منوعات
الثوب الفلسطيني.. حين تتحول الغرزة إلى وثيقة وطنية والذاكرة إلى هوية

الثوب الفلسطيني.. حين تتحول الغرزة إلى وثيقة وطنية والذاكرة إلى هوية
تقرير موسع ومعمق في التراث الملبسي الفلسطيني ودلالاته التاريخية والاجتماعية والثقافية
إعداد: المحامي علي أبو حبلة والأستاذ عبد البري
ليس الثوب الفلسطيني مجرد قطعة من القماش، ولا التطريز مجرد زخارف تتوزع على صدره وأكمامه وحواشيه؛ إنه نصّ ثقافي مفتوح، وذاكرة اجتماعية حيّة، وسجل بصري تختزن فيه المرأة الفلسطينية تفاصيل المكان والزمان والعائلة والمناسبة والانتماء.
وعلى امتداد أجيال متعاقبة، تحوّل الثوب من لباس تؤديه المرأة في حياتها اليومية والمناسبات الاجتماعية إلى أحد أبرز الرموز التي تختصر حضور فلسطين في الذاكرة الجماعية. فالغرزة ليست مجرد تقنية يدوية، واللون ليس اختيارًا جماليًا محضًا، والنقش لا يأتي منفصلًا عن بيئته؛ بل تشكل هذه العناصر مجتمعة لغة ثقافية ذات دلالات اجتماعية وجغرافية متوارثة.
وتؤكد منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو» أن فن التطريز التقليدي الفلسطيني ممارسة اجتماعية متوارثة بين الأجيال، وأنه يرتبط بالملابس النسائية الفلسطينية، بما فيها الثوب، وأن الألوان والتصاميم قد تشير إلى الهوية الإقليمية للمرأة وحالتها الاجتماعية والاقتصادية. وقد أدرجت اليونسكو هذا العنصر عام 2021 على القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية.

الثوب بوصفه أرشيفًا اجتماعيًا
تكمن أهمية الثوب الفلسطيني في أنه لا يوثق جانبًا واحدًا من الحياة الفلسطينية، وإنما يلتقي فيه التاريخ الاجتماعي مع الجغرافيا والاقتصاد والعادات والفنون الشعبية.
فالتنوع الكبير بين الأثواب الفلسطينية لم يكن عشوائيًا؛ إذ اختلفت الأشكال والخامات والألوان وكثافة التطريز وأنماط الزخرفة باختلاف المناطق والبيئات المحلية. وتوضح دراسات متخصصة في الأزياء الفلسطينية أن أثواب مناطق مثل بيت لحم والخليل والقدس والنقب حملت خصائص مميزة، انعكست في القصّات والزخارف والألوان وأساليب التطريز.
وهذا التنوع لا ينتقص من وحدة الثوب الفلسطيني، بل يؤكدها؛ فكما تختلف اللهجات والعادات والأكلات الشعبية من منطقة إلى أخرى داخل فلسطين، تختلف الأزياء أيضًا، بينما تظل جميعها ضمن منظومة ثقافية فلسطينية واحدة.
ومن هنا يصبح الثوب أشبه بـ«خريطة اجتماعية»؛ يمكن من خلاله قراءة المكان، والمناسبة، والحالة الاجتماعية، وأحيانًا مستوى الثراء والقدرة الاقتصادية، فضلًا عن معرفة المهارات التي امتلكتها النساء في صناعة النسيج والتطريز.
من بيت لحم إلى الخليل والقدس وغزة.. جغرافيا الثوب
لم يكن هناك ثوب فلسطيني واحد مطابق في جميع المناطق، بل منظومة واسعة من الأشكال والأنماط المحلية.
فالأثواب في منطقة بيت لحم عُرفت بتكوينات زخرفية وألوان مرتبطة بخصوصية المنطقة، فيما تميزت أثواب الخليل بأنماط تطريز كثيفة وبعض العناصر الخاصة في منطقة الصدر والحاشية. أما الأزياء في القدس فحملت تأثيرات متعددة نتيجة موقع المدينة وتاريخها وتفاعلها المستمر مع محيطها، بينما احتفظت مناطق الجنوب والنقب بخصائص مرتبطة بالبيئة البدوية والاجتماعية المحلية.

