
البعد التوراتي في صياغة العلاقة الأميركية–الصهيونية: من الأساطير الدينية إلى شرعنة التحالف السياسي
في 19/ 02/ 2026 حسن خليل غريب
المقدمة
تُظهر المقاربة أن العلاقة بين الإدارة الأميركية والمشروع التوراتي–الصهيوني لم تتأسس على اعتبارات سياسية آنية فحسب، بل على جذور دينية–أيديولوجية عميقة ارتبطت بالقراءة البروتستانتية للتاريخ وبالتصورات التي تقوم على ثنائية الخير والشر، التشاؤم من الواقع، انتظار الدينونة، والإيمان بقرب النهاية، التي منحت المشروع الصهيوني شرعية في الوعي الأميركي. هذه الخلفية اللاهوتية تحولت تدريجيًا إلى سياسة عملية، حيث وظّفت الإدارات الأميركية المتعاقبة تلك الموروثات لتبرير دعمها لـ”إسرائيل”، سواء عبر القوة العسكرية المباشرة كما في عهد بوش الابن، أو عبر الدبلوماسية الناعمة كما في عهد أوباما، أو عبر الخطاب الصريح الذي تبناه ترامب. ومن هنا تنشأ الإشكالية: هل يمكن فهم الموقف الأميركي من القضية الفلسطينية خارج هذا الإطار الديني–الأيديولوجي، أم أن هذا البعد يظل المحدِّد الأساسي لمسار العلاقة؟
أولاً: المسار التاريخي للعلاقة بدأ بشكل علني باحتلال العراق:
يتناول المقال علاقة جورج بوش الابن بالمشروع التوراتي–الصهيوني من زاوية استراتيجية وفكرية، وليس من باب الأحداث المعزولة. ومن أبرز مظاهرها عدد من النقاط الجوهرية:
1-الهيمنة الأميركية بعد الحرب الباردة: إن الولايات المتحدة، بقيادة بوش الابن، استثمرت انهيار الاتحاد السوفياتي لتفرض مشروعاً أحادياً على العالم، وهو ما وفّر أرضية لتفعيل الرؤية التوراتية–الصهيونية في السياسة الخارجية الأميركية.
2-التحالف الأيديولوجي: إن بوش الابن لم يكن مجرد رئيس يتبنى سياسات براغماتية، بل جسّد تحالفاً بين التيار الإنجيلي المسيحي الأميركي والتيار الصهيوني، وكلاهما يستند إلى نصوص توراتية في تبرير السيطرة على الشرق الأوسط.
3-الحروب العبثية: برهن المشروع التوراتي–الصهيوني، كما تبنّاه بوش، عندما أدخل المنطقة والعالم في حروب عبثية (مثل غزو العراق) ذات طابع ديني–غَيبي، وليست فقط ذات أهداف اقتصادية أو جيوسياسية.
4-المفترق بين الوطنية والتوراتية: أوضح أن أميركا كانت على مفترق طرق بين خيارين: الوطنية الأميركية (المصالح القومية الواقعية) أو التوراتية–الصهيونية (المشروع الغيبي)، وأن بوش الابن مثّل الانحياز الواضح للخيار الثاني.
5-الخلاصة: لم تكن البراهين على شكل وثائق سرية أو شهادات شخصية، بل من خلال تحليل استراتيجي طويل المدى، يربط بين الخطاب الديني–السياسي الذي تبناه بوش الابن. والتحالف مع “إسرائيل” واليمين المسيحي الأميركي. وفيه تجسَّدت السياسات العسكرية لهذا المشروع على أرض الواقع.
ثانياً: الرئيس أوباما، كشف عن أخطاء إدارة جورج بوش الابن في علاقتها بالمشروع التوراتي–الصهيوني.
1-اعتبر أوباما أن غزو العراق كان خطأً استراتيجياً ضخماً، أدّى إلى زعزعة الاستقرار الإقليمي وصعود الجماعات المتطرفة، وهو ما برهن على أن الرؤية الغيبية–التوراتية التي تبناها بوش لم تحقق مصالح أميركا القومية. وأشار إلى أن الانحياز الأعمى ل”إسرائيل” أفقد إدارة بوش القدرة على لعب دور الوسيط النزيه بسبب تبنيها الكامل للرواية الإسرائيلية، مما قوّض صورة أميركا كقوة عظمى قادرة على إدارة التوازنات. وأشار إلى أن إهمال الدبلوماسية والاعتماد على القوة العسكرية وحدها عمّق الأزمات بدل حلها، وأضعف موقع أميركا في المنطقة العربية.
2-وفي المقابل قدم أوباما البديل في مجموعة من الحلول، ومن أهمها:
أ-خطاب القاهرة (2009): مثّل إعلاناً عن نهج جديد يقوم على الاحترام المتبادل مع العالم الإسلامي، في محاولة لتصحيح صورة أميركا بعد سياسات بوش.
بـ-حل الدولتين: طرح رؤية واضحة لدعم قيام دولة فلسطينية إلى جانب “إسرائيل”، باعتباره السبيل لإنهاء الصراع.
جـ-الدبلوماسية المتعددة الأطراف: سعى إلى إشراك القوى الدولية والإقليمية في معالجة أزمات الشرق الأوسط، كما في الاتفاق النووي الإيراني عام 2015.
د-تقليص التدخل العسكري المباشر: حاول تقليل الانخراط العسكري الأميركي في المنطقة، مع التركيز على الحلول السياسية والاقتصادية.
-خلاصة: المقال يضع أوباما في موقع من حاول تصحيح المسار الأميركي عبر العودة إلى الوطنية الأميركية الواقعية، أي المصالح القومية المبنية على الدبلوماسية، بدلاً من الانحياز الغيبي–التوراتي الذي جسّده بوش الابن. لكنه يشير أيضاً إلى أن أوباما ظل محكوماً بحدود النفوذ الأميركي وضغوط اللوبيات، ما جعل بديله غير مكتمل التنفيذ.
3-المفارقة بين بوش وأوباما: إن إدارة جورج بوش الابن مثّلت ذروة الانحياز الأميركي للمشروع الصهيوني، حيث اتسمت سياساته بالاندفاع العسكري المباشر، وتوظيف خطاب “الحرب على الإرهاب” كغطاء لتبرير الدعم غير المشروط لـ “إسرائيل”. في المقابل، قدّم باراك أوباما صورة أكثر ليونة، حاول من خلالها أن يوازن بين خطاب “الانفتاح على العالم الإسلامي” وبين استمرار الالتزام الاستراتيجي بأمن “إسرائيل”. هذه المفارقة، ليست اختلافًا جوهريًا في الموقف الأميركي، بل هي اختلاف في الأسلوب واللغة السياسية: بوش يمثّل الصراحة الفجّة في الانحياز، بينما أوباما يجسّد الدبلوماسية الناعمة التي تخفي ذات الانحياز.
وفي الخلاصة، يضع المقال مستقبل العلاقة الأميركية–الصهيونية في إطار أوسع، حيث يؤكد أن تلك العلاقة ليست رهينة لشخص الرئيس أو لأسلوبه، بل هي علاقة بنيوية قائمة على تداخل المصالح الاستراتيجية، والدعم المؤسسي العميق ل”إسرائيل” داخل النظام السياسي الأميركي. من هنا، فإن أي تغيير في الخطاب أو الأسلوب لا يعني بالضرورة تحولًا في جوهر العلاقة. بل على العكس، يرى أن هذه المفارقة تكشف عن قدرة الولايات المتحدة على إعادة إنتاج خطابها بما يتناسب مع الظرف الدولي، مع الحفاظ على ثبات التحالف مع “إسرائيل”. وبالتالي، فإن مستقبل العلاقة الأميركية–الصهيونية، سيظل محكومًا بهذه البنية العميقة، مع إمكانية أن تتخذ أشكالًا مختلفة في التعبير السياسي والدبلوماسي، لكنها لن تمس جوهر الانحياز الاستراتيجي.
ثالثاً: دونالد ترامب ومحاولة إعادة صياغة الاستراتيجية الأميركية:
1-الولاية الأولى: ركّز ترامب على تصحيح الأخطاء السابقة، خاصة تلك التي ارتكبها بوش الابن في العراق (الإنفاق الأميركي الهائل بدلًا من تمويل الحرب من موارد المنطقة) وأوباما في مشروع “الشرق الأوسط الجديد، خاصة أنه سلَّم العراق للنظام الإيراني، وبدوره استغلَّ ذلك النظام الفرصة في إحداث تمزيق وتفتيت العراق وسرقة ثرواته، واعتبره منصة للتغلغل في أكثر من عاصمة عربية والسيطرة على قراراها”. وقدّم نفسه بخطاب جديد وأوامر تنفيذية مباشرة، محاولًا استعادة ما خسرته أميركا من نفوذ بعد انسحابها من العراق عام 2011. واتسمت سياسته بالوضوح والصراحة، بعيدًا عن الدبلوماسية الناعمة، مع إبراز الانحياز لـ “إسرائيل” بشكل غير ملتبس.
