الحقائب الوزارية في المغرب: خدمة للمواطن أم إرضاء للأحزاب؟.
حكومة من 32 عضواً أم حكومة مصغّرة من 15 وزيراً؟ سؤال يتجاوز العدد إلى فلسفة تشكيل الحكومات..

الحقائب الوزارية في المغرب: خدمة للمواطن أم إرضاء
للأحزاب؟.
حكومة من 32 عضواً أم حكومة مصغّرة من 15 وزيراً؟ سؤال يتجاوز العدد إلى فلسفة
تشكيل الحكومات..
كلما جرى الحديث عن تشكيل حكومة جديدة في المغرب، عاد إلى
الواجهة سؤال توزيع الحقائب الوزارية بين الأحزاب المشاركة
في الائتلاف. فإلى جانب البرامج الانتخابية والوعود المقدمة
للمواطنين، تبرز في مفاوضات تشكيل الحكومات مسألة التمثيل
الحزبي، ونصيب كل حزب من المناصب، والحقائب التي
سيتولّاها ممثلوه.
ومن هنا، يصبح من المشروع التساؤل: هل يتحدد حجم الحكومة
واختصاصات وزرائها وفقاً للحاجات الفعلية للبلاد، أم تتدخل في
ذلك أيضاً اعتبارات التوازنات الحزبية والمساومات الرامية إلى
إرضاء مكونات الائتلاف وضمان مشاركتها في الحكومة؟.
إن هذا السؤال لا يعني الجزم بأن كل منصب وزاري أُحدث
لإرضاء حزب بعينه، لكنه يسلط الضوء على إشكالية سياسية
تستحق النقاش: عندما تتعدد الأحزاب المشاركة في الحكومة،
وتتباين مطالبها بشأن الحقائب الوزارية، إلى أي حد يمكن أن
تتحول هندسة الحكومة إلى نتيجة للمفاوضات الحزبية، بدلاً من
أن تكون حصيلة تقييم موضوعي لحاجات الدولة والمجتمع؟.
المساومات الحزبية وتضخم عدد الوزراء.
إن تشكيل ائتلاف حكومي يقتضي، بحكم طبيعته، التفاوض بين
الأحزاب بشأن البرنامج المشترك والمسؤوليات الحكومية. غير
أن التفاوض على السياسات والأولويات يختلف عن التنافس على
عدد المناصب والحقائب التي سيحصل عليها كل طرف.
فإذا أصبح توزيع المناصب جزءاً أساسياً من التفاهمات بين
مكونات الائتلاف، فإن احتمال تضخم التشكيلة الحكومية يفرض
نفسه: وزارات قائمة، ووزراء منتدبون، ومسؤوليات متفرعة
عن قطاعات تتقاطع اختصاصاتها، في صورة تثير التساؤل عن
الضرورة الفعلية لكل منصب.
والإشكال هنا ليس في تعدد الأحزاب، فالتعددية السياسية مكوّن
أساسي من مكونات العمل الديمقراطي، ولا في إسناد المسؤوليات
إلى ممثلي الأحزاب المشاركة في الحكومة. وإنما في احتمال أن
تصبح المناصب الوزارية وسيلة للتوفيق بين المطالب الحزبية،
حتى عندما لا تفرض متطلبات التدبير إحداث كل تلك المناصب.
فالحكومة ليست مؤسسة لتوزيع الغنائم السياسية، بل جهاز
تنفيذي يفترض أن تُنظَّم اختصاصاته وفقاً للمصلحة العامة، وأن
يتحمل أعضاؤه مسؤوليات واضحة عن تنفيذ البرامج وتحقيق
النتائج.
لماذا لا يكتفي المغرب بخمسة عشر وزيراً؟.
إذا كانت الغاية هي تدبير شؤون البلاد بكفاءة، فلماذا لا يُفتح
نقاش جدي حول إمكانية تشكيل حكومة مصغّرة لا يتجاوز عدد
أعضائها خمسة عشر وزيراً، مع الاحتفاظ بجميع القطاعات
والاختصاصات الضرورية؟.
يمكن، في هذا التصور، دمج القطاعات المتقاربة، وإعادة توزيع
المسؤوليات، والاستعانة بالكفاءات الإدارية والتقنية، بدلاً من
إنشاء مناصب وزارية مستقلة لكل ملف أو توسيع التشكيلة
لتلبية مطالب الأطراف المشاركة في الائتلاف.