وهكذا، فإن دراسة الثوب الفلسطيني لا ينبغي أن تنحصر في النظر إليه بوصفه «زيًا شعبيًا»، بل يجب أن تتعامل معه باعتباره مادة علمية تساعد الباحثين في دراسة التحولات الاجتماعية والاقتصادية والجغرافية التي شهدها المجتمع الفلسطيني.
التطريز.. لغة المرأة الفلسطينية
لعبت المرأة الفلسطينية الدور المركزي في حفظ هذا التراث وتطويره ونقله.
كانت الأم والجدة تعلمان الفتاة مهارات التطريز، وتنتقل المعرفة من جيل إلى آخر بصورة عملية، من خلال الممارسة والمشاهدة والتكرار. وتشير اليونسكو إلى أن التطريز الفلسطيني ممارسة اجتماعية تقوم على التعاون بين النساء، وأن المعرفة والمهارات تنتقل من الأم إلى الابنة، إلى جانب انتقالها عبر برامج التدريب الحديثة.
ومن هنا، فإن الحديث عن الثوب الفلسطيني هو أيضًا حديث عن تاريخ المرأة الفلسطينية ودورها في حماية الذاكرة الثقافية.
فالمرأة لم تكن مجرد مرتدية للثوب، بل كانت في كثير من الأحيان صانعته وحافظته وراويته. وكانت تعرف مدلولات الأشكال والألوان ومواقع التطريز، وتدرك الفرق بين ثوب يومي وثوب مناسبة، وبين ما يناسب الزواج وما يرتبط بالحياة الاجتماعية المعتادة.
الرموز والنقوش.. بين الجمال والدلالة

تضم أعمال التطريز الفلسطيني أشكالًا هندسية ونباتية وحيوانية، وتظهر فيها رموز مرتبطة بالطبيعة، مثل الأشجار والزهور والطيور، إلى جانب أنماط زخرفية متنوعة. وتؤكد اليونسكو حضور هذه الرموز في فن التطريز الفلسطيني، مع ارتباط اختيار الألوان والتصاميم بالهوية الإقليمية والسياق الاجتماعي.
ومن المهم هنا تجنب التعامل مع كل رمز على أنه يحمل معنى واحدًا ثابتًا في جميع المناطق والأزمنة؛ فالتراث الشعبي بطبيعته متغير، وبعض الرموز تتعدد تفسيراتها بحسب المنطقة والسياق والتوارث المحلي.
وهذه الملاحظة ضرورية للبحث العلمي؛ لأن حماية التراث لا تعني تحويله إلى مجموعة من الروايات غير الموثقة، بل تعني جمع الروايات المحلية، ومقارنتها، وربطها بالمقتنيات والصور والوثائق والشهادات الشفوية والدراسات الأكاديمية.
الثوب والذاكرة الفلسطينية بعد النكبة
اكتسب الثوب الفلسطيني بعد النكبة عام 1948 وظيفة إضافية تتجاوز وظيفته التقليدية.
فمع اقتلاع مئات آلاف الفلسطينيين من مدنهم وقراهم، أصبحت الملابس والمقتنيات والصور والأغاني والحكايات وقطع التطريز من الوسائط التي حملت الذاكرة من المكان الأصلي إلى المخيمات والشتات.
ولهذا لم يعد الثوب بالنسبة إلى كثير من الفلسطينيين مجرد لباس تراثي؛ بل أصبح وسيلة لاستعادة المكان واستحضار القرية والمدينة والأسرة، وربط الأجيال الجديدة بتاريخ لم تعشه بصورة مباشرة.
وتشير اليونسكو إلى انتشار ممارسة التطريز الفلسطيني اليوم في فلسطين وفي أوساط أبناء الشتات، بما يؤكد أن التراث لم يتوقف عند حدود الجغرافيا السياسية، وإنما انتقل مع الإنسان الفلسطيني إلى أماكن اللجوء والهجرة.
كتاب «الثوب الفلسطيني.. حكاية هوية نسيج وطن»
في هذا السياق، يأتي كتاب الباحثة الدكتورة سارة محمد الشماس بعنوان «الثوب الفلسطيني.. حكاية هوية نسيج وطن»، الصادر عن دار الشامل للنشر والتوزيع في 171 صفحة، بوصفه محاولة بحثية لتقديم دراسة متخصصة في الملابس الشعبية النسائية الفلسطينية وعلاقتها بالهوية الوطنية.
