فلسطين

التراث الفلسطيني… معركة الذاكرة في مواجهة الطمس والاستلاب وسرقة الهوية بين حماية الموروث الثقافي وصراع الرواية التاريخية

التراث الفلسطيني… معركة الذاكرة في مواجهة الطمس والاستلاب وسرقة الهوية
بين حماية الموروث الثقافي وصراع الرواية التاريخية
إعداد وتقرير: المحامي علي أبو حبلة
لم تعد معركة الشعب الفلسطيني مقتصرة على الدفاع عن الأرض أو الحقوق السياسية، بل امتدت إلى معركة لا تقل أهمية تتمثل في حماية الذاكرة الوطنية وصون التراث الثقافي من محاولات الطمس والاستلاب والتزوير. فالتراث الفلسطيني، بمكوناته المادية وغير المادية، يمثل أحد أهم الأدلة التاريخية على أصالة الوجود الفلسطيني، ويشكل ركيزة أساسية من ركائز الهوية الوطنية والرواية التاريخية، في مواجهة محاولات إعادة صياغة التاريخ ونسب عناصر أصيلة من الثقافة الفلسطينية إلى روايات أخرى لخدمة أهداف سياسية واستعمارية.
لقد أدرك الاحتلال الإسرائيلي منذ قيامه أن السيطرة العسكرية لا تكفي لفرض روايته، فسعى إلى استهداف الذاكرة الجماعية، عبر تغيير أسماء المدن والقرى، والاستيلاء على المواقع الأثرية، ومحاولة نسب عناصر من التراث الشعبي الفلسطيني إلى الثقافة الإسرائيلية، في إطار سياسة تستهدف إعادة تشكيل الوعي التاريخي وإضعاف الارتباط بين الشعب الفلسطيني وأرضه وتراثه.
التراث الفلسطيني… سجل حضاري يمتد لآلاف السنين
لا يتوفر وصف للصورة.
يمثل التراث الفلسطيني حصيلة حضارية تراكمت عبر آلاف السنين، بدءاً من الحضارات الكنعانية واليبوسية والفلسطينية القديمة، مروراً بالعصور العربية والإسلامية والمسيحية، وصولاً إلى العصر الحديث.
ويضم هذا التراث الثوب الفلسطيني المطرز، والكوفية، والدبكة، والدلعونا والعتابا والميجانا، والأمثال والحكايات الشعبية، والمسخن والمفتول وخبز الطابون وزيت الزيتون، إضافة إلى الصناعات التقليدية كالصابون النابلسي والزجاج الخليلي والفخار والنحاسيات، فضلاً عن العمارة التاريخية والأسواق القديمة والخانات والمساجد والكنائس والمقامات.
ولا تمثل هذه المكونات مجرد مظاهر فولكلورية، بل هي وثائق حضارية تؤكد استمرارية الوجود الفلسطيني، وتجسد العلاقة التاريخية بين الإنسان الفلسطيني وأرضه وثقافته.
سرقة التراث… سياسة ممنهجة لسرقة الهوية
يؤكد باحثون في التاريخ والثقافة والقانون الدولي أن محاولات الاستيلاء على التراث الفلسطيني ليست ممارسات ثقافية عابرة، وإنما سياسة ممنهجة تستهدف نزع الهوية الثقافية عن الشعب الفلسطيني وإعادة إنتاج رواية تاريخية بديلة.
وقد شملت هذه المحاولات الثوب الفلسطيني المطرز، والكوفية، وعدداً من المأكولات الشعبية، والرقصات التراثية، والحرف التقليدية، فضلاً عن تغيير أسماء المواقع التاريخية والبلدات الفلسطينية، في محاولة لإعادة تقديمها باعتبارها جزءاً من رواية أخرى.
لا يتوفر وصف للصورة.
إن سرقة التراث لا تقل خطورة عن مصادرة الأرض، لأن التراث يمثل الذاكرة الحية للشعوب، وأحد أهم الأدلة على جذورها التاريخية وحقوقها الوطنية.
الاعتراف الدولي… تثبيت للرواية الفلسطينية
شهدت السنوات الأخيرة نجاحات فلسطينية مهمة على الصعيد الدولي في تثبيت الهوية الثقافية الفلسطينية، من خلال تسجيل عدد من المواقع والعناصر التراثية على قوائم منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، وهو ما يشكل اعترافاً دولياً بأصالتها وانتمائها إلى فلسطين.
ومن أبرز هذه الإنجازات تسجيل كنيسة المهد وطريق الحجاج في بيت لحم كأول موقع فلسطيني على قائمة التراث العالمي عام 2012، ثم المشهد الثقافي لبتير عام 2014، والبلدة القديمة في الخليل والحرم الإبراهيمي عام 2017، وفن التطريز في فلسطين على القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية عام 2021، وأخيراً إدراج دير القديس هيلاريون (تل أم عامر) في قطاع غزة على قائمة التراث العالمي عام 2024.
ولا تقتصر أهمية هذه الإنجازات على بعدها الثقافي، بل تمنح الرواية الفلسطينية سنداً قانونياً وأخلاقياً أمام المجتمع الدولي، وتعزز الجهود الرامية إلى حماية الموروث الوطني من محاولات التزييف والاستيلاء.
لا يتوفر وصف للصورة.
القانون الدولي… حماية للتراث الإنساني
يحظى التراث الثقافي بحماية قانونية وفق اتفاقية لاهاي لعام 1954 لحماية الممتلكات الثقافية أثناء النزاعات المسلحة، واتفاقية التراث العالمي لعام 1972، واتفاقية صون التراث الثقافي غير المادي لعام 2003، وجميعها تؤكد أن التراث الثقافي ملك للإنسانية، وأن الاعتداء عليه أو تشويهه أو الاستيلاء عليه يمثل انتهاكاً للقانون الدولي.
ومن هذا المنطلق، فإن أي محاولة لطمس أو تزوير التراث الفلسطيني أو نسبه إلى غير أصحابه لا تمثل اعتداءً على الشعب الفلسطيني فحسب، وإنما تمس التراث الإنساني المشترك.
غزة والقدس… استهداف الإنسان والذاكرة
أظهرت الحرب على قطاع غزة أن الاستهداف تجاوز البشر والبنية التحتية ليطال المتاحف والمراكز الثقافية والمكتبات والجامعات والمواقع الأثرية، إضافة إلى فقدان عدد من الباحثين والرواة الشعبيين الذين كانوا يشكلون ذاكرة حية للموروث الفلسطيني.
وفي القدس، تتواصل سياسات التهويد من خلال تغيير أسماء الشوارع والأحياء، والاستيلاء على العقارات التاريخية، وفرض روايات بديلة حول المواقع الأثرية والدينية، بما يهدف إلى تغيير الطابع الحضاري للمدينة وإضعاف حضورها العربي والإسلامي والمسيحي.
حفظ التراث الشعبي… ضرورة وطنية واستراتيجية
في مواجهة هذه التحديات، لم يعد حفظ التراث الشعبي الفلسطيني عملاً ثقافياً فحسب، بل أصبح ضرورة وطنية واستراتيجية. ويقتضي ذلك إطلاق مشروع وطني شامل لتوثيق الروايات الشفوية، والأغاني والأمثال الشعبية، والحرف التقليدية، والأزياء، والعادات الاجتماعية، وإنشاء أرشيف وطني رقمي، ودعم الباحثين والمؤسسات الأكاديمية، وإدماج التراث في المناهج التعليمية، وتعزيز دور المتاحف والمراكز الثقافية، وتشجيع الصناعات التراثية، وتمكين الجاليات الفلسطينية في الخارج من التعريف بالموروث الوطني والدفاع عنه.
لا يتوفر وصف للصورة.
التراث… قوة ناعمة في معركة الوجود
في عالم أصبحت فيه الثقافة إحدى أدوات القوة الناعمة، يشكل التراث الفلسطيني وسيلة استراتيجية لتعزيز الحضور الفلسطيني دولياً، وإثبات الرواية التاريخية القائمة على الأدلة والشواهد الحضارية.
فكل ثوب مطرز، وكل قطعة صابون نابلسي، وكل إناء من الزجاج الخليلي، وكل دبكة شعبية، وكل شجرة زيتون، وكل بيت أثري، ليست مجرد مكونات ثقافية، بل وثائق تاريخية تؤكد ارتباط الفلسطيني بأرضه، وتدحض محاولات الطمس والاستلاب.
خاتمة
إن حماية التراث الفلسطيني لم تعد مسؤولية وزارة الثقافة أو المؤسسات الأكاديمية وحدها، بل أصبحت مسؤولية وطنية وقانونية وأخلاقية تستوجب شراكة بين مؤسسات الدولة والمجتمع المدني والجامعات والقطاع الخاص والجاليات الفلسطينية، إلى جانب تفعيل دور المنظمات الدولية في مساءلة كل من يعتدي على التراث الثقافي الفلسطيني أو يحاول تزويره.
فالتراث ليس بقايا من الماضي، بل هو ذاكرة أمة، وسجل حقوقها التاريخية، وأحد أهم عناصر صمودها. وكل محاولة لسرقته أو تزويره أو نسبه إلى غير أصحابه تمثل اعتداءً على الحقيقة والتاريخ والعدالة.
وإذا كانت فلسطين تخوض معركة على الأرض والسيادة، فإنها تخوض في الوقت ذاته معركة لا تقل أهمية على الذاكرة والرواية والهوية. والانتصار في هذه المعركة يبدأ بحفظ التراث الشعبي الفلسطيني، وتوثيقه، وتعليمه للأجيال، وتسجيله دولياً، حتى يبقى شاهداً حياً على أن لهذا الشعب تاريخاً عريقاً وحضارةً متجذرةً، وأن الهوية الفلسطينية ستظل عصية على الطمس مهما اشتدت محاولات الاستلاب والتزييف.
قد تكون صورة ‏تحتوي على النص '‏مارينا بوست m3reHa ا O6E‏'‏

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب