الحزن وضغوط السياسة تطيح ببيربل باس من الحكومة الألمانية وقيادة الاشتراكيين

الحزن وضغوط السياسة تطيح ببيربل باس من الحكومة الألمانية وقيادة الاشتراكيين
علاء جمعة
برلين- : في استقالة مفاجئة تجاوزت أسبابها حدود المأساة العائلية إلى قلب الصراع السياسي داخل الحكومة الألمانية، أعلنت بيربل باس تخليها عن منصبي وزيرة العمل والشؤون الاجتماعية والرئيسة المشاركة للحزب الاشتراكي الديمقراطي، بعدما قالت إن وفاة ابنة زوجها والضغوط والهجمات السياسية التي تعرضت لها، حتى من داخل الائتلاف الحاكم، لم تعد تسمح لها بمواصلة مهامها بالقوة نفسها.
وجاء القرار صباح اليوم الإثنين ليحدث هزة سياسية في برلين، ليس فقط لأن باس كانت تجمع بين منصب حكومي شديد الحساسية وقيادة أقدم الأحزاب الألمانية، وإنما أيضاً لأن كلماتها حملت اتهاماً واضحاً لشريكي حزبها في الحكم، الاتحاد المسيحي الديمقراطي والاتحاد الاجتماعي المسيحي، اللذين يقود المستشار فريدريش ميرتس من خلالهما الائتلاف الحكومي.
قالت باس في رسالة نشرتها قيادة الحزب إنها أدركت بعد وفاة ابنة زوجها أنها تحتاج إلى الوقت لمعالجة حزنها، مضيفة أن “الهجمات العلنية” عليها استمرت وتكثفت خلال هذه الفترة الصعبة، بما في ذلك هجمات من صفوف الشريك في الائتلاف
وقالت باس في رسالة نشرتها قيادة الحزب إنها أدركت بعد وفاة ابنة زوجها أنها تحتاج إلى الوقت لمعالجة حزنها، مضيفة أن “الهجمات العلنية” عليها استمرت وتكثفت خلال هذه الفترة الصعبة، بما في ذلك هجمات من صفوف الشريك في الائتلاف. وأكدت أنها لا تستطيع في الوقت الحالي أداء مهامها الحكومية والحزبية بصورة كاملة، ولذلك قررت التخلي عن المنصبين. وستحتفظ، في المقابل، بمقعدها في البرلمان الألماني ممثلة عن مدينة دويسبورغ.
ضغط سياسي في أصعب الأوقات
ورغم الطابع الشخصي الواضح لقرار باس، فإن الصحافة الألمانية ربطت الاستقالة مباشرة بالأزمة المتصاعدة داخل التحالف بين المحافظين والاشتراكيين الديمقراطيين.
وذكرت صحيفة “زود دويتشه تسايتونغ” أن سياسيين من الاتحاد المسيحي كانوا قد وجهوا خلال الفترة الأخيرة انتقادات حادة لباس، متهمين إياها بالتباطؤ في تقديم مشاريع القوانين المتعلقة بإصلاح نظام التقاعد وسوق العمل، بل وبعرقلة تنفيذ الإصلاحات التي اتفقت عليها الحكومة. وجاء ذلك بينما كانت الوزيرة قد ابتعدت عن الظهور العام وألغت عدداً من المواعيد بسبب حالة الوفاة في عائلتها.
لكن حجم الخلاف يظهر بصورة أوضح في تقرير نشرته صحيفة “هاندلسبلات” قبل أيام من الاستقالة. وكشفت الصحيفة أن قيادة الكتلة البرلمانية للاتحاد المسيحي ناقشت زيادة الضغط على باس لدفعها إلى تقديم مشروعات قوانين التقاعد وسوق العمل بصورة أسرع، وأن نواب الاتحاد فكروا في ربط موافقتهم على إصلاح ضريبة الدخل، الذي يريده وزير المالية ونائب المستشار لارس كلينغبايل، بإحراز تقدم في القوانين التي كانت تعدها وزارة باس.
“أجواء” حكومة سابقة تعود إلى برلين
وقبل أقل من أسبوع على الاستقالة، كانت “زود دويتشه تسايتونغ” قد وصفت العلاقة بين الاتحاد المسيحي والحزب الاشتراكي الديمقراطي بأنها تتجه إلى مستوى متزايد من انعدام الثقة. ورأت أن الخلافات بدأت تستحضر تجربة الحكومة السابقة التي قادها أولاف شولتس وانتهت بعد سنوات من النزاعات العلنية بين شركائها.