ووفق وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية «وفا»، يتكون الكتاب من أربعة فصول؛ يتناول أولها مفهوم الملابس الشعبية والهوية والعلاقة بين الملابس والهوية الوطنية، فيما يتناول الفصل الثاني الملابس الشعبية النسائية الفلسطينية ونشأتها وأوجه التشابه والاختلاف بينها وبين ملابس المناطق المجاورة، إضافة إلى اختلافها بين المناطق الفلسطينية ووظائفها الاجتماعية وأنواعها بحسب المناسبات.
وتكمن أهمية هذا العمل في أنه ينقل الحديث عن الثوب من مساحة الاحتفاء العاطفي إلى مساحة البحث والتوثيق، وهو انتقال مطلوب إذا أردنا أن يصبح التراث مادة معرفية قابلة للدراسة والمقارنة والتدريس.
اليونسكو.. اعتراف دولي بالتراث الفلسطيني
يشكل إدراج «فن التطريز في فلسطين: الممارسات والمهارات والمعارف والطقوس» على قائمة اليونسكو عام 2021 محطة مهمة في مسار الاعتراف الدولي بالتراث الفلسطيني.
وتشير وثائق اليونسكو إلى أن العنصر أُدرج على القائمة الوطنية الفلسطينية للتراث الثقافي غير المادي منذ عام 2018، وأن عملية الترشيح شاركت فيها وزارات ومؤسسات ومنظمات ومجتمعات محلية، بما في ذلك نساء من مخيمات اللاجئين.
وهنا تبرز أهمية التمييز بين أمرين: التسجيل الدولي لا يعني منح ملكية حصرية لكل قطعة أو كل غرزة لفلسطين، لكنه يوثق ممارسة ثقافية فلسطينية حية ويعترف رسميًا بمكانتها ضمن التراث الثقافي غير المادي.
وهذا التمييز مهم حتى يبقى الخطاب الفلسطيني قائمًا على الأدلة والوثائق، لا على المبالغة أو الادعاءات التي يمكن أن تُضعف القضية بدل أن تقويها.
التراث في مواجهة التزييف والسطحية
يواجه التراث الفلسطيني تحديات حقيقية؛ بعضها يرتبط بالصراع على الرواية والهوية، وبعضها الآخر ناتج عن التحولات الاجتماعية والاقتصادية والعولمة وتراجع المهن التقليدية.
وتتمثل المشكلة في أن التراث قد يتحول أحيانًا إلى سلعة منفصلة عن سياقه، فتستخدم الزخارف الفلسطينية دون الإشارة إلى مصدرها، أو يعاد إنتاجها تجاريًا بصورة تفقدها جزءًا من قصتها الأصلية.
لكن مواجهة هذه الظاهرة لا تكون بالشعارات وحدها، وإنما ببناء منظومة فلسطينية متكاملة للتوثيق والحماية والتعليم والإنتاج الثقافي.
وهذا يتطلب إنشاء قواعد بيانات وطنية للثوب والتطريز، وتصوير المقتنيات القديمة، وتوثيق أسماء القرى والمدن المرتبطة بكل نمط، وتسجيل شهادات النساء اللواتي ما زلن يمتلكن المعرفة التقليدية، وحفظ النماذج القديمة في متاحف ومراكز متخصصة.
من الذاكرة إلى الاقتصاد الثقافي
الحفاظ على الثوب الفلسطيني لا ينبغي أن يبقى نشاطًا احتفاليًا موسميًا.
فالتطريز يمكن أن يكون مصدر دخل للنساء، وهو جانب أشارت إليه اليونسكو صراحة باعتبار ممارسة التطريز نشاطًا يمكن أن يسهم في دعم دخل الأسر.
ومن هنا يمكن بناء سياسة وطنية تجعل التراث جزءًا من الاقتصاد الثقافي، عبر دعم التعاونيات النسوية، وتطوير منتجات حديثة تحافظ على أصالة الزخرفة، وتأسيس علامات تجارية فلسطينية موثوقة، وربط الحرفيين بالأسواق المحلية والعربية والدولية، مع حماية حقوقهم الفكرية ومكافحة التقليد التجاري غير المنسوب إلى أصله.
