تحقيقات وتقارير

الحرب الإسرائيلية-الإيرانية: ضربة استباقية ونسخة جديدة من حروب المستقبل

الحرب الإسرائيلية-الإيرانية: ضربة استباقية ونسخة جديدة من حروب المستقبل

حسين مجدوبي

دخلت منطقة الشرق الأوسط مرحلة جديدة ابتداء من 13 حزيران/يونيو 2025 بسبب الحرب الإيرانية-الإسرائيلية، وتتيح استخلاص مجموعة من الدروس والخلاصات على رأسها أنها أول حرب حقيقية بدون اشتباك أرضي بل تقتصر على الجو أساسا، ثم الدور الروسي الغريب بسبب عدم تزويد إيران بمنظومة دفاع جوي متطورة مثل إس 400، بينما انخرط الغرب في تسليح الكيان بأسلحة نوعية فتاكة قد تكون لأول مرة يجري استخدامها.
وعلى مدى ربع القرن الماضي، كانت احتمالات اندلاع حرب مباشرة بين إيران والكيان الإسرائيلي، بل وحتى بين إيران والولايات المتحدة، مستبعدة إلى حد كبير. إلا أن التطورات الأخيرة، لا سيما بعد عملية «طوفان الأقصى» في 7 أكتوبر، أحدثت تحولاً في المشهد الجيوسياسي، وبدأت بتبادل للهجمات متقطعة زمنيا بشهور لتُفضي إلى اندلاع المواجهة الإيرانية-الإسرائيلية ابتداءً من 13 حزيران/يونيو الجاري، باعتبارها حلقة جديدة في مسلسل الصراع الديني والحضاري والسياسي المتواصل في الشرق الأوسط. وبعد مرور 24 ساعة الأولى من المواجهات أي ما بين فجر الجمعة والسبت من الأسبوع الجاري، بدأ يتضح المشهد الحربي-الجيوسياسي لهذه المواجهة وتبرز المؤشرات حول تطورات المدى القريب.

عمل استخباراتي جبار

تُدرك إسرائيل أنها كعضو مزروع يرفضه جسد الشرق الأوسط، أن استمرار بقائها مرتبط باستخدام دائم ومكثف لـ«الأدوية»، التي تتمثل في القوة العسكرية والحربية. فبقاء هذا «العضو الغريب» في بيئة رافضة ومعادية يتطلب دعماً مستمراً بالقوة، باعتبارها الوسيلة الوحيدة لتجاوز الرفض الطبيعي لهذا الكيان من قبل المحيط الإقليمي. ولهذا السبب، اعتمدت إسرائيل على مبدأ الحرب الاستباقية في كل اللحظات التاريخية المفصلية، مثل شنّها الهجوم الاستباقي على مصر عام 1967، وقصفها للمفاعل النووي العراقي عام 1981، بالإضافة إلى سلسلة من الضربات التي استهدفت مشاريع عسكرية سورية خلال العقدين الأخيرين. وتُعدّ الضربة التي وجّهتها ضد إيران الجمعة أحدث حلقات هذا النهج، وأكثرها خطورة، نظراً لحجم التوترات الإقليمية والدولية التي بدأت تترتب عنها. وهذه الضربة لا يمكن تفسيرها سوى بعاملين، الأول وهو عمل استخباراتي جبار، وفي المقام الثاني تسليح نوعي استثنائي.
ارتباطاً بالنقطة الأولى، تُولي إسرائيل أهمية قصوى لجمع المعلومات الاستخباراتية الحيوية عن إيران منذ سنوات طويلة وليس شهورا فقط، إدراكًا منها بأنها تمثل التهديد الحقيقي لأمنها القومي، بخلاف معظم الدول العربية التي تتبنى مواقف أكثر براغماتية أو حيادًا بسبب ضعفها العسكري أمام الكيان. ويأتي هذا الاهتمام نتيجة للخطاب الإيراني الواضح في عدائه الأبدي للكيان، ما يجعل من طهران خصمًا استراتيجياً وليس مجرد خصم ظرفي. وتستفيد إسرائيل في هذا الإطار من دعم غربي غير مشروط، حيث تنخرط مختلف الأجهزة الاستخباراتية الغربية، بل وحتى بعض الأجهزة العربية، في تزويد الكيان بمعلومات دقيقة حول القدرات العسكرية والسياسية الإيرانية، ضمن منظومة تنسيق سرية عابرة للحدود. علاوة على هذا، تعاني إيران من وجود طابور خامس قوي وسط موظفيها وعلى مستويات عليا يعمل لصالح الموساد. وقد يعود هذا إلى أن شريحة من الرافضين للنظام والراغبة في تغييره سواء بسبب الظلم أو لأسباب إيديولوجية لا تتردد في التنسيق مع الاستخبارات الغربية والموساد.
ارتباطا بالنقطة الثانية، لم تكشف إسرائيل علنًا عن تفاصيل محددة بشأن الأنواع الدقيقة من القنابل التي استُخدمت في الهجوم الذي وقع في 13 حزيران/يونيو ضد إيران. ومع ذلك، من المعروف أن الهجوم شمل استخدام نحو 200 طائرة مقاتلة من نوع إف 16 وإف 15 وإف 35 ألقت آلاف القنابل والصواريخ على أكثر من 100 هدف استراتيجي، وأساسا المنشآت النووية، لتعطيل البرنامج النووي ومصانع الصواريخ الباليستية والقواعد العسكرية للحد من الخطر العسكري الإيراني. وتفيد بعض الأخبار غير الرسمية أن طائرات إف 35 حملت نوعا جديدا من القنابل قد تكون نسخة معدلة من القنبلة GBU-43/B Massive Ordnance Air Blast الشديدة الانفجار التي يجري استعمالها لضرب الأنفاق العميقة والمصانع تحت أرضية، وكانت البنتاغون قد استعملها في أفغانستان لضرب بعض الكهوف.
لقد ترتب عن الضربة الاستباقية خسائر لا يمكن التقليل منها، اغتيال القيادة العسكرية الإيرانية ثم إلحاق أضرار قد تكون جسيمة بالمشروع النووي الإيراني. ولكن، نجحت إيران في استيعاب الضربة بتعيين قيادات جديدة ثم بتوجيه ست جولات من القصف الصاروخي في ساعات قليلة على مدن الكيان، بشكل لم يعهده من قبل.

الدور الروسي الغريب

تجمع روسيا وإيران اتفاقية تعاون استراتيجي تنص علاوة على التعاون الاقتصادي والدبلوماسي على تعزيز العلاقات الدفاعية والتعاون العسكري، بما في ذلك تمكين الجيش الإيراني من أنظمة دفاع جوي متطورة. في الوقت ذاته، ومنذ خريف عام 2022، زودت إيران روسيا بطائرات هجومية بدون طيار، لا سيما من طراز «شاهد-136»، التي أعادت موسكو تسميتها «جيران-2». واستُخدمت هذه الطائرات المسيرة على نطاق واسع في الضربات ضد أوكرانيا، وتعتبر واحدة من أهم مساهمات إيران في المجهود الحربي الروسي. ووفقًا لمصادر استخباراتية أمريكية وغربية، زودت إيران روسيا بصواريخ باليستية قصيرة المدى لاستخدامها في الحرب ضد أوكرانيا. وكل هذا، عرض إيران للغضب الغربي تجلى في عقوبات ومزيد من الضغط في المشروع النووي.
وعلى ضوء ما سبق، يظل التساؤل مطروحًا بإلحاح، بل ويزداد إلحاحًا في ظل التطورات المتسارعة في المنطقة: هل قامت روسيا بالفعل، وبصورة مباشرة أو غير مباشرة، بتزويد إيران بمعلومات استخباراتية دقيقة تتعلق بتوقيت الهجوم الإسرائيلي الذي وقع الجمعة؛ خصوصًا إذا أخذنا بعين الاعتبار أن روسيا تمتلك شبكة متقدمة من الأقمار الاصطناعية التي تراقب الفضاء الجوي لمنطقة الشرق الأوسط على مدار الساعة، ومن غير المستبعد أن تكون قد رصدت التحركات الجوية الإسرائيلية قبل انطلاق الهجوم بفترة زمنية كافية؟
غير أن الأمر يزداد غموضًا عندما ننتقل إلى التساؤل الأهم، والذي يبقى بدون إجابة شافية حتى الآن: لماذا امتنعت موسكو حتى هذه اللحظة عن تزويد طهران بمنظومة الدفاع الجوي المتقدمة إس-400، رغم علمها المسبق واليقيني بأن إسرائيل تمتلك العشرات من مقاتلات إف-35 الشبحية، التي لا يمكن اعتراضها أو التعامل معها بفعالية إلا من خلال أنظمة دفاعية عالية التقنية مثل إس-400 أو حتى إس-500، التي يُقال إنها قادرة على مواجهة الطائرات ذات الخصائص التخفيّة المتقدمة. لقد أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين منذ سنوات عن عقيدة الدفاع عن الحلفاء وإن اقتضى الأمر بالسلاح النووي، غير أنه لم يزود دولة حليفة وقّع معها اتفاقية استراتيجية خلال السنة الجارية بأنظمة دفاع جوي، بينما تدرك موسكو أن إيران هي الهدف الرئيسي للغرب في الوقت الراهن. كل هذا يطرح تساؤلات إضافية حول حدود الالتزام الروسي تجاه حلفائها في ظل التحديات الجيوسياسية الحالية.

نسخة جديدة من حروب المستقبل

يعيش العالم حاليا حربا في نسخة جديدة لم يعهدها من قبل، إنها الحرب الجوية بامتياز، أو الحرب عن بعد بدون اشتباك للقوات البرية والبحرية بشكل مباشر وبين دول لا تشترك في الحدود. ومنذ طوفان الأقصى، بدأت هذه الحرب تتبلور بشكل كبير عندما بدأ الحوثيون وأنصار الله في العراق بشن ضربات صاروخية وبطائرات مسيرة ضد المصالح العسكرية والاقتصادية للكيان. لكن هذه أول مرة في التاريخ العسكري، يشهد العالم هذا النوع من الحروب عبر الجو فقط، إذ استعملت إسرائيل المقاتلات الأمريكية من إف 15 وإف 16 وإف 35 ومسيرات، وردت إيران بالصواريخ الباليستية والمسيرات. هذه الحرب، ستدفع معظم دول العالم إلى التركيز على التسلح بالطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية ونسبيا بالمقاتلات أكثر من الاهتمام بالقوات البرية.
في غضون ذلك، من المنتظر أن تدخل الحرب في روتين يومي سيمتد أياما من خلال تبادل الضربات، وقد تشهد تطورا في حالة اتخاذ إيران قرار توسيع الحرب بضرب أهداف غربية في الشرق الأوسط مثل القواعد العسكرية الأمريكية والفرنسية والبريطانية. ونقلت وكالة أنباء «فارس» الإيرانية عن مصدر عسكري وصفته بـ«المطلع» أن الحرب التي بدأت باعتداءات إسرائيلية ستتوسع خلال الأيام القادمة لتشمل كل المناطق المحتلة والقواعد الأمريكية بالمنطقة، وفق تعبيره. وإذا ما تحقق الأمر، فالشرق الأوسط سيشهد تطورات خطيرة.

 ـ «القدس العربي»:

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب