها الجغرافية والسياسية.
فدولة فلسطين، وفق الاعتراف الدولي وقرارات الشرعية الدولية، ليست كيانات منفصلة، بل وحدة وطنية وجغرافية واحدة، ومن حق شعبها أن تكون له مؤسسات منتخبة تعبر عن إرادته الحرة، وفي مقدمتها مجلس تشريعي منتخب يمارس صلاحياته في إطار دولة تسعى إلى إنهاء الاحتلال وتحقيق استقلالها وعاصمتها القدس الشرقية.