التيار المحافظ يطالب بإصلاحات أسرع وأوسع في دولة الرفاه وسوق العمل والتقاعد، بينما يصر الاشتراكيون الديمقراطيون على ألا تتحول الإصلاحات إلى اقتطاعات اجتماعية يتحملها أصحاب الدخول المحدودة والمتقاعدون والعاملون
فالتيار المحافظ يطالب بإصلاحات أسرع وأوسع في دولة الرفاه وسوق العمل والتقاعد، بينما يصر الاشتراكيون الديمقراطيون على ألا تتحول الإصلاحات إلى اقتطاعات اجتماعية يتحملها أصحاب الدخول المحدودة والمتقاعدون والعاملون. وكانت باس في قلب هذا التناقض بحكم توليها وزارة العمل، وهي واحدة من أكثر الوزارات ارتباطاً بهذه الملفات.
وتبرز قضية التقاعد بصورة خاصة. فالحكومة تعمل منذ أشهر على إصلاح واسع للنظام، وسط خلافات حول سن التقاعد والتقاعد المبكر وكيفية تمويل المعاشات مستقبلاً. وكانت باس قد طالبت مراراً شريكها المسيحي بتوضيح موقفه، مؤكدة في الوقت نفسه ضرورة توفير ضمانات انتقالية لمن أمضوا عقوداً طويلة في سوق العمل.
غضب داخل الاشتراكيين
الطريقة التي تعامل بها بعض المحافظين مع باس خلال فترة حدادها أثارت غضباً واضحاً داخل الحزب الاشتراكي الديمقراطي.
وقال لارس كلينغبايل، نائب المستشار والرئيس المشارك للحزب، إنه يتفهم قرارها على المستوى الإنساني، مضيفاً أن “خلف المناصب نحن جميعاً بشر”. ووصف الهجمات التي تعرضت لها باس خلال أيام حزنها بأنها “غير لائقة”، مؤكداً أن مثل هذا السلوك لا ينبغي أن يحدث.
وذهبت رئيسة حكومة ولاية مكلنبورغ فوربومرن، الاشتراكية الديمقراطية مانويلا شفيزيغ، إلى أبعد من ذلك، إذ وصفت الهجمات التي تعرضت لها باس من الاتحاد المسيحي في هذه الظروف بأنها “غير إنسانية” و”تفتقر إلى المراعاة”.
وتكشف هذه التصريحات أن رحيل باس قد لا ينهي الخلاف، بل يمكن أن يفتح نقاشاً داخل الحكومة حول طبيعة العلاقة بين الشريكين وحدود الهجوم السياسي في وقت يفترض فيه أن يعمل الطرفان معاً لتنفيذ برنامج حكومي مشترك.
خليفة سريع في الوزارة.. وفراغ في قيادة الحزب
ولم تحتج قيادة الحزب الاشتراكي الديمقراطي إلى وقت طويل للعثور على بديل لباس داخل الحكومة. فبحسب معلومات “تاغس شاو” و”دي تسايت”، تقرر ترشيح رئيس حكومة ولاية راينلاند بفالتس السابق ألكسندر شفايتسر لتولي وزارة العمل والشؤون الاجتماعية.
لكن المسألة الأكثر تعقيداً تبقى داخل الحزب نفسه. فبينما حُسمت عملياً خلافة باس في الوزارة بسرعة، لم يكن قد حُسم بعد من سيشغل موقعها إلى جانب كلينغبايل في قيادة الحزب الاشتراكي الديمقراطي.
وتأتي هذه الأزمة في وقت يواجه فيه الحزب ضغوطاً لإعادة ترتيب صفوفه بعد نتائج انتخابية صعبة، وفي ظل نقاش داخلي حول كيفية استعادة ناخبين فقدهم لمصلحة أحزاب أخرى.
وتبدو استقالة بيربل باس مختلفة عن استقالة وزيرة لأسباب عائلية بحتة. فالرسالة التي تركتها قبل الرحيل تضمنت، إلى جانب الحزن الشخصي، انتقاداً مباشراً لثقافة التعامل داخل الائتلاف.
وقالت باس في ختام رسالتها إن انتهاء منصبها لا يعني نهاية قصتها السياسية، مؤكدة استمرارها في البرلمان وتمثيل ناخبيها في دويسبورغ.
“القدس العربي”