ولا يعني تقليص عدد الوزراء إلغاء الاهتمام بالتعليم الأولي أو
التكوين المهني أو الصيد البحري أو الإسكان أو الشباب أو
الإدماج الاجتماعي. فهذه ملفات مهمة، لكن أهميتها لا تعني
بالضرورة أن لكل منها حاجة إلى وزير مستقل. إذ يمكن الحفاظ
على الاختصاصات وتطويرها داخل بنية حكومية أكثر اختصاراً،
شرط وضوح المسؤوليات وتوفير الموارد اللازمة.
كما أن اعتماد حكومة مصغّرة لا ينبغي أن يكون مجرد إجراء
شكلي، بل يجب أن يصاحبه إصلاح في أساليب التدبير، وتحديد
دقيق للاختصاصات، وربط المسؤولية بالمحاسبة، حتى لا يتحول
تقليص عدد الوزراء إلى مجرد نقل للأعباء من مستوى إلى آخر.
المال العام ليس وسيلة لإرضاء التوازنات الحزبية.
إن تعدد المناصب الحكومية يستدعي أيضاً الشفافية بشأن كلفة
التسيير والتعويضات والموارد المخصصة لكل منصب. ومن حق
المواطنين معرفة المردودية التي تحققها هذه المناصب، ومدى
إسهامها في تحسين الخدمات العامة.
فلا يجوز أن تُقدَّم التوازنات الحزبية باعتبارها مبرراً كافياً
لتوسيع الحكومة، من دون بيان الحاجة التدبيرية إلى كل منصب.
وإذا كانت بعض الحقائب ضرورية، فلتُبرَّر ضرورتها
بالاختصاصات والمهام والنتائج المنتظرة، لا بمجرد كونها جزءاً
من تسوية سياسية بين الأحزاب.
وفي المقابل، لا يكفي الاستناد إلى عدد الوزراء وحده للحكم على
كفاءة الحكومة أو فشلها؛ فالمعيار هو مدى تناسب بنيتها مع
حاجات البلاد، وقدرتها على تنفيذ السياسات العمومية ومحاسبة
المسؤولين عن نتائجها.
المواطن خارج حسابات توزيع الحقائب.
إن المواطن المغربي الذي يواجه ارتفاع تكاليف المعيشة،
ويطالب بتحسين التعليم والصحة والتشغيل، لا تعنيه كثيراً
التفاصيل المتعلقة بنصيب كل حزب من المناصب الحكومية، بقدر
ما تعنيه النتائج التي تحققها الحكومة مجتمعة.
ومن حقه أن يسأل: ما الفائدة التي ستعود عليه من وجود هذا
العدد من الوزراء والوزراء المنتدبين؟ وهل كان بالإمكان تحقيق
النتائج نفسها بعدد أقل من المسؤولين، مع تنظيم أفضل
للاختصاصات وترشيد للإنفاق العمومي؟.
إن تشكيل الحكومة ينبغي أن يبدأ بتحديد حاجات البلاد
وأولوياتها، ثم تصميم البنية الحكومية القادرة على الاستجابة
لها، وبعد ذلك إسناد المسؤوليات إلى الكفاءات المناسبة. أما أن
يبدأ الأمر بتحديد مطالب الأحزاب، ثم تتشكل الحقائب وفقاً لما
تقتضيه المساومات بينها، فذلك منطق يستحق المراجعة والنقاش
العام.
إن المغرب بحاجة إلى نقاش جدي حول حكومة مصغّرة لا
يتجاوز عدد أعضائها خمسة عشر وزيراً، لا باعتبار هذا العدد
وصفة سحرية، بل بوصفه اقتراحاً لإعادة النظر في العلاقة بين
حجم الحكومة وفعالية أدائها.
فالحقائب الوزارية ليست مكافآت للأحزاب، والمال العام ليس أداة
لتسوية خلافاتها. الحكومة تُشكَّل لخدمة البلاد والمواطنين، لا
لكي يصبح إرضاء مكوناتها غاية تتقدم على الأهداف التي أُنشئت
من أجلها.
الأستاذ : علي او عمو
كاتب من المغرب