فالتراث الذي لا يوفر لصاحبه القدرة على الاستمرار معرض لأن يتحول تدريجيًا إلى مجرد صورة في كتاب أو قطعة محفوظة في متحف.
المدرسة والجامعة.. خط الدفاع الأول
إذا كان التطريز قد انتقل تاريخيًا من الأم إلى الابنة، فإن الدولة والمؤسسات التعليمية مطالبة اليوم بأن تضيف قناة جديدة لحفظ المعرفة.
وهذا يعني إدخال التراث الفلسطيني في المناهج التعليمية بصورة علمية، وتشجيع الطلبة على إجراء مقابلات مع الجدات والحرفيات، وجمع الصور القديمة، وتوثيق أسماء النقوش والأثواب، وإنشاء معارض مدرسية وجامعية للملابس الشعبية.
كما يمكن للجامعات الفلسطينية أن توسع نطاق البحث العلمي في تاريخ الأزياء والمنسوجات، وأن تتعاون مع المتاحف والمؤسسات الثقافية لتأسيس أرشيف رقمي وطني مفتوح للباحثين.
مسؤولية الشتات
لا يمكن الحديث عن الثوب الفلسطيني دون الحديث عن ملايين الفلسطينيين خارج فلسطين.
فالشتات حمل معه جزءًا من التراث، وفي كثير من المخيمات والجاليات الفلسطينية ظلت النساء يمارسن التطريز ويعلمنه للأجيال الجديدة.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة لأن التراث يمكن أن يصبح جسرًا بين الفلسطيني المولود في فلسطين والفلسطيني الذي ولد بعيدًا عنها ولم يرَ القرية أو المدينة التي تنحدر منها أسرته.
وهنا يصبح الثوب لغة مشتركة تتجاوز الحدود، وتعيد وصل الذاكرة العائلية بالذاكرة الوطنية.
حماية التراث مسؤولية وطنية لا موسمية
إن حماية الثوب الفلسطيني لا تعني تجميده في صورته القديمة ومنع تطويره، بل تعني الحفاظ على جذوره مع السماح للمبدعين الفلسطينيين بإعادة تقديمه بصورة معاصرة.
فالتراث الحي هو الذي يتجدد دون أن يفقد هويته.
ومن الخطأ أن نحصر الثوب في المهرجانات والمناسبات الرسمية؛ المطلوب أن يتحول إلى جزء من صناعة ثقافية مستدامة، وأن يصبح حاضرًا في المتاحف والمدارس والجامعات والمعارض ووسائل الإعلام والتصميم الحديث، مع الحفاظ على نسبته ومصدره وسياقه.
الثوب الفلسطيني.. ذاكرة لا تختصرها غرزة
في المحصلة، يمثل الثوب الفلسطيني واحدًا من أكثر الشواهد وضوحًا على قدرة الثقافة الشعبية على البقاء رغم التحولات السياسية والاجتماعية الكبرى.
إنه يجمع في قطعة واحدة بين المكان والإنسان، وبين المرأة والأسرة، وبين القرية والمدينة، وبين الماضي والحاضر.
والقيمة الحقيقية للثوب ليست في شكله وحده، وإنما في المعرفة التي أنتجته، واليد التي طرزته، والمرأة التي ورثته، والمكان الذي حمل رموزه، والأسرة التي حفظته، والذاكرة التي بقيت تستدعيه عبر الأجيال.
ومن هنا فإن معركة الحفاظ على الثوب الفلسطيني ليست معركة ضد الزمن، بل معركة من أجل المعرفة والتوثيق والاعتراف والحق في الذاكرة.
لقد أثبت تسجيل فن التطريز الفلسطيني لدى اليونسكو أن التراث الفلسطيني قادر على الوصول إلى المنصات الدولية حين يستند إلى التوثيق والمشاركة المجتمعية والعمل المؤسسي.
ويبقى التحدي الحقيقي هو الانتقال من الاحتفاء بالتراث إلى بناء منظومة وطنية متكاملة لحمايته وتوثيقه وتعليمه واستثماره ثقافيًا واقتصاديًا.
فالثوب الفلسطيني ليس مجرد ماضٍ نرتديه في المناسبات؛ إنه ذاكرة شعب، ولغة مكان، وشاهد على استمرار الهوية.
وإذا كانت الغرزة تحفظ قصة، فإن مجموع الغرز يحفظ وطنًا في الذاكرة.