2-الولاية الثانية: دخل ترامب ولايته الثانية وهو أكثر وعيًا بحدود القوة الأميركية، بعد أن اختبر في ولايته الأولى صعوبة إعادة بناء الهيمنة المنفردة. وظهرت مواقفه في إطار محاولة موازنة بين النزعة الوطنية الأميركية (التركيز على الداخل وإعادة بناء الاقتصاد) وبين الالتزام العميق بالمشروع التوراتي–الصهيوني الذي كان يشكّل أساس العلاقة مع “إسرائيل”. وفي هذا السياق، لا يقدّم ترامب قطيعة مع الماضي لو لم تواجهه كتلة من العوامل الضاغطة، التي فيما لو لم يبادر إلى حلها، فسوف يحصد مشروعه في إعادة الهدوء إلى المنطقة العربية صفراً من النتائج.
3-يواجه ترامب في بداية ولايته الثانية، جملة من الضغوطات فرضتها عملية طوفان الأقصى، ومن أهمها ما يلي: إصرار بعض الأنظمة العربية الرسمية على حل الدولتين، وحصول الأضرار الاقتصادية الفادحة كنتائج لتلك العملية، وخروج “إسرائيل” على وظيفتها حسب المنظور الغربي. ومن منظور تحليلي، يبدو أن التوتر بين المشروع القومي الغربي (الأميركي–الأوروبي) والمشروع التوراتي–الصهيوني يتجه نحو مواجهة، قد تبدأ من خلال البحث عن تسوية للقضية الفلسطينية. ولأنه في حال غياب مثل هذا الحل، ستظل المنطقة عرضة لصراعات عسكرية متكررة، وهو ما يتعارض مع الاستراتيجية الأميركية والغربية القائمة على توفير بيئة مستقرة وآمنة تتيح تدفق الاستثمارات ورأس المال في الشرق الأوسط. ولأن هناك أزمة بين أهداف الرأسمالية الصهيونية، وأهداف الرأسمالية القومية الغربية، وهي لا تزال غير ظاهرة إلى العلن،
كل تلك الأسباب تدعو إلى الاعتقاد بأن الأزمة ستظهر إلى العلن في المستقبل ليس البعيد، مما يدعو إدارة ترامب، وأية إدارة أميركية ستخلفها، على استكمالها من قبيل الدفاع عن مصالح أميركا والغرب، لوضع حد لتجاوز الصهيونية وظيفتها التي حددها مؤتمر كامبل بنرمان في العام (1905 – 1907).
الخاتمة:
إن العلاقة الأميركية–الصهيونية، رغم اختلاف أساليب الرؤساء الأميركيين بين الانحياز العسكري المباشر (بوش الابن)، والدبلوماسية الناعمة (أوباما)، والخطاب الصريح (ترامب)، تبقى محكومة بجذور توراتية–أيديولوجية عميقة. غير أن عملية “طوفان الأقصى” وما خلّفته من تداعيات اقتصادية عالمية، إلى جانب الضغوط الإقليمية، ولا سيما الموقف السعودي الداعي إلى حل عادل، تفتح الباب أمام احتمالات جديدة.
1-السيناريو الأول: استمرار الانحياز البنيوي: تواصل الولايات المتحدة دعمها غير المشروط ل”إسرائيل”، مع إعادة إنتاج خطابها بما يتناسب مع الظرف الدولي، دون أي تغيير جوهري في جوهر العلاقة.
2-السيناريو الثاني: تسوية على قاعدة حل الدولتين: تحت ضغط الأزمات الاقتصادية والمواقف الإقليمية، قد تضطر واشنطن إلى تبنّي صيغة “حل الدولتين” كخيار براغماتي يخفف من التوتر بين المشروع القومي الغربي والمشروع التلمودي–الصهيوني، ويعيد بعض التوازن إلى المنطقة.
3-السيناريو الثالث: مواجهة كامنة بين المشروعين: في حال استمرار “إسرائيل” في تجاوز وظيفتها كما حددها مؤتمر كامبل بانرمان (1905–1907)، قد يظهر التوتر بين أهداف الرأسمالية القومية الغربية وأهداف الرأسمالية الصهيونية إلى العلن، بما يفرض على الولايات المتحدة إعادة النظر في حدود التحالف، دفاعًا عن مصالحها القومية والغربية.
وبذلك، فإن مستقبل العلاقة الأميركية–الصهيونية سيظل رهينًا بمدى قدرة الغرب على تفكيك الشرعية اللاهوتية التي أعادت إنتاج الانحياز الأميركي لـ “إسرائيل”، أو على الأقل إعادة ضبطها بما ينسجم مع مصالحه القومية والاقتصادية.




