الحرب الباردة الثقافية، المخابرات المركزية الامريكية وعالم الفنون والآداب -من الذي دفع للزمار؟- تاليف: فرانسيس ستونر سوندرز، ، ترجمة طلعت الشايب مهند طلال الاخرس
قراءة الروائي مهند طلال الاخرس

الحرب الباردة الثقافية، المخابرات المركزية الامريكية وعالم الفنون والاداب -من الذي دفع للزمار؟-
تاليف: فرانسيس ستونر سوندرز، ، ترجمة طلعت الشايب
مهند طلال الاخرس
2026 / 3 / 8
قراءات في عالم الكتب و المطبوعات

كتاب “الحرب الباردة الثقافية” المخابرات المركزية الامريكية وعالم الفنون والآداب “من الذي دفع للزمار؟”
للكاتبة الإنجليزية فرانسيس ستونر سوندرز، وترجمه إلى العربية طلعت الشايب، وقدمه عاصم الدسوقي، وصدر عن المشروع القومي للترجمة بالمجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة (العدد 279)، كما صدرت الطبعة التي بين ايدينا بطبعتها الاولى عن دار رؤيا للنشر والتوزيع في القاهرة/مصر سنة 2017. والكتاب يقع على متن 690 صفحة من القطع الكبير. العنوان الأصلي للكتاب هو THE CULTURAL COLD WAR وصدرت طبعته الإنجليزية الأولى عام 1999 بعنوان “من الذي دفع للزمار؟”. وصدرت الطبعة الثانية في نيويورك عام 2000.
ساوندرز تقدم دراسة استقصائية وبحثية معمقة عن كيفية استخدام وكالة الاستخبارات الأمريكية الثقافة كسلاح في الحرب الباردة. وتطرح بالوثائق اسماء كل الكتاب الذين استأجرتهم وكالة المخابرات الامريكية للترويج لسياساتها وحربها الثقافية المعلنة وسنفاجأ ونحن نطالع صفحات الكتاب، بكتَّاب عالميين، كانوا أداة طيعة في يد منظمة الحرية الثقافية التي تديرها المخابرات الأمريكية مثل: أرنست همنغواي، آرثر ميلر، إيليا تولستوي (حفيد الروائي الروسي الشهير)، روبرت لويل، أندريه مالرو، جون ديوي، كارل ياسبرز، ألبرتو مورافيا، هربرت ريد، ستيفن سبندر، أودن، نارايان (الهندي)، ألن تيت، إيتالو كالفينو، فاسكو براتوليني، فضلا عن الفنانين تشارلي شابلن، مارلون براندو، رونالد ريجان (الذي أصبح فيما بعد رئيسا للولايات المتحدة) وغيرهم. لقد أصبح عشراتٌ من المثقفين الغربيين مرتبطين ب C IA عن طريق الاستئجار والاستحمار لأفكارهم واقلامهم.
الكتاب يوضح كيف مولت الـ CIA منظمات ثقافية وصحفاً مثل مجلة إنكاونتر الشهيرة في عالم الآداب والقافة والفنون لتعزيز صورة الحرية الغربية الكاذبة والجعلها منبرا وسلاحا فتاكا في مواجهة الشيوعية حينذاك، وتطرح تساؤلات حول مدى وعي المثقفين بتمويلهم ومدى استقلالية الفن والثقافة والآداب عن سيطرة السياسة وادواتها كجهاز المخابرات الامربكية السي اي ايه. .
على مدى أكثر من عشرين عامًا كانت وكالة المخابرات الأمريكية تنظم وتدير جبهة ثقافية عريضة في معركة ضارية بدعوى حرية التعبير، وبتعريفها للحرب الباردة بأنها معركة من أجل “الاستيلاء على عقول البشر”. وبعد أن سكت هدير المدافع وأزيز الطائرات ودوي القصف أخرجت الترسانة أثقالها الثقافية: الصحف والمجلات والإذاعات والمؤتمرات ومعارض الفن التشكيلي والمهرجانات الفنية والمنح والجوائز..إلخ، وتكونت شبكة محكمة من البشر الذين يعملون بالتوازي مع الـ AIC لتمحو من الأذهان فكرة أن “أمريكا صحراء ثقافية” وتزرع فيها فكرة جديدة مؤداها أن العالم في حاجة إلى سلام أمريكي وإلى عصر تنوير جديد، وأن ذلك كله سيكون اسمه “القرن الأمريكي”.
هنا تضيء الباحثة البريطانية فرانسيس ستونر سوندرز جانبًا مظلمًا في تاريخ أمريكا الثقافية معتمدة على عدد كبير من المقابلات الشخصية، وفحص عدد كبير من الوثائق الرسمية التي أفرج عنها مؤخرًا.. وهنا تظهر أسماء عدد كبير من أبرز مفكري وفناني المرحلة: إشعيا برلين وكليمنت جرينبيرج وسيدني هوك وآرثر كويستلر وأندريه مالرو وجورج أورويل وبرتراند راسل وسارتر وآرثر شليزنجر الابن… وغيرهم، وبينما البعض تعاون دون أن يدري، كان البعض الآخر يعمل عن علم واستعداد للتعاون!
إنها القصة الكاملة للدور الذي قامت به AIC في الحرب الباردة الثقافية، الأمر الذي يجعل من هذا الكتاب ” عملاً مهمًا من أعمال البحث التاريخي” كما وصفه المفكر الراحل إدوارد سعيد.
وبالعودة الى منظمة “المؤتمر من أجل حرية الثقافة” والتي تأخذ حيزا وافرا من صفحات الكتاب وفصوله الطويلة وهءا مرده لكون هذه المنظمة شكلت في حينه الواجهة الرئيسية للعمليات الثقافية، وقد استخدمت المخابرات “مؤسسات خيرية” وهمية أو حقيقية (مثل مؤسسة فورد وروشيلد) لتمرير الأموال، بحيث يظهر الدعم وكأنه من القطاع الخاص أو تبرعات، وليس من الحكومة مباشرة، لضمان مصداقية المثقفين أمام الرأي العام.
تنبع اهمية هذا الكتاب من القيمة البحثية والاستقصائية للكاتبة علاوة على الجهد الجبار والدؤوب المبذول في اعداد هذا الكتاب وهذا يتضح اكثر عند الاطلاع على قائمة المصادر والمراجع بالإضافة الى مجموعة الوثائق التي ازيحت عنها السرية والتي ادت الى كشف المستور؛ حيث اعتمدت المؤلفة على وثائق رُفعت عنها السرية ومقابلات شخصية حصرية.
والكتاب يطرح سؤالين جوهريين: الاول مفاده ، هل يمكن أن تكون الثقافة “حرة” إذا كان من يمولها جهاز استخبارات له أجندة سياسية؟
والثاني كيف تُستخدم الفنون والآداب ولثقافة كأدوات سياسية للسيطرة والاحتواء، بمعنى ما هو دور وقيمة الآداب والثقافة والفنون كأحد ادوات السياسة الناعمة في عالم اصبح يستأجر كل شيء؛ من الاقلام الى الازلام الى الارحام وحتى الفرق الرياضية على اختلاف مسمياتها..
الكتاب بفكرته الاساسية يتناول الدور الثقافي السري الذي لعبته وكالة المخابرات المركزية الأمريكية خلال الحرب الباردة. ويمكن قراءة هذا الدور وتحليله ضمن عدة أفكار أساسية:
أولاً: المخابرات كـ“وزارة ثقافة غير معلنة”
يشير الكتاب إلى فكرة محورية مفادها أن وكالة المخابرات المركزية الأمريكية لم تعمل فقط كجهاز استخبارات، بل أدارت شبكة ثقافية واسعة جعلتها أشبه بـ وزارة ثقافة غير رسمية للغرب.
بعد الحرب العالمية الثانية دخل العالم في صراع أيديولوجي بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، ولم يعد الصراع عسكرياً فقط، بل أصبح صراعاً على العقول والقيم والخيال الثقافي. لذلك دعمت الوكالة سنة 1950 منظمة اسمها Congress for Cultural Freedom (مؤتمر الحرية الثقافية)، التي أعلنت نفسها مؤسسة مستقلة تدافع عن حرية الفكر، لكنها كانت في الواقع ممولة سراً من الـCIA.
ثانياً: الثقافة كسلاح استراتيجي
الكتاب يوضح أن المعركة لم تكن سياسية فقط، بل ثقافية طويلة المدى، ولهذا استُخدمت أدوات الثقافة باعتبارها “أسلحة ناعمة”، مثل:
المجلات الأدبية والفكرية
الكتب والترجمات
المؤتمرات والندوات الدولية
المعارض الفنية والموسيقية
الجوائز والمنح والزمالات
دعم الفنانين والكتاب
ومن أشهر المجلات التي دعمتها هذه الشبكة مجلة Encounter التي أصبحت منصة فكرية مهمة في أوروبا.
الفكرة الجوهرية هنا أن كتاباً واحداً قد يغير قناعات جيل كامل، لذلك رأت الاستراتيجية الأمريكية أن الكتاب أهم أدوات الدعاية بعيدة المدى.
ثالثاً: “استئجار المثقفين”
أحد أخطر ما يكشفه النص هو استخدام مثقفين يساريين سابقين في هذه الحرب الثقافية، السبب في ذلك أن: المثقف اليساري يمتلك مصداقية كبيرة داخل الأوساط الفكرية، وانشقاقه عن الشيوعية يعطيه سلطة نقدية قوية ضد الاتحاد السوفييتي، ومن الأمثلة الشهيرة على ذلك دعم شخصيات فكرية كانت قريبة من اليسار ثم أصبحت من أبرز منتقدي الشيوعية مثل: Arthur Koestler و Ignazio Silone ، بعض هؤلاء كان يعلم بمصدر التمويل، بينما كثيرون لم يكونوا يعرفون أن التمويل يأتي من وكالة الاستخبارات.
رابعاً: المثقفون كقطع شطرنج في الصراع العالمي
التعبير الوارد في الكتاب بأن المثقفين كانوا “قطع شطرنج في اللعبة الكبرى” يوضح طبيعة الحرب الثقافية: فالقوى الكبرى تستخدم الثقافة لإعادة تشكيل الوعي العالمي، والمثقف قد يتحول – أحياناً دون قصد – إلى أداة في الصراع الجيوسياسي، وهذا ما يسميه الباحثون اليوم القوة الناعمة الثقافية.
خامساً: الهدف النهائي
الهدف لم يكن نشر الأدب أو الفن لذاته، بل:
مواجهة النفوذ الثقافي السوفييتي
نشر نموذج الليبرالية الغربية
التأثير في النخب الفكرية الأوروبية والعالمية
أي أن المعركة كانت معركة على الوعي وليس على الأرض فقط.
الخلاصة:
الكتاب يوضح أن الثقافة خلال الحرب الباردة لم تكن نشاطاً مستقلاً، بل كانت جزءاً من استراتيجية سياسية عالمية، حيث استخدمت الولايات المتحدة المؤسسات الثقافية والكتب والمجلات والمثقفين من أجل كسب المعركة الأيديولوجية ضد الشيوعية.




