ثقافة وفنون

البياض بوصفه علامة فناء: قراءة نقدية في قصة «بياض . قاتل» للكاتب المغربي : رحال أمانوز .

البياض بوصفه علامة فناء: قراءة نقدية في قصة «بياض
. قاتل» للكاتب المغربي : رحال أمانوز .

بقلم : الدكتور بوشتى جامعي .

تلخيص :

تتناول هذه الدراسة القصة القصيرة جدًا «بياض قاتل» لرحال أمانوز بوصفها نصًا سرديًا يقوم على قلب الدلالة المألوفة للبياض، من رمز للشفاء والطهارة إلى علامة على المحو والموت. وتعتمد القراءة مقاربة سيميائية–تأويلية، ترصد اشتغال اللون، والمكان، والجسد، والزمن، وعلاقة الذات بالسلطة، من أجل الكشف عن الرؤية الوجودية التي يؤسس لها النص، حيث يتحول الفضاء العلاجي إلى قبر مؤجل، ويغدو الإنسان موضوعًا تقنيًا منزوع الإرادة.
الكلمات المفتاحية: البياض، السيميائيات، القصة القصيرة جدًا، الجسد، الموت، السلطة الطبية.
تقديم
تُعد القصة القصيرة جدًا جنسًا سرديًا قائمًا على التكثيف والدقة، حيث تُختبر اللغة في قدرتها على حمل المعنى بأقل عدد ممكن من العلامات. وفي هذا الإطار، تندرج قصة «بياض قاتل» لرحال أمانوز ضمن نصوص تراهن على الكثافة الرمزية، وتجعل من عنصر واحد –هو اللون– محورًا دلاليًا ينهض عليه البناء السردي بأكمله.
ينطلق هذا المقال من إشكالية مركزية مفادها: كيف يتحول البياض، بوصفه علامة إيجابية في الوعي الجمعي، إلى دالّ على الفناء والموت؟ وللإجابة عن هذا السؤال، نعتمد مقاربة سيميائية–تأويلية، تنظر إلى النص باعتباره شبكة من العلامات المتفاعلة، لا مجرد حكاية عن مريض في غرفة بيضاء.
أولًا: البياض كعلامة مركزية وانقلاب الدلالة
يتكرر البياض في القصة تكرارًا لافتًا: الجدران، السقف، المصباح، السرير، الطاولة، الستائر، الغطاء. هذا التراكم لا يؤدي وظيفة وصفية فحسب، بل يؤسس فضاءً بصريًا أحادي اللون، يُلغي التعدد والاختلاف.
في هذا السياق، يتحول البياض من رمز للنقاء إلى:
علامة على العقم الوجودي.
لون يبتلع الحياة بدل أن يعكسها.
أفق مغلق يشي بالمحو التدريجي للذات.
إن النص يقيم انقلابًا دلاليًا واعيًا، يعرّي هشاشة المعاني الجاهزة، ويعيد تحميل الرمز بدلالة معاكسة، حيث يصبح البياض قرينًا للموت لا للحياة.
ثانيًا: المكان بين الوظيفة العلاجية والدلالة الجنائزية
تُقدَّم الغرفة في ظاهرها باعتبارها فضاءً علاجيًا، غير أن بنيتها السردية تحوّلها تدريجيًا إلى ما يشبه القبر. فالعزلة، والصمت، وغياب التواصل الإنساني، كلها مؤشرات تجعل من المكان فضاءً لتعليق الوجود.
قول السارد: «يخيل إليه أنه رمي به في قبر» لا يأتي بوصفه مجازًا عابرًا، بل باعتباره كشفًا عن حقيقة المكان. فالغرفة لا تشفي الجسد، بل تحتجزه في منطقة وسطى بين الحياة والموت، حيث يُسلب الإنسان حقه في الحركة والقرار.
ثالثًا: الجسد المُشيَّأ وهيمنة التقنية
يحضر الجسد في القصة بوصفه جسدًا منزوع السيادة:
أطراف مشلولة.
جسد موثوق بالخيوط.
أنبوب يخترق الأنف.
جهاز يحدد إيقاع الحياة.
يتحول الجسد إلى موضوع تقني، تُمارَس عليه السلطة باسم العلاج، دون أن يُمنح حق الكلام أو الفعل. وحتى الوعي بالعالم ينكمش إلى حركة العينين، في إشارة رمزية إلى تقلص الذات الإنسانية داخل منظومة تقنية باردة.
رابعًا: الشبحان وتمثلات السلطة الصامتة
يشكل «الشبحان» علامة دلالية مكثفة في النص. فهما بلا أسماء ولا وجوه، ويتواصلان عبر الإيماءة لا اللغة. إنهما تجسيد لسلطة صامتة، قد تُقرأ بوصفها سلطة طبية، أو استعارة للقدر، أو صورة للموت المؤسسي.
غياب الحوار بين الشبحين والمريض يكرّس اختلال ميزان القوة، ويكشف عن موقع الإنسان داخل منظومة لا تعترف به إلا بوصفه حالة قابلة للإدارة.
خامسًا: الزمن المعطَّل واسترجاع الذاكرة
الزمن في القصة زمن نفسي لا خطي:
غياب الإحساس بالأيام.
تداخل النوم واليقظة.
استدعاء الطفولة عبر صورة الأرجوحة.
تحيل الأرجوحة، بحركتها الدائرية، إلى زمن يدور حول نفسه، في تماهٍ مع وضعية البطل المعلّق بين الوجود والعدم. إنها لحظة استرجاع أخير، تسبق الانطفاء النهائي.
سادسًا: اكتمال الدائرة الدلالية من البياض إلى السواد
في الخاتمة السردية، يتحقق التحول الحاسم: يتوقف الأزيز، يستحيل البياض إلى سواد، ويُغطّى الجسد ببياض جديد. المفارقة أن البياض يرافق مرحلتي التعليق والموت معًا، بما يجعله دالًا شاملًا على الفناء.
حمل الجثة إلى الطابق تحت الأرضي يؤكد اكتمال المسار الرمزي: انتقال من غرفة تشبه القبر إلى قبر فعلي، دون أن يتغير منطق التعامل مع الجسد.
ختاما
تقدّم قصة «بياض قاتل» نصًا سرديًا مكثفًا، يعرّي الوجه القاسي للحداثة التقنية حين تفقد بعدها الإنساني. فهي لا تصوّر الموت كحدث فجائي، بل كعملية محو تدريجي تُدار بأدوات نظيفة وألوان ناصعة.
وبهذا المعنى، ينجح رحال أمانوز في بناء قصة قصيرة جدًا ذات أفق فلسفي ووجودي، تضع القارئ أمام سؤال أخلاقي عميق: متى يتحول العلاج إلى شكل آخر من أشكال الموت؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب