الحرب على إيران وحزب الله: مغامرة نتنياهو العسكرية والسياسية

الحرب على إيران وحزب الله: مغامرة نتنياهو العسكرية والسياسية
“عدم انهيار إيران وحزب الله حتى الآن، وقدرة حزب الله على مواصلة المواجهة العسكرية وشن الهجمات، قد أضعفا الانطباع السائد في إسرائيل بأن الحرب ستكون قصيرة وسهلة”.
تدّعي إسرائيل أنّها نجحت في تحقيق إنجازات عسكرية وإستراتيجية مهمّة منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر. فبعد الإخفاق الكبير، ترى القيادة الإسرائيلية أنّها تمكنت من توجيه ضربة قاسية جداً لحركة حماس، واستعادة الأسرى والمخطوفين، وتقليص حضور الحركة في قطاع غزة، مع استمرار سيطرتها العسكرية على نحو نصف مساحة القطاع، إضافة إلى اغتيال عدد كبير من قيادات حماس.
كما تعتبر إسرائيل أنّها حققت إنجازاً كبيراً في حربها ضد حزب الله عام 2024، إذ باتت الأجواء اللبنانية مباحة بالكامل أمام سلاح الجو الإسرائيلي والغارات شبه اليومية، كما قُتل عدد كبير من قيادات الحزب.
وقد جاءت حرب الاثني عشر يوماً ضد إيران في الصيف الماضي لتُشكّل، من وجهة النظر الإسرائيلية، أكبر إنجاز إستراتيجي. إذ أعلنت إسرائيل أنها نجحت في إلحاق أضرار كبيرة بالمشروع النووي الإيراني، وبالقدرات الصاروخية والعسكرية لإيران.
وقد ساهمت هذه الأجواء في دفع القيادة الإسرائيلية، السياسية والأمنية، ومعها قطاعات واسعة من المجتمع الإسرائيلي، إلى حالة من النشوة والشعور المتضخم بالقوة، ترافقها رغبة متزايدة في حسم الملفات الإقليمية وفرض الهيمنة الإسرائيلية في المنطقة.
وقد باتت الحرب الحالية، من المنظور الإسرائيلي، تُعدّ من أهم الحروب التي خاضتها إسرائيل منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023. ومن دون أن تقصد ذلك بالضرورة، وجدت إسرائيل نفسها عملياً تربط نتائج مجمل الحروب التي شنتها منذ ذلك التاريخ بنتائج الحرب الجارية على إيران وحزب الله.
أمّا على الصعيد السياسي، فبعد أن نجح نتنياهو في منع انهيار الائتلاف الحكومي منذ أحداث السابع من تشرين الأول/ أكتوبر، عبر المناورات السياسية والمراوغة وإطالة أمد الحروب وما رافقها من قتل ودمار، فقد أنتج واقعاً يربط فيه مصيره السياسي بنتائج هذه الحرب. ويعود ذلك إلى تضخيم المخاطر التي تمثلها إيران على إسرائيل، وتحويل الملف الإيراني إلى قضية شخصية يقودها نتنياهو منذ عودته إلى السلطة عام 2009، فضلاً عن محاولته تسويق الحرب الحالية بوصفها إنجازه الشخصي.
وهو ما يشير إلى أنّه وحكومته قد لا يضعان حدوداً أو ضوابط واضحة لمسار الحرب الجارية، في ظل السعي إلى تحقيق حسم عسكري وإنجازات ميدانية يمكن توظيفها سياسياً في مرحلة لاحقة، ولا سيما في ظل دخول إسرائيل عاماً انتخابياً.
بداية التساؤلات
حتى الآن، ترى إسرائيل أنّها حققت إنجازات عسكرية مهمّة، من بينها اغتيال عدد من القيادات الإيرانية، وعلى رأسهم المرشد الأعلى، علي خامنئي، إلى جانب قيادات عسكرية أخرى، وتوجيه ضربات مؤثرة للقدرات الصاروخية الإيرانية.
ومع ذلك، لا تستطيع إسرائيل حتى الآن الادعاء بأنها حسمت الحرب مع إيران أو أنها حققت جميع أهدافها. كما لا تستطيع إسرائيل، حتى هذه اللحظة، الادعاء بأنها حققت إنجازات عسكرية كبيرة في المواجهة مع حزب الله، على غرار ما حدث في حرب عام 2024.
يبدو أنّ فجوة معيّنة في التوقعات بدأت تتكوّن لدى الجمهور الإسرائيلي. فقد توقّع كثيرون عملية عسكرية قصيرة، قاتلة ومركّزة، تنتهي بانهيار الحكم في طهران. لكن بدلاً من ذلك تتطور حرب استنزاف.
يمكن القول إن أجواء ومجريات الحرب الحالية تختلف، إلى حدّ ما، عن تلك التي رافقت الحروب التي خاضتها إسرائيل خلال العامين الأخيرين، سواء ضد حزب الله أو لاحقاً ضد إيران. ففي تلك المواجهات كان التفوق الإسرائيلي والإنجازات العسكرية أكثر وضوحاً، فيما بدت حالة الارتباك والبلبلة لدى حزب الله وإيران أكبر. وعلى الرغم من الأثمان التي دفعتها إسرائيل آنذاك، فإن المجتمع الإسرائيلي اعتبر تلك المواجهات إنجازاً، وكان مستعداً لتحمّل كلفتها.
المتغير الأساسي في الحرب الحالية، مقارنة بالحروب التي خاضتها إسرائيل ضد حزب الله وإيران خلال العامين الأخيرين، يتمثل في أنها تكشف عدم الدقة في الرواية الإسرائيلية حول نتائج تلك الحروب أمام الجمهور. فمجريات الحرب الراهنة لا تنسجم مع سقف التفاؤل، بل مع الأجواء الاحتفالية التي رافقت بداية الحرب على إيران، ومن بعدها المواجهة مع حزب الله.
عدم انهيار إيران وحزب الله حتى الآن، وقدرة حزب الله على مواصلة المواجهة العسكرية وشن الهجمات، قد أضعفا الانطباع السائد في إسرائيل بأن الحرب ستكون قصيرة وسهلة، وبأن بإمكان إسرائيل الاستمرار في توجيه الضربات إلى حزب الله على نحو مشابه لما جرى منذ وقف إطلاق النار عام 2024، أو كما حدث في الأيام الأخيرة من الحرب على إيران في الصيف الماضي. بعبارة أخرى، لم تعد الحرب تبدو كما لو أنها حرب من طرف واحد، أي من طرف إسرائيل.
كل ذلك أدى إلى بروز بوادر تذمّر وطرح تساؤلات موجّهة إلى الجيش والحكومة، وإن كانت هذه التساؤلات لا تزال متواضعة حتى الآن. وقد بدأ صدى هذه الأجواء يظهر في وسائل الإعلام وفي التحليلات الإسرائيلية خلال اليومين الأخيرين. ومن المرجّح أن تتزايد هذه الأجواء كلما طال أمد الحرب من دون تحقيق حسم واضح.
إن استمرار الحرب بصيغتها الحالية، واستمرار توجيه الضربات الصاروخية إلى العمق الإسرائيلي، حتى لو كانت نتائجها محدودة كما تقول إسرائيل، إلى جانب تأخر الحسم من المنظور الإسرائيلي، قد يؤدي إلى تغيير في المزاج الشعبي العام داخل إسرائيل، حتى لو واصل الجيش والحكومة الادعاء بتحقيق إنجازات عسكرية عبر القتل والدمار.
وعندها قد تتحول النشوة التي سادت في بداية الحرب إلى حالة من المرارة والخيبة. وبطبيعة الحال ستكون لذلك انعكاسات سياسية قد تأتي بعكس ما كان يهدف إليه نتنياهو، الذي خاض مغامرة عسكرية جديدة ظناً منه أنها ستكون سريعة وحاسمة، ويمكن أن توفر له بوليصة تأمين سياسية في الانتخابات المقبلة. بل إن نتنياهو وحزب الليكود بدءا بالفعل التفكير في احتمال تقديم موعد الانتخابات المقبلة إلى شهري حزيران/ يونيو أو تموز/ يوليو، على ضوء ما اعتبراه إنجازات عسكرية كبيرة تحققت في الأيام الأولى من الحرب على إيران.
مغامرة جديدة… هل كانت محسوبة؟
يمكن القول إن الحكومة الإسرائيلية لا تتجه فقط نحو مغامرة عسكرية جديدة، من خلال فتح حرب مع إيران قد تتوسع إلى مواجهة واسعة مع لبنان، ولا تقتصر المسألة على مغامرة سياسية شخصية لرئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، بل إن هذه الحرب تدفع أيضاً الاقتصاد الإسرائيلي إلى مغامرة يصعب التنبؤ بتداعياتها.
فمن المتوقع أن تؤدي هذه الحرب إلى اتساع العجز المالي للحكومة، الذي حُدّد بنحو 3.9% في مقترح ميزانية العام الحالي، كما ستساهم في ارتفاع الدين العام. وقد تفضي كذلك إلى ضغوط إضافية على التصنيف الائتماني لإسرائيل، وربما حتى إلى خفضه.
لا يزال من غير الواضح حتى الآن كيف ستنعكس الحرب الإسرائيلية – الأميركية على إيران وحزب الله على المشهد السياسي في إسرائيل. فذلك سيتأثر أولاً بنتائج الحرب العسكرية، ثم بتداعياتها الاقتصادية، والأهم بتحولات المزاج العام داخل المجتمع الإسرائيلي.
فإذا تعامل المجتمع ووسائل الإعلام مع نتائج الحرب بوصفها إنجازاً، فقد يسهم ذلك في تعزيز مكانة نتنياهو السياسية والانتخابية، وربما يدفع نحو تبكير موعد الانتخابات. أما إذا اعتُبرت الحرب انتكاسة تُعكّر أجواء ما يُنظر إليه إسرائيلياً على أنه إنجازات تحققت منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر، فإن تداعياتها ستكون سلبية على مكانة نتنياهو السياسية وفرصه الانتخابية.



