الحكاية السادسة صندوق الحياة

الحكاية السادسة صندوق الحياة
الكاتب: تفيدة الجرباوي
في إحدى زياراتها المعتادة لجود، لفت انتباه عليا حوضُ السمك في زاوية الغرفة. قال، وهو يشير إليه:
«أقضي وقتًا طويلًا وممتعًا وأنا أغيّر الماء وأطعم السمك».
ابتسمت عليا، ولم تُجب.
تلك الجملة أخذتها بعيدًا، إلى الصف الخامس، إلى زمنٍ بدا لها الآن وكأنه أول تجربة عملية تركت أثرها في طريقتها في التفكير لاحقًا.
في ذلك العام، طلبت معلمة العلوم من التلميذات تنفيذ مشروع تطبيقي من إبداعهن، يعتمد على حصيلة ما تعلّمنه طوال العام في العلوم والرياضيات معًا، وأوضحت أن المشروع سيشكّل جزءًا كبيرًا من علامة امتحان نهاية العام. قالت بحزمٍ هادئ:
«حبّذا لو تركّزن على أكثر ما فهمتنّ… أريد أن ألمس الفهم».
جلست عليا صامتة تفكّر. لم تكن تريد مشروعًا يشبه غيره. أرادت شيئًا قريبًا من قلبها. وكانت الذاكرة تمدّها بصور مألوفة من طفولتها في القرية وهي في الصف الأول؛ مشاهد يومية تراها في طريقها إلى المدرسة وإيابها، تمشي أحيانًا إلى جانب أمّها أو جدّتها، تتوقّفان عند الأزهار، وتُشير إحداهما إلى طائرٍ على السلك، وتتركها تراقب دون استعجال. حياة بسيطة كانت تستمتع بها، من دون أن تسأل.
من تلك الصور وُلدت الفكرة.
قرّرت أن تصنع صندوقًا مستطيلاً شفافًا، كبيتٍ صغيرٍ للحياة، يشبه ما كانت تراه حولها. داخل الصندوق تخيّلت حمامتين تطيران، وعلى الأرض بطة ودجاجة ترقد على بيضها وبجوارها ديك، وبعض الأزهار وشجرة، وتحتها أرنب يأكل جزرة.
سرعان ما أدركت أن الفكرة أكبر من الورق والألوان. لم تتراجع، بل بدأت الأسئلة تتتابع: كيف تصنع الصندوق؟ كيف تَقُصّ الزجاج؟ كيف تُلصق الجوانب؟ كيف تُثبّتُ الحيوانات والأزهار؟ والأهم: كيف تُضيئه في الليل وتتحكّم بالضوء؟
لاحظ والدها انشغالها. جلست تشرح له الفكرة، ومع كل تفصيل يظهر سؤال جديد. ابتسم وقال:
«ما رأيك أن نبحث عن الإجابات؟»
اصطحبها إلى ثلاثة محلات صغيرة يعمل فيها حرفيون من معارفه. كان أوّلها دكانًا لقصّ الزجاج. ما إن دخلته حتى صفّقت بفرح. بدأت تشرح للحِرفيّ بحماسة أبعاد الصندوق، ولماذا تريده شفافًا، وكيف تفكّر في لصق الجوانب.
استمع إليها باهتمام ثم قال:
«تعالي غدًا… سنصنعه معًا».
في اليوم التالي، عادت برسوماتها. قالت وهي تشير إلى الأعلى:
«لا تُلصق هذا الجانب… أريده مفتوحًا، لكن تأكّد أن الحواف قويّة ولا تجرح».
تعرّفت على أداة القصّ، شاهدت كيف يُحدَّد الخط ويُقصّ الزجاج، وساعدته بيديها الصغيرتين. ثم انتقلت إلى اختيار نوع الغراء المناسب، وتعلّمت أن بعض الأنواع تصلح للزجاج وأخرى لا، وأن الاختيار الخاطئ قد يفسد العمل كله.
بعد اكتمال الصندوق، لم يعد بها والدها إلى البيت مباشرة. أدخلها إلى محل تصليح الأدوات والأجهزة الكهربائية. هالها ما رأت: أسلاك ملوّنة، مقابض كهربائية، مصابيح ونيونات، وأجهزة مكدّسة بانتظار الإصلاح.
دفعت عليا بالصندوق إلى الداخل بثقة وقالت:
«من فضلك، أريده أن يضيء… وأن أستطيع التحكّم بذلك».
ابتسم المُصلّح وجلس خلف طاولة العمل مشيرًا إليها أن تجلس أمامه:
«سأريك كيف نركّب دارة كهربائية بسيطة».
كشف جزءًا من السلك المغطّى بالمطاط، ربطه بالمقبض، ثم ناولها الأسلاك:
«ناوليني سلّة الأدوات وكاوي اللحام… ساعديني».
ثم قال: «نُدخِلُ الطرف الآخر إلى اللمبة الشفافة… ثم الحمراء… ثم الخضراء».
كانت تتابع كل حركة وتشارك بيديها الصغيرتين. وحين طلب منها أن تضغط الزر، أضاء الصندوق. شعرت بفرحٍ خالص.
في اليوم التالي، صنعت الحيوانات من ورقٍ مقوّى، قصّتها ولونتها وثبّتتها داخل الصندوق، لكن النتيجة لم تُرضها. سقطت بعض القطع، ولم تثبت أخرى. قال والدها مبتسمًا:
«ما رأيك أن نغيّر الورق المقوّى إلى خشبٍ رقيق بقواعد عريضة؟»
ذهبا إلى النجّار. هناك، تعرّفت على مقصّ الخشب والمنشار والملزمة. شاركت في العمل حتى اكتملت الأشكال. عادت إلى البيت، لوَّنَت الديك بذَنَبٍ مُتعدّد الألوان، والأرنب، والزهرة، والشجرة، ثم رتّبتها داخل الصندوق. هذه المرّة اتّسق المشهد. وقبل أن تُطفئ الضوء، انتبهت عليا إلى شيءٍ ناقص؛ صنعت فراشةً صغيرة من الورق، وثبّتتها فوق الأزهار. ثم توقّفت لحظة، وقالت لنفسها: الحياة لا تكتمل بالشكل وحده. أحضرت غطاءً صغيرًا فيه ماء لتشرب منه الحيوانات والطيور، ووضعت قليلًا من الحبوب وبعض الحليب للطعام.
عندها فقط، ابتسمت وكأن الحياة اكتملت.
ضغطت زرّ الإضاءة، فظهرت الحياة بألوانها. صفّقت، وقفزت، ورقصت طربًا بالنتيجة.
عرضت عليا مشروعها في الصف. شرحت الأبعاد، والمواد، وكيف تعمل الدائرة الكهربائية، ولماذا تُضاء اللمبات بترتيبٍ معيّن. سألتها المعلمة عن اختيار الغراء، وعن ترك السطح العلوي مفتوحًا. أجابت بهدوء وثقة.
قالت المعلمة في تقييمها: «هذا مشروع متكامل. فكرتك رائعة، وقد سُلُّم في الوقت المحدد، وتنفيذك مُتقن. الأهم أنكِ فهمتِ الغاية من صُنع الأشياء، لا خطواتها فقط».
عادت عليا إلى الحاضر. نظرت إلى حوض السمك من جديد. ابتسمت، وقد أدركت أن ذلك الصندوق الصغير علّمها مبكرًا كيف تسأل، وكيف تصنع، وكيف ترى المعنى قبل النتيجة.
جريدة الايام الفلسطينية



